اقتصاد

اللبنانيون أمام وقائع ومعطيات الجوع الذي ينغص أعيادهم

كتب محرر الشؤون الاقتصادية

لم يحتفل اللبنانيون بعيد الفصح المجيد، ولن يحتفلوا بقدوم شهر رمضان المبارك وعيد الفطر أيضاً. لا يعود ذلك إلى تفشي وباء الكورونا، بل إلى ما يعانون من ضائقة معيشية في تأمين حاجاتهم اليومية من مواد غذائية أساسية. لم يعد أحد يتحدث عن نوعية الأغذية وتوازن مكوناتها الصحية، بل عن كميات بسيطة وكافية تقي الناس الجوع. بعد أن أظهرت دراسة الجامعة الاميركية أن كلفة صحن فتوش، وهو تقليد رمضاني عريق، لعائلة مكونة من خمسة أشخاص لا يقل عن 550.000 ألف ليرة خلال أيام الصيام. وهو رقم أقل بقليل من الحد الأدنى للأجور. الصراعات التي تشهدها محال السوبر ماركت من نزاع على كيلو سكر أو أرز أو علبة حليب و..، مجرد غيض من فيض المعاناة. ناهيك بالأدوية المفقودة من الصيدليات والوقود غير المتوافر في محطات المحروقات في العديد من المناطق وبأسعار مرتفعة عن سعره المعلن. وكله بفعل الاحتكار والجشع والتهريب، بعد أن وصلت السلع اللبنانية المدعومة إلى أقاصي شمال اوروبا وجنوب القارة الافريقية، ناهيك بالقريبة منّا كسوريا والعراق وغيرهما. هذا في الوقت الذي يعلم القاصي والداني أن أموال الدعم التي يوفرها المصرف المركزي آيلة إلى النفاذ في الأسابيع المقبلة.

وهذا كله وسواه مجرد دلائل على ما ينتظره اللبنانيون. والدليل ما شهدته كهرباء لبنان من فقدان مادة الفيول، وما ينتظره اللبنانيون من ظلام وظلمة وظلم. لن نتحدث عن القطاعات التي ترفع الصوت وأخطرها دون منازع الصحي بما هو مستشفيات وصيدليات ومستوردي تجهيزات ومستلزمات طبية وغيرها. يضاف إليهم الأطباء والممرضون والعاملون والصيادلة، ما يؤشر إلى كارثة مقبلة سريعاً على البلاد في زمن الجائحة ومضاعفاتها. أما الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية في القطاعين العام والخاص من مدنيين وعسكريين، عاملين أو متقاعدين ومهما كانت رتبهم وفئاتهم، فيعانون الفاقة والعوز. كل هذا دون أن يبدو أن هناك نهاية للنفق بعد أن فقدت الليرة اللبنانية حوالي 90 % من قيمتها الشرائية. الفئات التي تعمل مياومة من سائقين وحرفيين وعمال بناء وأجراء وما شابه، أو على القطعة أو ترتبط بعقود مؤقتة، يومياتهم عبارة عن إذلال حقيقي، بالنظر إلى أوضاع سوق العمل المتعثر من جهة، ومحدودية ما يحصلون عليه بالقياس إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية. ثم هناك العاطلون عن العمل والتي تقدرهم الإحصاءات بحوالي 40% من حجم القوى العاملة حيث لا دخل ولا من يحزنون. باختصار الشكوى عامة مع استثناء أولئك الذين نجحوا في تهريب أموالهم إلى الخارج من “قادة” سياسيين ومصرفيين.

العديد من مؤشرات الأوضاع الكارثية هذه وردت في تقارير دولية ومحلية. وكلها تتفق على أن البلاد تسير من سيء إلى أسوأ في ظل أداء طبقة سياسية لا هاجس لديها سوى محاصصاتها، ولو قاد ذلك إلى انهيار الكيان، وبقاء البلاد دون حكومة حتى يوم القيامة. وعليه، لم تنفع النداءات والتقريعات الدولية والأممية والصرخات الداخلية في اقناع أركانها بالدخول في مسار سياسي مدخله تشكيل الحكومة مستقلة وموثوقة، ما يقود بعده إلى ضبط حال الانهيار تمهيداً لعلاج أسبابه ومظاهره.  وفي هذا الإطار يحذر تقرير البنك الدولي الأخير الذي حمل عنوان هو “مرصد أزمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، من مضاعفات الأزمة اللبنانيّة، التي تزامنت مع أزمة شح الدولار وارتفاع سعر الصرف. ما يضع البلاد أمام أخطر أزمة أمن غذائي يمكن أن تشهدها. ويتبيّن من التقرير أن لبنان حل في طليعة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من ناحية ارتفاع أسعار السلع الغذائيّة، بكافّة أصنافها وأنواعها. ما يعكس فشلاً ذريعاً لجميع سياسات الدعم الحكومي. كما تشير الأرقام إلى أن جزءاً أساسياً من المشكلة لم يعد يتعلّق بسعر الصرف فقط، بل بات يرتبط أيضاً بأعمال احتكاريّة، ترفع أسعار المواد الغذائيّة في ظل شحّها في الأسواق. ويقدم التقرير أرقاما تفصيلية حول مقادير ارتفاع أسعار الأرز واللحوم والبيض والخضار والموز والبندورة والبطاطا وغيرها.. ويمكن لأي مواطن أن يضيف إليها ما يشاء من ضروارات حياة لعائلة تكافح ربات بيوتها من أجل توفير الحد الأدنى من ضروراتها اليومية. ويستخلص التقرير أن ارتفاع الأسعار هذه يؤشر إلى فشل عملية الدعم، وخضوع عمليّة تخزين وبيع المواد المدعومة لممارسات احتكاريّة، تقوم على حجب هذه المواد عن الأسواق، بانتظار بيعها لاحقاً للمواطنين من خلال الأسعارالرائجة في السوق لهذه السلع. وتبعاً لما ورد في التقرير فقد حلّ لبنان في طليعة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من ناحية الارتفاع المتوقع في نسب الفقر. إذ قدّر التقرير هذه الزيادة بالنسبة للبنان بنحو 205%، ما يعني تضاعف عدد القابعين تحت خط الفقر بحدود الثلاث مرّات. علماً أن الجزائر وتونس حلّتا بعد لبنان مباشرةً على القائمة نفسها، بنسب زيادة قدّرها المسح بنحو 25.54% و25.36% على التوالي.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن الدراسة التي وضعتها الاسكوا العام الفائت حول نسبة الفقر والفقر المدقع للبنانيين والتي قدرتها بـنسبة 50% من السكان، قد تجاورتها الوقائع الحالية بدليل ما حمله تقرير البنك الدولي من أرقام صادمة. ولعل نزيف الأطباء والمهندسين وغيرهم من الكفاءات والحرفيين هو مؤشر على أوضاع معيشية بالغة التردي ما يحتاج تعويضه إلى سنوات طويلة ويرغم الذين تتأمن لهم الهجرة لمغادرة البلاد.

 ومن جهة أخرى، فإن هذه الأرقام تعكس حقيقة التقنين الذي يمارسه المصرف المركزي، لجهة تقديم الدعم اللازم لاستيراد السلع المدعومة، أو استيراد المواد الأوليّة اللازمة لزراعتها أو انتاجها. تقارير أخرى تتحدث عن ارتفاع أسعار مقداره 400 % . بالتأكيد يلاحظ المواطنون الذين يتسوقون أن أسعار السلع التي يشترونها من الأسواق، مع بعض الاختلافات المناطقية، تسابق ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء. ما يعني أن سعر الدولار الذي يحصلون عليه من ودائعهم في المصارف لمن يملكونها، لم يعد يتجاوز الـ 30% من قدرته السوقية.

إذن الكارثة المعيشية والغذائية تدق أبواب اللبنانيين، وهو ما لم يعد باستطاعة أي من المسؤولين إنكارها مهما كانت المسميات لها، من نوع النفق الأسود أو التيتانيك أو جهنم أو الجحيم وسواها من أوصاف. ولا يبدو في الأفق أن هناك توجهاً نحو الشروع والمبادرة إلى حل سياسي تنطلق معه عملية تقويم جدي للدعم التي توشك على النفاذ، بدليل أن  وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني خرج عن صمته مؤخراً ليتحدث عن استنزاف ما تبقى من دولارات، وأكد أن احتياطات النقد الأجنبي تبلغ نحو 15.8 مليار دولار – هذا اذا صدقت الأرقام – . وقد سبق لحاكم  المصرف المركزي أن قرأ مزاميره دون أن يتحرك أي من المسؤولين للوقوف عند احتمال بات مؤكداً في ظل غياب الحل السياسي الحقيقي. ما يعني أن الدعم باقٍ لشهرين على أفضل تقدير قبل بلوغ مستوى الاحتياطي الإلزامي المودع من قبل المصارف في مصرف لبنان، والمقدّر بحسب وزني بحوالي 15 مليار دولار. وحذر وزني من أنه في حالة استمرار استنزاف احتياطات المصرف المركزي من العملات الأجنبية في المستقبل، فسيمس ذلك في النهاية ما تبقى من أموال المودعين. ومن المعروف أن كلفة الدعم الشهرية تتراوح بين 500 و600 مليون دولارأي 6 مليارات سنوياً، ما يعني أن هناك ضرورة لاتخاذ خطوات يحاذر جميع المسؤولين أن تسجل على خانتهم، بما فيه ترشيد الدعم وتوجيهه لمستحقيه دون سواهم من مهربين ومحتكرين. ويبدو أن المسؤولين الذين يعتمدون دوماً سياسة الهروب إلى الأمام، لا يجرأون على اعتماد خطوات ترشد أو تخفض من الدعم. فالترشيد من شأنه إنهاء مافيا التهريب خارج الحدود، وهم ممن يلوذون بأطراف أساسية من الطبقة الحاكمة، مع المحتكرين الذين يعمدون إلى احتكار المواد المدعومة وبيعها بسعر السوق. ولا يتبقى أمام هذه السلطة السياسية – المصرفية سوى مد اليد إلى الاحتياطي الإلزامي ونسبته 15 % من ودائع المصارف، علماً أن جمعية المصارف والمصرف المركزي يعارضون اعتماد هذا الحل الذي يقضي على ما تبقى من أموال المودعين الذين يملكون هذه الأموال نظرياً، لكنها خارج متناول أيديهم. كما يطرح سياسيون ونواب ومصرفيون خفض نسبة الاحتياط الالزامي إلى 12 أو 10 % للتصرف بالمبلغ الذي يتوافر عن الفارق وانفاقه على تمديد مهلة دعم السلع المستوردة من الخارج.

وتبعاً لما ورد أعلاه، يمكن الجزم أن البلاد أمام مزيد من الغرق في وقائع ويوميات الكارثة المؤكدة. يجري هذا في ما الطبقة السياسية بسائر مكوناتها تبعاً لمقدار تحكم أطرافها بمعادلات الوضع عاجزة عن اجتراح تسوية تعيد وضع القطار على السكة، بدليل مواصلتها تقاذف التهم ومسؤوليات التعطيل، وبالتالي التسبب في تعقد حلول الأزمة واستمرار حيثياتها، دون أن تدرك أن الوقت يمضي، وكلما طال فالأزمة إلى مزيد من الاحتدام والتعقيد والاحتمالات المفتوحة على مزيد من منوعات الفوضى المركبة من السياسي إلى المعيشي والأمني و..

Leave a Comment