سياسة مجتمع

خريطة الخارجية الاسرائيلية جس نبض للقضم التدريجي: سحب صفحة الاعلان لا يعني مغادرة الأطماع المعروفة

الدكتور زهير هواري

بيروت 13 آب 2026 ـ بيروت الحرية

آخر خريطة نشرتها وزارة الخارجية الاسرائيلية للحدود اللبنانية – الاسرائيلية كانت الأكثر دلالة عن كل ما سبقها من مخططات، منذ أن باشرت الدولة العبرية هجماتها على الجنوب اللبناني. ليس فقط لأنها قضمت بموجبها معظم الجنوب، بل لأنها أكدت المؤكد من أن اسرائيل تعمل على نحو عملي على إلحاق هذه المنطقة اللبنانية بكيانها التوسعي. والدلائل أكبر من أن تحصى وتعد. بدءا من جرف القرى بما فيها من بيوت وطرقات وجسور وشبكات مياه وكهرباء ومجاري ومدارس ومساجد ومؤسسات، ومع كل ما يملكه أهلها من مزارع ومحترفات وحقول ومنعهم من العودة إليها … باختصار الحوؤل دون رجوع معالم الحياة، وتدمير كل ما يمت إلى حياة البشر بصلة.

بالطبع أثار نشر الخارطة مزيدا من الشكوك حول جدوى المفاوضات الثنائية التي تشهدها العاصمة الايطالية روما، وقبلها الولايات المتحدة الاميركية بين اسرائيل ولبنان، الذي أثار المشكلة النوعية الناشئة. وعملت دبلوماسية بلادنا على خطين: هما الخط الاميركي، والخط الأممي. ونجحت هذه الحملة في ارغام الخارجية الاسرائيلية على سحب الخريطة المذكورة من التداول. لكن ذلك لا يعني نهاية القصة، باعتبار أن عملية النشرلم تكن بريئة، إذ كانت بهدف اختبار ردة الفعل اللبنانية على ما تضمنته من توسع. هذا من جهة ومن جهة ثانية فقد باتت الخريطة هذه ضمن محفوظات السياسة الخارجية والأمنية الاسرائيلية، وتستطيع العودة إليها عندما تجد الفرصة مؤاتية  لفرضها، مثلها مثل كل الخرائط التي جرى إعدادها في مراحل سابقة، وتؤشر إلى نوايا اسرائيل المبيتة إزاء الاراضي اللبنانية كما إلى سواها من اراض عربية.

التوسع العدواني

على أي حال من المعروف أنه منذ اندلاع القتال في 23 تشرين الاول / اكتوبر 2023 مع ما تخللها وحتى الأمس، كانت تعمد الدوائر الاسرائيلية بدءا من وزارة الدفاع وصولا إلى سواها إلى نشر ما يشبه الخرائط التي تحدد المناطق التي يتقدم نحوها الجيش الاسرائيلي. بداية ظهرت هذه عبارة عن دوائر أو أشكال مستطيلة أو دائرية صغيرة بألوان مختلفة، بدأت من خط التماس مع القرى الحدودية اللبنانية، ثم توسعت إلى مسافة 2 كلم بعد تجاوز خط القرى الأمامي الذي تعرض للنسف الكلي، ثم إلى 5 كيلومترات فإلى 10 كيلومترات وصولا إلى 12 أو 15 كيلومترا. الآن عمليات القصف المدفعي والجوي لا تتوقف، وتتركز على قرى قضائي النبطية والقطاع الغربي. وتذهب التلميحات الاسرائيلية إلى ما هو أبعد من مرتفع على الطاهر ومدينة النبطية ومناطق الريحان والجرمق والعيشية وصولا إلى جزين في أقصى شمال محافظة الجنوب. هذا في القطاع الاوسط.

أما في القطاع الشرقي فالتصريحات الاسرائيلية تشدد على ضرورة ربط محور شبعا وكفرشوبا بمرتفعات جبل الشيخ والجولان والجنوب السوري مع تلال برغز ومشغرة في البقاع الغربي بجبل الباروك، وبذلك يتم فصل البقاع عن الجنوب تماما، والتعامل مع كل منطقة على النحو الذي تفرضه الضرورات العسكرية. وبذلك تتصل الجبهتان الشرقية والوسطى ببعضهما البعض، وبما يفتح على تطويق قضاء النبطة كاملا، والتقدم من مرتفعات جزين نحو صيدا ومنطقتها.

وما يجري في القطاع الغربي على الخط الساحلي،  خير دليل على التوجه لإحداث مزيد من التقدم نحو مدينة صور والخط الجنوبي الرئيسي. يجري هذا ضمن مخطط محدد قوامه إعادة طرح مسألة ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، وهو مشروع ترسيم جرت الإشارة إليه من جانب عدد من كبار المسؤولين الاسرائيليين مرات عدة. وكأن ما حصلت عليه اسرائيل من استثمار حقل كاريش ووضع اليد على أجزاء من المياه اللبنانية الخالصة في حقل قانا ليس كاف، بل المطلوب التوسع نحو الحقول اللبنانية التي لم تستثمر بعد، بعدما أكثر من عام على  البدء باستثمار مخزون النفط والغاز.

من جهتها، نقلت القناة 14 عن الجيش الإسرائيلي قوله إن “الخطوات المقبلة حول جنوب لبنان تُبحث سياسياً وبالمفاوضات مع لبنان”، موضحاً أن “الجانب الأمني البحري امتداد للجانب الأمني البري”. وشدد الجيش الإسرائيلي، وفق القناة، على أن “الاقتراب من المنطقة الأمنية  في جنوبي لبنان خطر”، داعياً “الجيش اللبناني إلى التنسيق معنا”.

ماذا في الخريطة الاسرائيلية

الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية على حسابها الرسمي في منصة «إكس»  ظهر فيها معظم جنوب لبنان وكأنه خرج من الاراضي اللبنانية وبات داخل المساحة المفرزة لإسرائيل. وقد حاولت اسرائيل التخفيف من مضاعفاتها باعتبار أنها وردت ضمن رسم بياني يتناول نسب سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون الخامسة في دول الشرق الأوسط. إلا أن الخريطة قامت برسم الحدود الدولية المشتركة أيضا. وظهرت خلالها خريطة لبنان باللون الأخضر، فقد ظهر القسم الجنوبي من هذه الخريطة «مقضومًا»، مع امتداد المساحة الرمادية المستخدمة للدلالة على إسرائيل شمالًا إلى أراضٍ تظهر في الخرائط المعترف بها دوليًا ضمن لبنان.

ونُشرت المادة عبر حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية الرسمي Israel Foreign Ministry على منصة «إكس»، في إطار حملة إسرائيلية تناولت بيانات عن سوء التغذية في غزة ودول المنطقة. ويؤكد أرشيف المادة أن الصورة المستخدمة من إعداد الخارجية الإسرائيلية، كما يظهر اسم الحساب الرسمي وشعاره في النسخة المتداولة من المنشور. بالطبع لا تشير البيانات المرفقة إلى الدور الاسرائيلي الحاسم في سوء التغذية الذي يتعرض له الفلسطينيون خصوصا والاطفال العرب عموما في غزة والضفة وكل ارض تتعرض للعدوان.

ويظهر لبنان في الرسم باللون الأخضر، لكن حدوده الجنوبية لا تمتد بالشكل المعتاد في الخرائط الدولية، فيما تظهر المساحة الملوّنة بالرمادي للدلالة على إسرائيل ممتدة إلى الشمال، وتصل إلى ابتلاع معظم منطقة الجنوب وحتى حدود الجبل، وهو ما فسّره اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم أنه يعبر عن نوايا مبيتة بضم الاراضي اللبنانية التي تحتلها إسرائيل راهنا في الجنوب ضمن خريطتها، أو أنها تنوي استكمال غزوها قريبا، لاسيما وأن وزارة الخارجية ليست مجرد تفصيل في سياسة الدولة العبرية.

ثم إن توقيت نشر الخريطة جاء في ظرف حساس بعد أن تعقدت فيه مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، التي ظهر أنها واحدة من العقد الأساسية في المفاوضات الجارية بوساطة أميركية، سواء تحت عنوان المناطق التجريبية أو النموذجية والانسحابات وسواها. ولعل ما عزز من الشكوك ما سبق وأشارت إليه صحيفة هآرتس التي تحدثت عن استمرار تعزيز الجيش الاسرائيلي لمواقعه في جنوب لبنان. وقد سبق لكل من نتنياهو وايسرائيل كاتس وبن غفير وسموتريتش وغيرهم من القادة السياسيين والعسكريين أن أعلنوا أن أسرائيل لن تنسحب من المناطق التي احتلتها في جنوب لبنان، ما لم يتم نزع سلاح حزب الله ليس من جنوب نهر الليطاني، بل من لبنان بأسره.

توسع ومقدمات استيطانية

وكان من الواضح في ضوء التصريحات المذكورة أن العديد من المجموعات الصهيونية المتطرفة بلغ بها الحماس أن قررت الدخول إلى الاراضي اللبنانية، والدعوة إلى إقامة مستوطنات عليها، أسوة بما يجري في الضفة الغربية أو قطاع غزة، أو أي أرض “تصل إليها قدماك”. وهنا يجب أن تنذكر تلك الخريطة التي تأبطها بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تشمل فيما تشمله من أراضي كلا من كامل فلسطين وسوريا والاردن ولبنان والكويت والعراق والجزء الآسيوي من مصر وبعض المساحات الحجازية من المملكة العربية السعودية.

بدوره شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر من مرة  أن قواته لن تنسحب من جنوب لبنان طالما اقتضت الضرورات الأمنية ذلك، بينما يطالب الجيش القيادة السياسية بالاحتفاظ بمنطقة عازلة، والإصرار على تفكيك سلاح الحزب، وضمان “حرية العمل” في كل لبنان.

إذن ما يحدث ليس عبارة عن زلة لسان، أو خطأ تقني في رسم خطوط خريطة، جاءت متزامنة مع تحقيق موسع تقني ارتكبتهع جهة غير مسؤولة بل هو خطأ مقصود، لاسيما وأن اسرائيل باتت تسيطر علمكيا على ما لا يقل عن 600 كلم مربع

بعد أن كشفت صحيفة هآرتس أن الجيش الإسرائيلي يعمد الى ترسيخ وجوده داخل جنوب لبنان عبر شق المزيد من الطرقات الحربية وبناء القواعد والمواقع العسكرية. بعد أن تبين أن المساحة التي بات يسيطر عليها تجاوزت الـ 600 كلم مربع وتصل عمقا إلى 12 – 15 كلم. في حين يسعى الاحتلال لتضخيم المساحة المحتلة لتصل إلى حوالي 1100 كيلومتر مربع لابتزاز المفاوضين اللبنانيين. وأن المناطق المأهولة التي  تدخل ضمن الخط الأصفر وتعرضت إلى التدمير الكامل نسبيا تصل عددا إلى أكثر من 55 قرية وبلدة ومدينة، جلها في أقضية صور، وبنت جبيل، وأيضاً بلدات مرجعيون الحدودية مع توسع في اتجاه الطيبة ودير سريان والقنطرة على الضفاف الجنوبية لـنهر الليطاني. وقد سقط أكثر من أربعة الآف من الشهداء وعشرات ألوف الجرحى منذ الثاني من آذار وعلى امتداد الاعوام القليلة المنصرمة.

ما يمكن الوصول إليه أن المطالب العالقة مع الجانب الاسرائيلي والتي تتعلق بالانسحاب الكامل من الاراضي اللبنانية من مدخل وقف اطلاق النار وتوسيع نطاق المناطق التجريبية ووقف عمليات التدمير القائمة على قدم وساق..  هي غيض من فيض يعبر عن حدة الصراع الدبلوماسي مع دولة لا تكتفي بالقهر الميداني، بل بالإبادة الكاملة لكل ما يمت للحياة الآدمية بصلة.