ثقافة

الهجومية العالمية للإسلاموية المتطرفة والنقاش الغائب

إذ ترى الإسلاموية في نفسها مصدراً صالحاً للافتاء عن صحيح الدين [ بل إنها لا تأبه سوى بذاتها]، تصبح هي نفسها المبرر المتسربل بالدين لكل ما تفعله كتنظيمات وخلايا وأفراد. إنها حكم ومصدر تشريع ومنفذ في آن معاً، ولا تهتم أن تناقش ذلك مع مرجعيات أو تراث أو مدارس

كتب أحمد مغربي

“ينتزع [الإسلام] الحريّة الشاملة لكل شخص ومجتمع من عبوديّة الأفراد الآخرين والمجتمعات الاخرى، وينهي عجرفة الإنسان وأنانيّته؛ ويقيم حكم الله وألوهيّته في العالم وحكم الشريعة الإلهيّة في شؤون الإنسان… عندما يدعو الإسلام إلى السلام، لا يكون هدفه مجرد سلام سطحي ينشد ضمان الأمن في رقعة الأرض التي يقطنها أتباع دين الإسلام. يعني السلام في الإسلام أن يكون الدين [ بمعنى نظام المجتمع] كلّه صافيّاً لله، وأنّ يطيع الناس الله وحده، وإزالة كل نظام يسمح لبعض الناس أن يحكموا الآخرين”. قائل هذه الكلمات ليس رئيساً يتهجم على الإسلام والمسلمين، محاولاً أن يظهر أن ذلك الدين السماوي يسعى إلى فرض سيطرته على كل الأديان والمجتمعات والدول، وانه لا يعترف بأي مفهوم للحرية ولا منظومة في الدول والكيانات والمجتمعات كلها، ولا بالفكر الإنساني والبشري كله، وكذلك القوانين والدساتير. إن كاتب تلك الكلمات هو المفكر الإسلامي البارز سيد قطب في كتاب “معالم على الطريق”. وفي الصفحات الأولى من ذلك الكتاب، يكفّر سيد قطب المجتمعات كلها، الغربية والشرقية لإنها ليست إسلامية، وحتى المجتمعات الإسلامية لأنها لا تطبق ما يعتقد بإنه الإسلام الصحيح. ويلي ذلك أن المجتمعات الإسلامية تعيش جاهلية حديثة لا مخرج منها، إلا عبر مفاهيم من نوع تفوق الإسلام و”حاكمية الله” وغيرهما.

ولا ريب في أن هذه الكلمات تنطلق من إيمان وتدين عميقين لدى كاتبها، بل ربما تجد نظيراً لها في أديان اخرى. لا مشكلة في ذلك بحد ذاته. لكن، لنفكر أيضاً أن من يصدر تلك الأحكام على البشرية كلها، هو كائن بشري إنساني مقيد بكل ما يحدد الإنسان من شروط في كيانه وكينونته وتفكيره ومعرفته. بقول آخر، تنطق الكلمات عن سلطة مطلقة تضع نفسها خارج نقاش بشرية مرجعها وأنها تصدر عن فكر إنسان محدد. ويكفي تقليب صفحات “معالم…”، ليتضح أن كاتبه لا يستند فيه أيضاً إلى التراث الواسع والمتنوع والثري والعميق للفقه الإسلامي بمدارسه وتياراته وأفراده وشخوصه وغيرها. 

الإسلاموية تحصر الدين بنفسها

الأهم من ذلك كله، أن “معالم…” لا يخفي من اللحظة الأولى أنه يعطي الأولوية المطلقة للسياسة، وللإمساك بالسلطة، بل يتحدث عن ذلك المشروع السياسي بلا مواربة.

من المستطاع الاستفاضة كثيراً في نقاش تلك النقاط وغيرها، لكن، ثمة إشكالية فكرية تتمثل في أن تياراً وحركة سياسية أساساً، وفق ما تقوله هي نفسها في ذلك، تقدّم ذاتها باعتبارها تملك تفسيراً حصرياً مطلقاً للدين، بل تذهب أبعد من ذلك فترى أن لا إيمان إلا لمن يسير في دروبها.

بقول آخر، يعبر الاقتباس الوارد في مطلع المقال عن مدى كثافة المزج بين الدين والسياسة في فكر التيار الذي يمثله سيد قطب، وكذلك يسير ذلك المزج في الاتجاهين، بمعنى أن من يخالف تلك الرؤى يصبح موضع تشكيك في إيمانه ودينه.

وقبل الاستطراد في نقاش هذا الجانب الذي يغيب غالباً عند تناول الإسلاموية المعاصرة. و تجدر الإشارة إلى أن مصطلح الإسلاموية يستعمل للإشارة إلى ذلك المزيج تحديداً، وتقدّم حركة “الاخوان المسلمين” مثلاً عنه، لكنها ليست وحيدة في ذلك. وكذلك يفيد مصطلح الإسلاموية في التمييز عما هو إسلامي، سواء الدين بحد ذاته أو كل ما يتصل بالتجربة والظاهرة الضخمة المتصلة به، من أفكار ومعتقدات وممارسات ومجتمعات وشعوب وثقافة وأنواع الفقه والتفسير والتشريع وغيرها.

واستطراداً، لا يحمل مصطلح الإسلاموية قيمة بحد ذاتها، بمعنى إنه ليس سلبياً ولا ايجابياً بحد ذاته، على الرغم من الاعتراض الأساسي على مزجه الدين بالسياسة إلى حد تلاشي الفارق بينهما. [تشديد على أن هذا النقاش مع الإسلاموية لا يجري على خلفية دينية، بل سياسية وثقافية وفكرية، لأن الدين شأن آخر].

ومثلاً، من المستطاع أن تكون الإسلاموية معتدلة، سواء في أفكارها أو ممارساتها، أو متطرفة على غرار ظواهر كـ”القاعدة” و”داعش” وسواهما. وليست ممارسة حركة “النهضة” في تونس مساوية لتجربة “داعش” أو “هيئة تحرير الشام”، مهما قيل في الخلفيات المشتركة بين الطرفين. وفي المقابل، يصعب فصل تلك الخلفيات المشتركة وتأثيراتها، بمعنى انها تسهم في تشكيل البيئة الحاضنة للطرفين المعتدل والمتطرف، وتلك إشكالية مهمة، وكذلك فإنها جزء من نقاش غائب.

فتاوى لتماهي المشرع والمنفذ

ثمة شيء ثقيل الوطأة، في ممارسة الإسلاموية المعاصرة للمزج بين الدين والسياسة، تبرز مسألة الربط المباشر مع الفتاوى الحاضرة. إذ ترى الإسلاموية في نفسها مصدراً صالحاً للافتاء عن صحيح الدين [ بل إنها لا تأبه سوى بذاتها]، تصبح هي نفسها المبرر المتسربل بالدين لكل ما تفعله كتنظيمات وخلايا وأفراد. إنها حكم ومصدر تشريع ومنفذ في آن معاً، ولا تهتم أن تناقش ذلك مع مرجعيات أو تراث أو مدارس، إنها هي الإسلام وهي أيضاً تنفذ بالفتوى كل ما تسعى الى تحقيقه سياسياً. ومثلاً، مع خلفية تنظر إلى سعي رجب طيب اردوغان لجعل تركيا قوة إقليمية، بوصفه مشروعاً للإسلام؛ يصبح القتال [ أو التظاهر] تحت رايته جزءاً من فتاوى سارية تعبر حدود الكيانات والدول والمجتمعات. وكذلك كشف التحرك الواسع في البلدان الإسلامية الذي تلا مقتلات في مدرسة وكنيسة [ بما فيه تحرك مرجعيات إسلامية متنوعة] أنه من المستطاع مجابهة العدائية التي حملها إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم، بواسطة سُبِلٍ كثيرة تشمل المقاطعة والتظاهر والضغوط الدينية والسياسية وغيرها. لماذا لم يحصل ذلك قبل سفك الدماء، بل حتى قبل المقتلة الأولى في مقر مجلة “شارلي إيبدو”؟ ألم يكن أن إرهابيي الإسلاموية المتطرفة، تحركوا تحت ظلال فتاوىً نصبت نفسها مرجعاً وحاكماً ومنفذاً، وذهبت بمزج الدين بالسياسة والعنف إلى حد الارهاب؟ النقاش عن حرية التعبير ومحدوديتها ومسؤولياتها، والعلاقة بين الدولة الغربية العلمانية والإسلام والمسلمين وغيرها، ومأزق مشروع الحداثة وصعود الشعبوية غرباً متسربلة بخيوط دينية كثيرة أيضاً، كل ذلك نقاشات مفيدة، لكنها قد لا تصل غايتها إذا غاب عنها نقاش نسيج الإسلاموية المعاصرة ومشاريعها، خصوصاً تياراتها المتطرفة والارهابية.

Leave a Comment