سياسة مجتمع

 النازحون ليسوا عبئاً أو أزمة عابرة… بل قضية وطنية وإنسانية

زكي طه  

 بيروت 8 تموز 2026 ـ بيروت الحرية

  • بيان مخاتير ورؤساء بلديات القرى المسيحية في الشريط المحتل ردا على نتنياهو تأكيد على الإنتماء الوطني للبنان ومسؤولية الدولة عن مصيرهم وتلبية حقوقهم.
  • بلديات القرى والبلدات الجنوبية المهجرة تطالب الجهات المعنية بالتدخل الفوري لوضع حد لكل من يستغل ظروف وحاجات الناس الصعبة.
  • مختار بلدة الناقورة المدمرة بعد تفقد النازحين في إحدى مدارس مدينة صور: أهالي الناقورة لم يختاروا النزوح بل فُرض عليهم جرّاء الحرب، ومؤسسات الدولة مطالبة بتقديم الدعم اللازم وعدم ترك مصيرهم معلقاً.

تزداد معاناة آلاف العائلات اللبنانية النازحة يوماً بعد يوم، مع استمرار الحرب الإسرائيلية المفتوحة، وما خلفته من تهجير ودمار على نحو غير مسبوق، طال القرى والبلدات ببيوتها والبنى التحتية ومصادر العيش. وبين البحث عن مأوى، أو منزل للإيجار لا قدرة على تحمل كلفته، وبين تحديات العودة والتنقل ذهاباً وإياباً، والاكتظاظ في مراكز الإيواء وأماكن السكن وشح الإمكانات وضعف الخدمات، يعيش النازحون واحدة من أقسى المحن الاجتماعية والإنسانية التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث.

المأساة لا تقف عند حدود النزوح نفسه، بل تمتد إلى الأسئلة التي يطرحها الناس كل يوم: من يتحمل المسؤولية؟ من يلتفت إلى أوضاعنا؟ كيف نعيش ومتى نعود؟ وهل ستكون هناك عودة أصلاً؟ ومن سيعيد إعمار القرى المدمرة؟ ومن أين ستأتي الأموال؟ وهل ستبقى هذه الوعود مجرد شعارات تُطلق في زمن الحرب ثم تُنسى بعد انتهائها؟

هذه الأسئلة لا تعكس فقط حجم الكارثة والألم، بل تعكس أيضاً غياب رؤية وطنية واضحة للتعامل مع واحدة من أخطر نتائج الحرب.

فالنازحون ليسوا مجرد أرقام في سجلات الإغاثة، ولا مجرد متلقين للمساعدات، بل هم مواطنون اقتُلِعوا من أرضهم بفعل العدوان، وفقدوا مساكنهم وأمنهم واستقرارهم. ومن هنا، فإن قضيتهم ليست قضية إحسان أو تضامن موسمي، بل قضية حقوق، ومسؤولية وطنية تقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً.

إن المسؤولية الأولى عن هذه المأساة تقع على عاتق العدوان الإسرائيلي الذي انتهج سياسة التهجير القسري والتدمير الواسع، مستهدفاً البشر والعمران في آن واحد. غير أن مسؤولية الدولة اللبنانية تبدأ من كيفية حماية مواطنيها، وتأمين شروط صمودهم، والدفاع عن حقوقهم، وعدم تركهم فريسة الفقر والإهمال أو الاستغلال السياسي.

ولذلك، لم يعد كافياً التعامل مع النزوح بوصفه حالة طارئة ستنتهي تلقائياً بعد أسابيع أو أشهر. فالمعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن مسألتي العودة وإعادة الإعمار ما زالتا تواجهان تعقيدات كبيرة، وأن لا أفق زمنياً معروفا وواضحاً لحسمهما. كما أن استمرار الحديث الإسرائيلي عن ترتيبات أمنية تمنع أو تقيد العودة، وما يرافق ذلك من طروحات أميركية تتناول مستقبل المناطق الحدودية، يؤكد أن قضية العودة أصبحت جزءاً من الصراع السياسي الدائر، وليست مجرد مسألة تقنية أو إنسانية.

ومن هنا، فإن السياسة المسؤولة تقتضي عدم الاكتفاء بانتظار التسويات المقبلة، بل المبادرة منذ الآن إلى إعداد خطة وطنية متوسطة الأجل للتعامل مع أوضاع النازحين، تضمن لهم السكن اللائق، والتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل، والحماية الاجتماعية، إلى حين توافر الشروط التي تتيح العودة الآمنة وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

ومثل هذه الخطة ليست بديلاً عن العودة، ولا قبولاً بالأمر الواقع، بل هي واجب وطني يفرضه احترام كرامة المواطنين، ورفض تحويلهم إلى ضحايا دائمين وأداة للتجاذبات السياسية أو للتقصير الرسمي.

وفي الوقت نفسه، ينبغي التأكيد أن حق العودة إلى القرى والبلدات التي هُجِّر أهلها منها هو حق وطني وإنساني غير قابل للتصرف أو للمساومة. كما أن إعادة الإعمار ليست مسألة مالية فحسب، بل هي جزء من الدفاع عن وحدة الأرض اللبنانية وعن حق الناس في البقاء فوق أرضهم.

فإذا كان العدوان قد استهدف البشر والحجر معاً، فإن تعطيل العودة أو تأخير إعادة الإعمار زمناً طويلاً يحمل مخاطر سياسية ووطنية لا تقل خطورة عن التدمير نفسه، لأنه يفتح الباب أمام تكريس وقائع جديدة تمس خريطة التوزيع السكانية، وتضعف حضور المجتمع في مناطقه، وتمنح الاحتلال نتائج سياسية يعجز عن فرضها بالقوة العسكرية وحدها.

ومن هنا، فإن الدفاع عن النازحين لا ينفصل عن الدفاع عن الأرض، كما أن الدفاع عن حق العودة لا ينفصل عن الدفاع عن السيادة الوطنية.

وفي المقابل، فإن تحويل معاناة النازحين إلى مادة للاستثمار السياسي أو الطائفي يمثل اعتداءً جديداً عليهم. فلا يجوز تحميلهم مسؤولية خيارات لم يشاركوا في اتخاذها، ولا استخدام مأساتهم لإحياء الانقسامات المذهبية، أو لتبادل الاتهامات، أو لاستثمار المخاوف التاريخية، أو لتبرير استمرار سياسات المحاور التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من الانقسام والعجز.

والنازحون أنفسهم ليسوا مجرد متلقين للمساعدات، بل أصحاب قضية وأصحاب حقوق. ومن حقهم، كما من واجبهم أن ينظموا صفوفهم بصورة ديمقراطية ومستقلة، وأن يشكلوا لجاناً تمثلهم، وأن يحددوا مطالبهم وأولوياتهم، وأن يدافعوا عنها في مواجهة كل أشكال الإهمال أو التمييز أو التوظيف السياسي.

وهنا تبرز مسؤولية القوى الوطنية والديمقراطية المستقلة، التي لا يجوز أن يقتصر دورها على التضامن الأخلاقي أو إصدار البيانات التي لم تصدر، بل ينبغي أن تبادر إلى مشاركة النازحين في نضالهم الحقوقي، وإلى الضغط من أجل تبني سياسات عامة عادلة، وإلى بناء أوسع جبهة تضامن وطني تدافع عن حق العودة، وعن إعادة الإعمار، وعن حقوق المتضررين، بوصفها قضايا وطنية جامعة، لا ملفات فئوية أو طائفية.

إن الدفاع عن النازحين هو دفاع عن الوطن، وعن الدولة نفسها، لأن الدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها في المحنة، أو تتخلى عنهم بعد توقف المعارك، تفقد جزءاً أساسياً من شرعيتها. وهو دفاع عن المجتمع أيضاً، لأن المجتمع الذي يسمح بتحويل ضحاياه إلى مادة للتحريض والانقسام، يضع وحدته ومستقبله في مهب الريح.

إن معركة النازحين ليست معركة طائفية، أو معركة فئة من اللبنانيين، بل هي معركة لبنان كله. وهي امتحان لقدرة الدولة على القيام بوظيفتها، وامتحان لقدرة المجتمع على تجديد وحدته وتحصينها، وامتحان للقوى الوطنية والديمقراطية في الدفاع عن الإنسان، وعن الأرض، وعن حق اللبنانيين جميعاً في البقاء فوق أرضهم.

فلبنان لا يُدافع عنه بالسلاح وحده، ولا بالخطابات وحدها، بل أيضاً بحماية مجتمعه، وصون كرامة مواطنيه، والتمسك بحقهم في العودة إلى قراهم، ورفض أي مشروع أو سياسة أو أمر واقع يسعى إلى تحويل التهجير المؤقت إلى حالة دائمة، أو إلى إعادة رسم الجغرافيا السكانية تحت وطأة الحرب والعدوان.