سياسة

بايدن على خطى ترامب في التزام واحتضان الموقف والدور الاسرائيلي

زاهي البقاعي

لولا الملايين التي قدمها الرئيس جو بايدن لكل من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الاونروا ( قرابة 300 مليون دولار)، ومساعدة بقيمة 100 مليون دولار لمستشفى اوغستا فكتوريا في القدس الشرقية المحتلة، ولشبكة المستشفيات المحلية، وعلى مدى سنوات، يمكن القول إن زيارة بايدن لرام الله، ولقائه الرئيس محمود عباس لم يسفرا سياسياً عن أي خطوة فعلية باتجاه حل الدولتين التي أعلن التزامه به. فالاهتمامات التي دفعت بايدن لزيارة المنطقة وضعت الموضوع الفلسطيني عملياً في هامش الهامش. ولعل أولويات بايدن كانت تتدرج من أمن اسرائيل، وتطمينها أن السياسة الاميركية تعمل على منع ايران من أن تصل إلى بناء قنبلتها الذرية “أبداُ”، وأن سقف التفاوض معها لن يبلغ التسليم لها بالحصول على السلاح النووي وتعزيز امتداداتها في المنطقة العربية وتطوير سلاحها البالستي. وأن العلاقات بين اسرائيل واميركا ستشهد المزيد من الازدهار في عهده، وأن اختراقاتها التي تحققت من خلال عمليات التطبيع مع الدواخل العربية وعلى صعيد المنطقة، ودورها الاقليمي بات خارج نطاق الجدل، ويضمن وضعها في موقع القيادة فيه، ضمن اطار الخطة الاستراتيجية الاميركية التي تريد المزيد من النفط والغاز لتأمين الاستهلاك بعد حظر الامدادات الروسية .

عباس أكد أمام بايدن أن حل الدولتين الذي يدعو إليه، ما زال  ممكناً الآن، وهو وضع قد لا تستمر معه هذه الإمكانية في السنوات المقبلة. وكرر عباس على مسامعه قائمة المطالب الفلسطينية بما هي الالتزام بإعادة فتح قنصلية اميركية في القدس المحتلة، واستعادة مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة واشنطن، وشطب المنظمة من قائمة المنظمات الارهابية، وقيام اميركا بدورها في الضغط على اسرائيل من أجل الالتزام بالاتفاقات والمواثيق الدولية بما تعبر عنه من رفض للسياسات والممارسات والقوانين العنصرية التي تحكم علاقتها كدولة احتلال مع الضفة الغربية وقطاع غزة، ومسألة بناء المزيد من المستوطنات وطرد الفلسطينيين من أراضيهم ومن أحياء مدينة القدس القديمة، والتهديد بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، ومحاسبة قتلة الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، بعد الدور الأميركي في إغلاق ملف مصرعها من خلال تبنّي رواية الموقف الإسرائيلي الرسمي، الذي يتنصل من القدرة على تحديد هوية مطلق الرصاصة التي قتلت الصحافية الفلسطينية التي تحمل الجنسية الاميركية.

لكن وعلى الرغم من كل ما استعرضه عباس أمام الرئيس الأميركي، الذي سبق وأعلن على مسامع الإسرائيليين أنه لا حاجة لأن تكون يهودياً كي تكون صهيونياً، وهي مقولة قديمة نقلها بايدن عن أبيه وحافظ عليها كوصية أو تميمة دوماً، فقد بدا واضحاً للجميع أن بايدن لن يقدم على خطوة سياسية ملموسة، كما حدث مع جورج بوش الأب وأوباما وغيرهم من الرؤساء الاميركيين الذين تطايرت وعودهم بتحقيق هذا الانجاز هباءً أمام رياح جذرية المشروع الصهيوني، مع امساك اليمين المتطرف بمقاليد الأمور في البلاد، واطلاقه الحملات لتوسيع المستوطنات، وإلغاء أي امكانية لاقامة الدولة الفلسطينية. وكما استند بايدن إلى حجم الاختراق الذي تحقق للموقف العربي كما صاغته قمة بيروت في العام 2002 ، التي اشترطت للتطبيع مع الكيان الاسرائيلي قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. فالقيادة الاسرائيلية تبدو مطمئنة إلى قدرتها على التنصل من القرارات والمواثيق الدولية بفعل غياب الحاضنة الدولية والاقليمية والعربية للموقف الفلسطيني الذي يصارع وحيدا، وباللحم الحي ضراوة الهجمة على ما تبقى من أرضه، وعلى ما حققه من اعتراف سياسي بعدالة ما يطالب به.

تنطلق الإدارة الاميركية الراهنة مما تحقق عبر ما يسمى صفقة القرن التي أطلقها الرئيس السابق دونالد ترامب والتي خطت بالموقف الاميركي خطوات إلى الامام في التطابق مع الموقف الاسرائيلي لجهة الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل، وبالتالي رفض أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، والدفع بمشاريع الاستيطان إلى مزيد من التوسع، وهو ما يرفضه المجتمع الدولي الذي ما يزال يعترف أن القدس الشرقية وكامل الضفة الغربية تحت الاحتلال الاسرائيلي، ومن حق الفلسطينيين جعلها عاصمة لدولتهم وإقامة دولتهم السمتقلة وممارسة السيادة عليهما. أما باقي أجزاء الضفة الغربية فلا تعترف السياسة الاميركية في مرحلة حكم ترامب أو بايدن بأي مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية عليها، وتترك مصيرها مرهونا  بقدرة المشروع الصهيوني على القضم والهضم. وهو بالضبط ما يحدث منذ العام 1967 وإلى اليوم دون أي رادع عربي أو اقليمي أو دولي، خصوصاً مع تلك “الوكالة الحصرية” التي حصل عليها الاميركيون باعتبارهم الوسيط بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ما أبعد الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين والمجتمع الدولي الذي تعبر عنه الأمم المتحدة عن لعب أي دور يذكر في البحث عن حلول تضمن الحقوق الفلسطينينية في العودة وتقرير المصير.

إذن لم يكن بايدن في وارد التراجع عما قرره سلفه ترامب، بما يجعل من القضية الفلسطينية مجرد تقديمات اقتصادية ومعيشية دون أي أفق سياسي ملموس. ولعل الحديث عن مشروع تحويل الانترنت في الضفة الغربية وقطاع غزة الى الجيل الرابع. إذ إن استعمال الجيل الثاني والجيل الثالث يعقد التحول الرقمي في الاقتصاد، هو مجرد واحد من الأمثلة التي تنظر بها الإدارة الاميركية للوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة والمحاصرة، ما يتعذر معه إحياء عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والمجمدة منذ العام 2014. والواضح من بيان القدس بين بايدن ورئيس الوزراء الاسرائيلي يائير لبيد، ومما قاله الأخير على مسامع الأول أنه لن يغيّر موقفه من موضوع حل الدولتين، ومن مبدأ التفاوض أصلاً. أما الحديث عن رغبة اسرائيل بالسلام فهو حمّال أوجه لا تقدم ولا تؤخر، طالما أن السلام بالمفهوم الاسرائيلي ليس سوى تكريس لشرعية الاحتلال ويهودية الدولة و”عدم التنازل عن أي شبر واحد من أمننا”. كما قال لبيد.

على أي حال  لايمكن المقارنة بين ما حصلت عليه اسرائيل، وما حصل عليه الفلسطينيون من زيارة بايدن ، فقد تجاهل الأخير سياسيات الفصل العنصري الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، علما أنه كان منتقدا بشدة لسياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ، متجاهلاً  السياسات المماثلة في إسرائيل، بل أنه اعتبر منتقدي السياسة الاسرائيلية داخل الحزب الديمقراطي مخطئون، ووصف اسرائيل بأنها دولة ديمقراطية، وتفاخر بتقديم 4 مليارات دولار كمساعدات عسكرية لها. علماً إن العديد من منظمات حقوق الإنسان الرائدة ( هيومن رايتس، منظمة العفو الدولية، مقرر الأموم المتحدة لحقوق الانسان، بتسليم و…) في العالم اتهمت إسرائيل بانتهاج سياسة فصل عنصري كامل، وهو ما تغاضى عنه بايدن في زيارته.

يقتفي الموقف الاميركي لبايدن ما سبق من مواقف في احتضان وحماية وتعزيز المشروع الصهيوني، وهو ما لم يتغير ولن يتغير بعدها، والمؤسف أن الموقف الفلسطيني لم يرتق رداً على هذا التأكيد إلى المستوى المطلوب، فمنظمة التحرير لاذت بالصمت، مكتفية بما سرده عباس أمام الرئيس الاميركي من مطالب ومظالم. أما حماس فاكتفت باطلاق عدة صواريخ على غلاف المستوطنات في القطاع، ردت عليها اسرائيل بغارات من طيرانها الحربي… أما على الصعيد السياسي فلا خطوة واحدة ملموسة باتجاه العمل على استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية المفقودة، ورسم سياسة مواجهة تعيد تصليب الموقف الفلسطيني، وتقديمه للمنطقة والعالم كونه نضال مشروع للتحرر من الاستعمار الأخير على كوكب الارض.

Leave a Comment