سياسة مجتمع

الشرق الأوسط أمام إدارة الصراعات عبر المفاوضات والضغوط والمواجهات

زكـي طـه

بيروت 12 تموز 2026 ـ بيروت الحرية

لم تمثل مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية خاتمة للصراعات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، بقدر ما شكلت نقطة انطلاق لمرحلة انتقالية مديدة، تتداخل فيها المفاوضات مع الضغوط، وتتعايش فيها التسويات الجزئية مع الاشتباكات الموضعية، فيما تسعى القوى المتنافسة إلى إعادة تنظيم مواقعها وأدوارها ضمن توازنات لم تستقر بعد.

لقد أكدت الأسابيع التي أعقبت توقيع المذكرة صحة هذا الاتجاه. فلم تتوقف الضغوط السياسية، ولا الحملات الإعلامية، ولا الرسائل العسكرية والأمنية. كما لم تتعطل المفاوضات رغم ما اعترضها من توترات ومناورات. بل بدا واضحاً أن هذه التطورات أصبحت جزءاً من العملية التفاوضية نفسها، حيث يستخدم كل طرف ما يمتلكه من عناصر القوة لتحسين شروطه، وتقليص حجم تنازلاته، وتعزيز موقعه في أي ترتيبات مقبلة.

ومن هنا، لا يمكن فهم ما يجري عبر متابعة الأحداث منفصلة، أو تفسير كل تطور بمعزل عن غيره، بل من خلال الاتجاه العام الذي يحكم المرحلة. فالمفاوضات لم تلغِ الصراع، واستمراره لا يعني انهيارها. نحن أمام معادلة واحدة تتحكم بها موازين القوى، وحسابات المصالح، والكلفة المتبادلة لأي مواجهة مفتوحة.

لا شك في أن اختلال موازين القوى يميل لمصلحة الولايات المتحدة، بوصفها الطرف الأقل تعرضاً لخسائر الحرب المباشرة، غير أن ذلك لا يلغي قدرة إيران على استخدام ما بقي لديها من عناصر قوة، سواء المرتبطة بموقعها الجيوسياسي، أو بشبكة علاقاتها الإقليمية، أو بتأثيرها في ملفات يصعب تجاوزها في أي ترتيبات تخص الشرق الأوسط.

ولهذا، فإن ما شهدته المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة لا يشكل خروجاً على المرحلة الانتقالية التي دشنتها المذكرة، بل يؤكد منطقها. فما يجري في الخليج، وفي الممرات البحرية، وفي ساحات الاشتباك غير المباشر، يعكس انتقال الصراع إلى مستوى جديد، تتقدم فيه إدارة التوازنات على منطق الحسم العسكري، من دون أن يغيب احتمال التصعيد كلما اقتضت حسابات التفاوض ذلك.

الميدان أحد أدوات التفاوض

لم يعد الصراع يدور حول تحقيق انتصار عسكري حاسم، بل حول تحسين المواقع داخل مسار تفاوضي طويل ومعقد. ولذلك، فإن تعثر بعض الجولات، أو تصاعد الخطاب السياسي، أو حصول احتكاكات ميدانية، لا يشكل دليلاً على انهيار أو فشل العملية التفاوضية، بل يدخل في صلب ديناميتها.

فالتفاوض في الشرق الأوسط لم يعد يجري على طاولة منفصلة عن الميدان، الذي أصبح أحد أدواته، كما تحولت الرسائل العسكرية والاقتصادية والإعلامية إلى وسائل لإعادة إنتاج موازين القوى، وتحسين شروط التفاوض، لا لإلغاء العملية السياسية.

ولذلك، لم يعد السؤال الأساسي: هل انتهى الصراع؟ بل: كيف يُدار الصراع في هذه المرحلة؟ وكيف يعاد إنتاج التوازنات من خلاله؟ وهذان السؤالان هما اللذان يمنحان التطورات معناهما الحقيقي، ويضعانها في سياقها الاستراتيجي الأشمل.

ومن هنا، لا يجوز تفسير كل تصعيد بوصفه إعلاناً لانهيار المفاوضات، كما لا يصح اعتبار كل تهدئة مؤشراً إلى اقتراب تسوية نهائية. وكما تدرك الأطراف المعنية أن المفاوضات قد أصبحت أحد ميادين الصراع، فهي تدرك أيضاً أن نجاحها أو تعثرها يتوقف على حجم الأوراق التي يستطيع كل طرف الاحتفاظ بها أو استخدامها في اللحظة المناسبة.

أوراق القوة وحدود المساومة

في هذا السياق، تكتسب التطورات المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز أهمية تتجاوز بعدها البحري أو الاقتصادي المباشر. فالمضيق ليس مجرد ممر حيوي للطاقة والتجارة العالمية، بل يمثل إحدى أهم الأوراق الجيوسياسية في معادلة التفاوض.

ولذلك، فإن النقاش حول أمن الملاحة، أو قواعد الردع، أو حرية العبور، يعكس في جوهره صراعاً على موقع إيران في التوازنات الإقليمية المقبلة، وعلى حدود الدور الذي يمكن أن تمارسه في النظام الذي يجري العمل على إعادة تشكيله.

ومن الصعب تصور أن تتخلى طهران بسهولة عن هذه الورقة، كما يصعب في المقابل تصور قبول الولايات المتحدة وشركائها باستمرار استخدامها خارج الضوابط التي تخدم مصالحهم. ولهذا، يبدو التوتر حول المضيق جزءاً من عملية شد الحبال السياسية أكثر منه مقدمة حتمية لحرب شاملة.

ويتداخل ذلك مع النقاش الداخلي في إيران حول إدارة المرحلة المقبلة. فالتباينات القائمة لا تتعلق بالدفاع عن المصالح الوطنية بقدر ما تتعلق بتقدير الوسائل: هل تكون الأولوية لكسب الوقت وإعادة بناء عناصر القوة من خلال التفاوض، أم لتشديد الضغوط بهدف رفع كلفة المطالب الأميركية؟

وبصرف النظر عن طبيعة هذه التباينات، فإنها تؤكد أن المفاوضات ليست مساراً دبلوماسياً معزولاً، بل جزء من صراع سياسي واستراتيجي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية، وتتحول فيه كل ورقة قوة إلى عنصر تفاوض.

إعادة توزيع الأدوار… لا إعادة رسم الخرائط

إذا كانت المرحلة الانتقالية قد نقلت الصراع من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق إدارة التوازنات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما طبيعة النظام الإقليمي الذي يجري العمل على بنائه؟ وهل نحن أمام شرق أوسط جديد، أم أمام إعادة تنظيم للتوازنات داخل الإقليم؟

حتى الآن، تبدو الوقائع أقرب إلى الاحتمال الثاني. فالولايات المتحدة لا تعمل على إنهاء التناقضات التي تحكم المنطقة، بقدر ما تسعى إلى إدارتها، ومنع تحولها إلى حروب واسعة تهدد مصالحها أو تستنزف قدرتها على التفرغ لأولوياتها الدولية الأخرى.

ولهذا، لا تتعامل واشنطن مع القوى الإقليمية بمنطق واحد، ولا تمنحها الأدوار نفسها. فهي تدرك أن إسرائيل وتركيا وإيران تمثل، كل منها بطريقته، ركائز لا يمكن تجاوزها في معادلات الشرق الأوسط، لكنها تحرص في الوقت نفسه على إبقاء التنافس بينها قائماً، بحيث لا تتحول أي منها إلى قوة مهيمنة خارج السقف الذي ترسمه المصالح الأميركية.

وتبقى إسرائيل الحليف الاستراتيجي الثابت للولايات المتحدة، بما يتجاوز تبدل الإدارات والحكومات، من دون أن يعني ذلك إطلاق يدها في رسم مستقبل المنطقة وفق رؤيتها الخاصة، بل ضمن الحسابات الأوسع للسياسة الأميركية.

أما تركيا، فتواصل أداء دورها بوصفها قوة إقليمية تمتلك هامشاً واسعاً من الحركة، يسمح لها بالتقاطع مع واشنطن أو التباعد عنها، من دون أن تخرج من الإطار الاستراتيجي العام للعلاقة بين الطرفين.

وفي المقابل، تبقى إيران الطرف الأكثر تعقيداً. فهي ليست حليفاً لواشنطن، لكنها أيضاً ليست قوة يمكن تجاوزها أو إقصاؤها. ولذلك، فإن جوهر المفاوضات لا يقتصر على الملف النووي أو العقوبات أو أمن الملاحة، بل يتناول إعادة تحديد موقع إيران في النظام الإقليمي المقبل، وحدود الدور الذي ستؤديه ضمنه.

غير أن هذا المسار يبقى مفتوحاً على تناقضات مستمرة، لأن لكل طرف حساباته ومصالحه، الأمر الذي يجعل المرحلة الانتقالية محكومة بدرجة عالية من عدم الاستقرار، حيث تتعايش التفاهمات الجزئية مع استمرار التنافس، وتبقى احتمالات التصعيد قائمة كلما اعتقد أحد الأطراف أنه قادر على تعديل شروط التفاوض لمصلحته.

وهكذا، لا يبدو الشرق الأوسط متجهاً نحو نظام إقليمي مستقر، بقدر ما يتجه نحو إعادة تنظيم مستمرة للتوازنات، يصبح فيها الصراع أقل ميلاً إلى الحروب الشاملة، وأكثر اعتماداً على الضغوط المتبادلة، والتفاهمات المرحلية، وإدارة الأزمات بدلاً من حسمها.

ختاماً

إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس نهاية للصراعات، بل انتقال إلى نمط جديد من إدارتها. فالمفاوضات الجارية ليست سوى أحد ميادين الصراع، فيما ستبقى الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية جزءاً من آليات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.

ومن هنا، فإن القراءة الهادئة لهذه التحولات تقود إلى نتيجة أساسية: لا يجوز للبنان، كما لسائر البلدان العربية، أن يبقى مجرد ساحة تتحرك فوقها مصالح الآخرين، ولا أن يربط مستقبله بنتائج مفاوضات لا يملك زمام قرارها. فالمهمة الوطنية الأكثر إلحاحاً تتمثل في الانتقال من التكيف مع الأزمات إلى بناء الدولة الوطنية الديمقراطية القادرة، ومن انتظار التسويات الخارجية إلى إنتاج المبادرة الوطنية المستقلة.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تفرضه المرحلة الانتقالية الجديدة: فالدول التي لا تبادر إلى بناء مشروعها الوطني تصبح جزءاً من مشاريع الآخرين، أما الشعوب التي تنجح في إعادة تنظيم حياتها السياسية على قاعدة المصلحة الوطنية، فهي وحدها القادرة على تحويل التحولات الإقليمية من مصدر تهديد دائم إلى فرصة لاستعادة الدولة وصناعة المستقبل.