زكـي طـه
بيروت 29 آذار 2026 ـ بيروت الحرية
في لحظة يتكثّف فيها الخطر الوجودي على لبنان بفعل الحرب الإسرائيلية التدميرية واتساع نطاقها، ويبلغ فيها الانقسام الداخلي مستويات غير مسبوقة، إنعقد لقاء معراب ـ ثلاثة تحت عنوان “إنقاذ لبنان”. والانعقاد يشكل محاولة من قبل قيادة حزب القوات اللبنانية لتقديم نفسها مرجعية وطنية، والمؤتمر بوصفه مبادرة وطنية جامعة. غير أن التدقيق في سياقه وتمثيله ومضمونه يؤكد أنّه أقرب إلى إعادة تموضع سياسي فئوي منه إلى مشروع إنقاذ وطني فعلي. وعليه، فإن قراءة هذا المؤتمر لا يمكن أن تقف عند حدود نقد بيانه، بل ينبغي أن تمتد إلى تفكيك وظيفته السياسية ومآلاته المحتملة في لحظة شديدة الهشاشة والخطورة في آن.
الإنقاذ وواقع الانقسام
من حيث الشكل، يطرح المؤتمر نفسه كإطار جامع يسعى إلى إنقاذ لبنان، لكن تركيبته التمثيلية المحدودة تنسف هذا الادعاء من أساسه. غياب المكوّن الشيعي المعارض، وغياب التمثيل الدرزي، والتمثيل السني الجزئي، والانقسام الحاد داخل الساحة المسيحية نفسها، كلّها مؤشرات لا تحتمل التجاهل لأنها تؤكد أنّ اللقاء لم يرقَ إلى مستوى الحد الأدنى من الشمولية الوطنية.
بذلك، تحوّل عنوان المؤتمر إلى غطاء بلاغي لمبادرة حزبية الطابع، تعكس ميزان قوى داخل بيئة سياسية محددة، ولا تعبّر عن توازنات المجتمع اللبناني. وعليه فإن التناقض الفاضح بين العنوان والمضمون لا يضعف فقط صدقية المؤتمر، بل يعمّق الانقسام القائم، عبر تكريس اصطفاف سياسي حاد بدل السعي إلى بناء مساحة مشتركة.
موقع لا ينقذ الدولة
في السياق السياسي الأوسع، تكشّف أن الهدف الفعلي للمؤتمر يتجاوز مسألة إنقاذ الدولة نحو محاولة إعادة رسم موازين القوى الداخلية من مواقع الانقسام الاهلي. فالقوات اللبنانية، في لحظة إقليمية ضاغطة على حزب الله، تسعى إلى الاستثمار في التحولات الجارية لتكريس موقعها كقوة مقررة على صعيد السلطة وفي الحكومة، ومرجعية قيادية في مواجهة الثنائي الشيعي.
غير أن هذه المقاربة، القائمة على إستغلال الاختلال في موازين القوى بدل معالجة مأزق البلد ضمن إطار وطني جامع، إذ بها تسرّع تشريع ابواب المخاطر الجدية. وهي لا تفتح أفقاً لحل الأزمة البنيوية المتمثلة بازدواجية السلاح والسلطة، بل تعيد إنتاجها بصيغة صدامية، وتنقل الصراع من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى المواجهة المفتوحة بين مكونات المجتمع.
خطاب آحادي لواقع مركّب
يتميّز البيان الصادر عن المؤتمر بنزعة حاسمة في تحميل حزب الله وإيران كامل المسؤولية عن الحرب وتداعياتها، وإهمال عوامل أخرى أساسية، وفي مقدمتها العدوان الإسرائيلي المستمر وطبيعته التدميرية عدا أهدافه التوسعية.
صحيح أن قرار الحزب الأحادي بالانخراط في الحرب يشكّل إشكالية جوهرية تتعلق بسيادة الدولة، لكن اختزال الأزمة بهذا البعد وحده يفضي إلى قراءة انتقائية تبسيطية، تفتقر إلى الشمولية اللازمة لفهم تعقيدات المشهد. فلبنان، تاريخياً وواقعياً، يقع في تقاطع صراعات إقليمية ودولية، ولا يمكن مقاربة أزمته بمعزل عن هذا السياق.
والخطاب الأحادي الذي تبناه المؤتمر لا يساهم في بناء رواية وطنية جامعة، بل يعمّق الانقسام من خلال اعادة انتاجه، عبر تقديم سردية صدامية تقابلها سردية مضادة، على النحو الذي يكرس الانقسام الاهلي العمودي داخل المجتمع.
مطلب السيادة عبر الاستقواء
يطرح المؤتمر مسألة حصر السلاح بيد الدولة بوصفها مدخلاً إلزامياً لاستعادة السيادة، وهو طرح مشروع من حيث المبدأ. غير أن الإشكالية تكمن في الوسائل المقترحة لتحقيق ذلك، ولا سيما التلويح بالاستعانة بقوات دولية تحت الفصل السابع.
هذا الطرح، في السياق اللبناني الحساس، لا يُقرأ بوصفه آلية تقنية، بل كإشارة إلى استعداد للاستقواء بالخارج في مواجهة طرف داخلي، ما يفتح الباب أمام تدويل الأزمة على نحو قد يخرجها من السيطرة. والتجارب اللبنانية السابقة تظهر بوضوح أن أي مسار من هذا النوع يحمل في طياته مخاطر تفجير داخلي، بدل أن يشكّل مدخلاً للحل.
العدالة أم تصفية الحسابات؟
تضمن البيان دعوة إلى إنشاء محكمة خاصة لمحاسبة المسؤولين عن إدخال لبنان في الحرب تبدو، ظاهرياً، خطوة في اتجاه تكريس مبدأ المساءلة. لكن في ظل غياب توافق وطني عريض، وفي مناخ انقسامي حاد، تتحوّل هذه الدعوة إلى أداة سياسية يُخشى أن تُستخدم لتصفية الحسابات، لا لإحقاق العدالة.
فالعدالة، لكي تكون عاملاً للاستقرار، تحتاج إلى إطار وطني جامع يضمن مشروعيتها، لا أن تُطرح كجزء من معركة سياسية بين أطراف متنازعة، تشاركت طوال عقود طويلة المسؤولية عمّا آلت إليه أوضاع البلد وأحواله.
والافدح من ذلك، أن المؤتمرين أعفوا اسرائيل من المسؤولية عن الحرب على لبنان وما تسببت به من خراب ودمار، وحصروا المسؤولية عمّا جرى ويجري بإيران وحزب الله، وطالبوهما بدفع التعويضات عن ما تسببوا به من مآسي للبنان وتعهدوا بمتابعة هذا الملف في شتى المحافل.
والأشد فداحة وخطورة، يكمن في تبرير حرب اسرائيل على لبنان، وإعفاءها من مطلب التعويضات، كما في عدم التجرؤ على ادانتها أو مطالبة الحكومة بإحالة ممارساتها الوحشية وارتكاباتها على محكمة العدل الدولية.
مخاطر الانفجار الداخلي
الأخطر في مآلات هذا المؤتمر لا يكمن فقط في محدودية تمثيله أو في خطابه الأحادي، بل في مساهمته الموضوعية على رفع منسوب التوتر الداخلي. إذ إن تكريس ثنائية الدولة مقابل حزب الله بصيغة صدامية، في ظل حرب خارجية مفتوحة، يضع لبنان على حافة انفجار داخلي.
هذا السيناريو، إذا ما تحقق، يشكّل خدمة مباشرة لإسرائيل، التي تسعى تاريخياً إلى نقل المواجهة من صراع معها إلى صراع داخلي لبناني، على النحو الذي يخفف الضغط عنها ويتيح لها تحقيق أهدافها بأقل كلفة ممكنة.
في المقابل، قد يجد حزب الله في هذا الانقسام مخرجاً سياسياً لتبرير إخفاقاته، أو خسائره في مواجهته المفتوحة مع العدو الاسرائيلي، عبر إعادة إنتاج سردية “الطعن في الظهر” وتحميل المسؤولية لخصومه في الداخل، ما يؤدي إلى تعميق الحلقة المفرغة للصراع الداخلي والارتهان للخارج.
تبادل أدوار في إنتاج الأزمة
كشف لقاء معراب، في جوهره، عمق المأزق الذي يحاصر مجمل القوى السياسية اللبنانية. فبدل التلاقي على مشروع إنقاذ وطني، يعالج جذور الأزمة من السلاح إلى النظام الطائفي إلى الانهيار الاقتصادي، تستمر هذه القوى في إدارة الصراع بمنطق تسجيل النقاط وإعادة التموضع بانتظار نتائج الحرب الاميركية ـ الاسرائيلية، وما يُطرح في سياقها من شعارات وأهداف استراتيجية، تتعلق بإعادة رسم خارطة أوضاع المنطقة.
في هذا السياق، ظهر المؤتمر كوجه آخر للأزمة نفسها: أزمة نظام سياسي عاجز عن إنتاج تسويات وطنية، وأزمة أطراف وقوى طائفية تتعامل مع التهديدات الوجودية كفرص لتعزيز مواقعها، لا كحوافز للتلاقي. ما يعني أن تجاهل البيان لاتفاق الطائف لم يحصل سهواً بقدر ما كان متعمداً.
أخيراً، لا يمكن التقليل من خطورة القضايا التي طرحها لقاء معراب، ولا سيما مسألة السلاح وسيادة الدولة. غير أن الطريقة التي طُرحت بها، ضمن إطار تمثيلي محدود وخطاب سياسي أحادي، حوّلت المؤتمر من فرصة محتملة للنقاش الوطني إلى عامل إضافي في تعميق الانقسامات الداخلية.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مؤتمرات تعيد إنتاج الاصطفافات الطائفية والفئوية، بل إلى مقاربة وطنية شاملة تعترف بتعقيد الأزمة، وتوازن بين مواجهة العدوان الخارجي ومعالجة الاختلالات الداخلية، وتفتح أفقاً لحل سياسي يجنّب البلاد الانزلاق إلى المجهول. وهنا تقع مسؤولية رئاسة الجمهورية ومعها رئاستي مجلس النواب والحكومة.
أما الاستمرار في إدارة الصراع بهذه الذهنية، فلن يؤدي إلا إلى تسريع الانهيار، وربما دفع البلاد إلى ما هو أخطر: انفجار داخلي يبدّد ما تبقى من الدولة والمجتمع.
