* شهيد نكد
تناولت في المقال السابق البعد الفلسفي للفيدرالية، التي أسّس لها الفيلسوف والفقيه يوهانس ألتوسيوس. هي ميثاق تصاعدي بين هيئات ناضجة بنت ثقة فيما بينها بشكل تراكمي. وطرحتُ سؤالاً حول ما إذا كان لبنان أقرب إلى النموذج السويسري الذي يستشهد به الفدراليون اللبنانيون، أم إلى النموذج النيجيري. في هذا المقال أجيب عن هذا السؤال.
سويسرا: كيف تُبنى الثقة؟
وُلد التحالف السويسري سنة 1291، بداية بين ثلاثة كانتونات لأهداف دفاعية، وليس نتيجة قرار مركزي. وعلى مدى قرون، انضمت كانتونات أخرى في مجلس مشترك كان لكلّ كانتون فيه صوتاً واحداً بغضّ النظر عن حجمه، فانتفى الخوف من أن يَبتلع الكبير الصغير. وطوال كلّ هذه القرون احتفظ كلّ كانتون بمحاكمه وضرائبه وادارته، أي بحكمه الذّاتي. هكذا بُنيت الثّقة، جيل بعد جيل بشكل تراكمي، من دون خوف الضعيف من القوي. ومن هنا نفهم النضوج حيث كلّ كانتون كان يملك مؤسسات قادرة على الحكم، ما أهّله لممارسة التفريع فعلياً.
وجاء اختبار الاتحاد الحقيقي سنة 1847 حين شكّلت الكانتونات الكاثوليكية تحالفاً دفاعياً منفصلاً داخل الاتحاد، خوفاً من فقدان استقلاليتها من قبل أكثرية بروتستانتية. وقعت حرب أهلية لكنّها حُسمت بوقت قصير، ولم يُعاقب المنتصرون الكانتونات الكاثوليكية. على العكس، جاء دستور 1848 ليتوسّع بالتفريع ويحصّن استقلالية الكانتونات والبلديات أكثر، ويفتح الباب للاستفتاء الشعبي كآلية دائمة لتثبيت الضمانات وتوسيعها. وهنا يصبح مفهوماً كيف أن الضمانة تنبع من الاستقلالية، والاستقلالية تُكتسب من النضوج. فالحرب الاهلية السويسرية لم تفضِ إلى رسم خطوط، بل إلى تعزيز الضمانات. فهم السويسريون أن سجن الجماعة داخل حدود جغرافية لا يمنحها نضوجاً، بل يُبقيها أسيرة المواجهة الدائمة مع جماعة الحدود المجاورة.
في المقابل، لم يعرف لبنان تاريخياً وحدات محليّة تمرّست بحكم ذاتها، من نظام القائمقاميتين إلى لبنان الكبير. فكلّ الترتيبات جاءت من الخارج وليس من القاعدة: تارةً يتمّ تجميد صراع طبقي، وطوراً يُوزّع النفوذ والسلطة طائفياً. والنتيجة أن الاستقرار يكون نتيجة ضمانات فُرِضت من فوق، وليس ثمرة ثقة تراكمت من تحت. فالقائمقاميتين كما متصرفية جبل لبنان (التي يحنّ إليها الكثير من فديراليي اليوم)، وصولاً إلى لبنان الكبير، كلّها صيغ وُلدت من فوق وليس من تحت. وفي ظلّ هذه الهندسات، بقيت الضمانة حدوداً ومقاعدَ وحصصاً، وليس مؤسسات محليّة راكمت قدرة حقيقية على الحكم على غرار سويسرا، حيث الضمانة من الاستقلالية، والاستقلالية من النّضوج.
نيجيريا: خريطة وخطوط من دون ثقة
نيجيريا هي عكس سويسرا تماماً، فالاتحاد تمّ بموجب عمليّة دمج قام بها المستعمر البريطاني سنة 1914 من أجل تغطية عجز الشمال بغنى الجنوب. عشيّة استقلالها سنة 1960، كان عدد الأقاليم ثلاثة (شمالي، غربي، شرقي). بحلول سنة 1963 تمّ خلق إقليم رابع (الأوسط الغربي)، وكان استحداث الأقاليم يجري عبر تقسيم الأقاليم الموجودة. سنة 1966، حصل انقلاب عسكري من الإقليم الشرقي، تلاه في السنة نفسها انقلاب معاكس من الشمال. سنة 1967، تمّ تفكيك الإقليم الشرقي وأصبحت البلاد مركّبة من 12 ولاية، فأعلن الإقليم الشرقي استقلاله. على الأثر، دخلت نيجيريا حرباً أهلية استمرّت لغاية سنة 1970. وكان كلّما اعتلى الحكمَ حاكمٌ عسكري يلجأ إلى الوصفة ذاتها، فوصل عدد الولايات إلى 36 ولاية بحلول سنة 1996: تفاوض بين نخبة مركزية وزعامات إقليمية، لا ميثاق بين هيئات ناضجة.
دوّنت نيجيريا المحاصصة في دستورها، فمنذ سنة 1979، ينصّ “مبدأ الطابع الفديرالي” على محاصصة رسمية، ما أضعف الكفاءة. وتؤكّد الدراسات أن الحكومات المتعاقبة تركّز المناصب الحسّاسة لصالح جهتها (من أصل 100 تعيين سياسي أجراه الرئيس بخاري منذ 2015، 81 منها لأبناء الشمال). هذه الزبائنية المنظّمة أنتجت محسوبية بدل المؤسّسات، والخطوط بين الولايات لم تبنِ ثقة، والحروب لم تنتهِ: من بوكو حرام في الشمال الشرقي، مروراً بحركات انفصالية في الجنوب الشرقي، وصولاً إلى نزاعات بين المزارعين والرعاة في الحزام الأوسط، وعصابات مسلّحة وخطف في الشمال الغربي؛ هذه هي نيجيريا الفديرالية.
أمام هذا المشهد، يقرأ اللبناني التطابق بين “مبدأ الطابع الفديرالي” النيجيري، وميثاق 1943 والطائف: محاصصة دستورية بدلاً من الكفاءة. والشّبه الأعمق يتمثّل بالضمانات والتي تأتي على شكل وعود لا تتحقّق. ففي نيجيريا، وفي مؤتمر أبوري سنة 1967، كان الوعد بإجراء إصلاحات حقيقيّة. لكن ما حصل أن هذه الإصلاحات الموعودة تمّ تخفيفُها بمرسوم لأنّها تُهدّد سلطة المركز. وفي لبنان، ومنذ ثلاثة عقود ونصف، وَعد اتفاق الطائف اللبنانيين باللامركزية الإدارية كجزء من التسوية، لكنّها ما زالت حتّى اليوم وعداً مع وقف الالتزام. فمن تعهّد في أبوري لم يُنفّذ، ومن وعد في لبنان لم يلتزم، والسبب: من يوقّع هو نفسه من يخسر إذا نفّذ.
وهنا، يجب الحذر، فالدّمج الاستعماري في نيجيريا، كما ضمّ أقضية إلى جبل لبنان سنة 1920، لا يعني أن الحلّ كان بعدم الدّمج أصلاً. فلو بقي جنوب نيجيريا وشمالها كيانين منفصلين، أو بقي جبل لبنان بحدوده الصغيرة، لا شيء يضمن أن الجوار كان سيكون سليماً. فغياب عناصر التعايش، من ثقة ونضوج وتنمية مشتركة، لا يُحلّ برسم خطوط، بل ينتقل من نزاع بين مكوّنات داخل الكيان الواحد، إلى نزاع بين كيانات متجاورة. فالتعايش ليس مسألة أبناء الدولة الواحدة فقط، بل مسألة الجيرة بين أي كيانين.
إثيوبيا والهند وخرائط الهويّات
يبقى التطرّق سريعاً إلى حالتين أخريين، إثيوبيا والهند. فالفديرالية الأثيوبية تقوم على تقسيم إثني بحسب دستور 1995، ومنح كلّ قوميّة الحقّ بالانفصال. النتيجة حرب تيغراي (2020-2022)، وبحسب التقديرات وصل عدد القتلى إلى مئات الآلاف. وحتّى اليوم ما زالت النزاعات مستمرّة في أمهرة وأوروميا.
أمّا الهند، فتقدّم الدرس الآتي: تقسيمها الديني سنة 1947 بين هندوس ومسلمين خلّف نحو مليون قتيل. لذلك تعمّدت سنة 1956، حين أعادت رسم ولاياتها التقسيم على أساس اللغة لا الدين، تفادياً لتكرار الكارثة.
لبنان: لا ثقة ولا نضوج
وهنا يتّضح لماذا لم تُبنَ الثقة يوماً في لبنان. فعلى عكس النموذج السويسري، لم يعرف لبنان يوماً توازناً يمنع الهيمنة: من عدم التنمية التاريخية التي حرمت الأطراف بينما تركت الثروة مركّزة في المركز، إلى تعاقب الهيمنة بيد فئة واحدة في كلّ حقبة (مارونية سياسية، سنية سياسية، شيعية سياسية). أمّا النّضوج، فلم يتمّ تأهيل الوحدات الصغيرة رغم وجودها شكلياً: فالبلديات في لبنان قائمة قانونياً، لكنّها لم تتحوّل يوماً إلى مدرسة حكم ذاتي، فبقيت شبه تابعة مالياً للمركز، وعلاقة الناس بها خدماتية-زبائنية لا تشاركية. والخوف من الآخر هو المشكلة الوهميّة التي تسجن صاحبها، فالتحدّي ليس حدوداً وخطوطاً جغرافية، بل رفع مستوى الحياة المحليّة، وهذا وحده الذي يكفل بناء النضوج المؤهّل للاستقلالية الفعلية.
يبقى الجواب عن السؤال: لبنان، بالمسار الذي يقترحه الفديراليون هو أقرب إلى نيجيريا وإثيوبيا منه إلى سويسرا.
وإذا كان الحلّ لا يكمن في التجزئة كيف يُبنى النضوج فعلياً من تحت، في بلد أنهكته المركزية بقدر ما أنهكته الطائفية؟ هذا ما سيحاول المقال الثالث والأخير الإجابة عنه.
* تم النشر بتاريخ 15 آب 2026 على موقع المدن
