سياسة مجتمع

كي تتحول مواقف رئيس الجمهورية إلى مسار انقاذي للبلد

زكي طه

 بيروت 8 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية        

في لحظة لبنانية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها مخاطر الحرب الإقليمية مع الانهيار الداخلي، جاءت مواقف رئيس الجمهورية جوزف عون من بكركي لتشكّل حدثاً سياسياً يتجاوز طابعه الظرفي، ويستدعي قراءة متأنية لما ينطوي عليه من إشارات ورسائل. فالتصريح، على إيجازه، حمل مضموناً سياسياً مكثفاً، توزّع بين تثبيت أولويات وطنية، وتوجيه نقد مبطن ومباشر في آن، وطرح مقاربات توحي بملامح أولية لخارطة طريق إنقاذية. ومن هنا، لا تكمن أهميته فقط في ما قيل، بل في ما يمكن أن يُبنى عليه، إذا ما جرى التقاطه والتفاعل معه من قبل القوى السياسية والمجتمعية المعنية بمصير البلاد.

السلم الأهلي خط أحمر ومدخل للانقاذ

يضع رئيس الجمهورية مسألة السلم الأهلي في صدارة الأولويات، رافعاً إياها إلى مستوى “الخط الأحمر”. غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التحديد لا تكمن في طابعه المبدئي فحسب، بل في إعادة تعريفه لمصدر الخطر. فبدلاً من حصر التهديد في الخارج، يلفت إلى أن العبث بالسلم الداخلي يشكّل خدمة مباشرة لإسرائيل، في إشارة واضحة إلى أن الانهيار الداخلي بات المدخل الأخطر لأي اختراق خارجي.

بهذا المعنى، يوجّه الخطاب نقداً صريحاً، وإن بصيغة غير تصادمية، إلى القوى التي تغذي الانقسامات أو تستثمر فيها، كما يحمّل مسؤولية مباشرة لكل خطاب أو ممارسة من شأنها إعادة إنتاج شروط الفتنة. إلا أن هذا التحديد، على دقته، يطرح في المقابل تحدياً عملياً أساسياً: كيف يمكن حماية السلم الأهلي وضمان الاستقرار في ظل واقع سياسي وأمني يتسم بازدواجية القرار وغياب الاحتكار الكامل للدولة لأدوات القوة؟ أي أن الإقرار بالمشكلة لا يزال يحتاج إلى ترجمة عملية في بنية القرار الوطني.

ادانة خطاب الحرب الأهلية

حين يتحدث الرئيس عن انتهاء “زمن الـ75″، فهو لا يستحضر فقط ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية، بل يعلن، ضمناً، ضرورة القطع مع منطقها وأدواتها وخطابها. وتندرج في هذا السياق ملاحظاته حول الدور “المدمّر” لبعض وسائل الإعلام، مقابل تأكيده على حرية التعبير المشروطة بالمسؤولية.

هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة ضبط المجال العام، بحيث لا تتحول الحرية إلى منصة للتحريض أو الانقسام. غير أن الإشكالية هنا تبقى كامنة في تحديد معايير “المسؤولية”، وفي كيفية منع الانزلاق نحو تقييد الحريات. فالتوازن بين حماية السلم الأهلي وصون حرية التعبير يظل من أعقد التحديات في نظام ديمقراطي هش كلبنان.

الدولة والجيش والدبلوماسية خط الدفاع الأخير

يحتل الدفاع عن الجيش والقوى الأمنية موقعاً مركزياً في خطاب الرئيس، ليس فقط بوصفه رداً على الانتقادات، بل كجزء من إعادة تثبيت موقع الدولة كمظلة جامعة. فالتشديد على أن الجيش يعمل وفق المصلحة الوطنية، وأنه يشكل ضمانة للاستقرار، يحمل في طياته رسالة واضحة: البديل عن هذه المؤسسة ليس إلا الفوضى.

غير أن هذا التأكيد، على أهميته، يصطدم بواقع معقد يتمثل في محدودية قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة، وفي استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطارها. وبالتالي، فإن إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية تظل خطوة ضرورية، لكنها تبقى ناقصة ما لم تقترن بمسار سياسي واضح يعالج مسألة احتكار الدولة للسلاح والعنف المشروع.

ومن أبرز ما تضمنه التصريح، إعادة الاعتبار للعمل الدبلوماسي في مواجهة خطاب يستخف به ويراه بلا جدوى. إذ يطرح الرئيس معادلة مضادة: إذا كانت الحرب لم تجلب سوى الدمار، فإن الدبلوماسية تبقى الخيار الأقل كلفة والأكثر عقلانية. في ظل الاوضاع الراهنة.

هذا الموقف يشكّل، في جوهره، نقداً ضمنياً للنهج القائم على المغامرة العسكرية، ويؤسس لإعادة تعريف أدوات المواجهة مع التحديات الخارجية. لكن هذا التوجه وكي يكتسب فعاليته، يحتاج  إلى إطار عملي واضح: استراتيجية تفاوضية، تحديد الجهة المخولة إدارة التفاوض، وربطه بإجماع وطني أو بتوافق أكثري يضمن استمراريته.

أما تأكيد الرئيس على متانة علاقته مع كل من الرئيس نبيه بري والرئيس نواف سلام، فإنه يندرج في سياق السعي إلى تثبيت حد أدنى من الاستقرار داخل مؤسسات الحكم. وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها البلد.

إلا أن هذا الانسجام المعلن قد يخفي، في العمق، استمرار التباينات حول الملفات الأساسية، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على التحول إلى قاعدة فعلية لإنتاج سياسات إنقاذية، بدل أن يبقى مجرد إطار شكلي لإدارة التوازنات القائمة.

العلاقة مع إيران وعبثية المشاركة في الحرب

في مقاربته للعلاقة مع إيران، يقدّم الرئيس إشارات ذات دلالة، سواء من خلال نقل التزام المسؤولين الإيرانيين بعدم التدخل، أو عبر الحسم في الوضع القانوني للسفير الإيراني. وهي مواقف توحي بمحاولة إعادة طرح مسألة السيادة على قاعدة واضحة.

غير أن هذه الإشارات، رغم أهميتها، تبقى محكومة بواقع معقد، حيث يتداخل النفوذ الإقليمي مع التوازنات الداخلية، وتفتقر الدولة إلى الأدوات الكافية لفرض سيادتها بشكل كامل. ما يجعل من هذا الملف أحد أكثر التحديات حساسية في أي مسار إنقاذي.

يعتمد الرئيس مقاربة مزدوجة تجاه الحرب الدائرة: إدانة واضحة للاعتداءات الإسرائيلية، مقابل توصيف المشاركة غير المسؤولة في الحرب بأنها “عبثية”، والتأكيد على ضرورة تجنب الانخراط فيها. وهي مقاربة تعكس إدراكاً لحدود القدرة اللبنانية على تحمل تبعات مواجهة مفتوحة.

غير أن هذا الموقف يواجه معضلة أساسية: كيف يمكن تحييد لبنان فعلياً عن صراعات لا يملك قرارها بالكامل؟ وهو سؤال يعيد طرح إشكالية القرار السيادي من جديد.

وإلى جانب الأبعاد السياسية، يبرز في خطاب الرئيس اهتمام واضح بالبعد الإنساني، من خلال تحية الشهداء والجرحى والنازحين والصامدين في أرضهم، والإشادة بدور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وهو ما يعكس محاولة لإعادة وصل السياسة باهتمامات الناس اليومية ومعاناتهم المباشرة. إلا أن هذا البعد، على أهميته الرمزية، يحتاج إلى ترجمة عملية عبر سياسات اجتماعية وإغاثية واضحة، تضع حدّاً لتفاقم الأزمات المعيشية.

ملامح خطة انقاذية ونافذة مفتوحة

في المحصلة، يمكن القول إن مواقف رئيس الجمهورية ترسم، ولو بشكل أولي، ملامح مسار إنقاذي يقوم على تثبيت السلم الأهلي، وإعادة الاعتبار للدولة، واعتماد الدبلوماسية، وتجنب المغامرات العسكرية، إلى جانب إعادة طرح مسألة السيادة وربط السياسة بالبعد الاجتماعي. وكي لا تبقى هذه المواقف في إطار “إعلان النوايا”، فإنها تحتاج أن تتحول إلى برنامج عمل واضح، مدعوم بإرادة سياسية صلبة.

إن خطورة المرحلة الراهنة لا تسمح بالتعامل مع هذه المواقف بوصفها مجرد خطاب سياسي عابر. فهي تفتح نافذة، ولو ضيقة، أمام إمكانية الخروج من المأزق. وهذه النافذة لن تبقى مفتوحة طويلاً، ما لم تبادر القوى السياسية، ولا سيما تلك التي تدّعي الحرص على الدولة، إلى التقاط هذه الإشارات والبناء عليها، بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة.

فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية مسار إنقاذي فعلي، يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويضع لبنان على سكة الاستقرار، وإما أن تُهدر كغيرها من الفرص، فيستمر الانحدار نحو مزيد من التفكك والضياع.