صحف وآراء • مجتمع

الراشد – الطفل: حين تُصبح السياسة عرضًا

* شهيد نكد  

تبدو الحياة السياسية في لبنان حافلة، فكميّة السجالات والمداخلات الحادّة والمنشورات، والردود على الردود، توحي بأن الجميع في حالة فعل دائمة. لكن حين يهدأ الضجيج بعد كلّ جولة يبقى السؤال: ماذا حصل فعلًا؟

من الطبيعي أن يكون الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية. لكن الخلل يبدأ حين يُصبح الظهور هو الإنجاز، وحين يحلّ الإيحاء بالفعل مكان الفعل. عندها، يكتفي السياسي بإنتاج اللحظة والسيناريو الكافيين للتصوير والتداول، ولا يعود المطلوب المراكمة حول فكرة أو التأسيس لمسار سياسي.

ما الذي نحتفظ به من الطفولة؟

هذا الابتذال في العمل السياسي وهذا التصغير له يفتح النقاش أمام ظاهرة “الراشد-الطفل” (kidulting): أي عودة الراشدين إلى بعض أنماط اللعب والمتعة المرتبطة عادةً بالطفولة. تُتيح لنا هذه الظاهرة استعارة بعض المفاهيم من علم نفس الطفل لمعاينة ممارسات سياسية.

تصف الدراسات حول الطفل أنّه بعمر معيّن يمرّ بمرحلة التمركز حول الذات، حيث لا يملك القدرة على رؤية العالم الّا من موقعه. فيظنّ مثلًا أن القمر يتبعه حين يمشي، وأن كلّ ما يجري حوله مرتبط به: إمّا معه، إمّا ضدّه. كما أن الطفل في هذه المرحلة يكشف عن نمط ثانٍ وهو التفكير السحري، فيعتقد أن كلماته وأفكاره قادرة على التأثير في العالم الخارجي، فيحلّ الإيحاء بالفعل مكان الفعل. الّا أنّ الطفل في هذه المرحلة يعبّر عن نمط ثالث وهو طرح سؤال “لماذا؟” باستمرار. في هذه المرحلة تَخضع كلّ مسلّمات البالغين للسؤال: لماذا السماء زرقاء؟ لماذا يموت الناس؟ لماذا يجب أن أطيع؟

تستعير ممارسات سياسية كثيرة من الطفولة التمركز حول الذات، والتعامل مع الإعلان عن الفعل كأنّه الفعل نفسه، وتتخلّى عمّا نحن بأمسّ الحاجة إليه، وهو الفضول والخيال والجرأة على طرح الأسئلة. هكذا تحتفظ السياسة بأسوأ ما في الطفولة وتتخلّى عمّا هو الأجمل فيها، فلا تعود أكثر طفولة بل أصغر قيمة.

يهيمن على السياسة اللبنانية نمط التمحور حول الذات؛ أنا المستهدف، أنا واجهت، أنا الذي منعوني، أنا الذي لم يُدعَ. وهنا تموت القضية العامّة للتحوّل إلى قصّة بطولية عن السياسي نفسه، ويتحوّل معها الجمهور إلى مشاهد. وبالتوازي، يظهر ما يشبه التفكير السحري حيث يُقدّم الإعلان عن الفعل كأنّه إنجاز بحدّ ذاته. فتقديم اقتراح أو مشروع قانون يصبح انجازًا تشريعيًا، وإعلان محاربة الفساد انتصارًا عليه، والمواجهة أمام الكاميرا معركة سياسية عظيمة. لا تكمن المشكلة في الإعلان، بل في الاكتفاء به فيرتاح ضمير السياسي ويُكافئه جمهوره من دون أن يكون قد تحقّق شيء.

من الأنا إلى النحن

ولا يتوقّف الامر هنا، بل ينتقل التمركز حول الذات إلى الجماعة والحزب والطائفة. تتحوّل: “الأنا” إلى “نحن”، وتُصبح السياسة محكومة بالمنطق نفسه. فنحن المستهدفون ونحن أصحاب القضيّة، وكلّ ما يجري حولنا هو مؤامرة علينا. كذلك ينتقل التفكير السحري إلى المستوى الجماعي، فيصبح الإعلان عن الشعارات والقضايا هو الإنجاز وليس مضمون الشعار والقضية، والتحدّي بالنسبة للجماعة لا يعود يتمثّل بنجاح مشروعها، بل بقدرتها على الاستمرار باجترار الرواية. والنتيجة أن القضية تتضخّم، بينما التفكير السياسي يصغر.

بالمقابل، ما نفتقده حقيقةً من الطفولة هو الفضول والمخيّلة والجرأة على طرح الأسئلة، فالسياسة اللبنانية مليئة بالأجوبة وشحيحة بالأسئلة. فالسياسي اللبناني، أكان زعيمًا تقليديًا أو رئيس حزب واسع الانتشار أو من مدّعي التغيير، قد يخوض المعارك الكبرى ويرفع الشعارات العظيمة من دون أن يملك جرأة التشكيك بمسلّماته أو إحراج جمهوره. هل تستطيع أي جماعة في لبنان أن تسأل نفسها عمّا إذا كانت خياراتها قد حقّقت أهدافها؟ وهل تتجرأ على

إعادة النظر بمفهومها للسيادة والدولة والمقاومة؟ أو تتخيّل بدائل عن مسلّماتها؟ حين تغيب الأسئلة تضيق مساحة الأفكار الجديدة، وتتحوّل الأجوبة المعلّبة إلى أداة لتكريس حالة اللافعل.

حين يُصبح المسرح هو السياسة

ثمّة خيط رفيع يفصل بين السياسة والاستعراض المسرحي، ولا ينبغي الغاء المسرح، فمن خلاله يمكن الحشد وإيصال الأفكار والتعبئة. لكن عندما يُصبح المسرح هو السياسة نفسها، يتحوّل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلى أداة لتحويل السياسة إلى مادّة ترفيهية: السياسي يحصل على جائزته من خلال المشاهدات والتعليقات والتصفيق، والجمهور بالمقابل، يحصل على متعة المواجهة والشعور بالمشاركة والانتصار. هكذا، ينتهي العرض ويخرج الجميع راضيًا، بينما تبقى المشكلة ولا شيء يتحقّق.

ماذا يبقى بعد انتهاء العرض؟

لكن أين تنتهي حدود الاستعراض ويبدأ العمل السياسي؟ وما الذي يُمكن أن يفعله السياسي غير تسجيل المواقف؟

إن العمل السياسي لا يُقاس فقط بالنتائج النهائية (السياسة أصلًا نادرًا ما تكون نتائجها نهائية)؛ السياسي قد يفشل في تحقيق مشروع رغم المحاولة، لكن هناك فرق كبير بين الفشل بعد محاولة جدية، وبين الاكتفاء بإعلان المحاولة. وهنا، تظهر أهمية التراكم السياسي من خلال السؤال عمّا أضافه السياسي إلى النقاش العام، وما هي الفكرة التي طوّرها، وأي مسلّمة تجرّأ على تحدّيها بين صفوف جمهوره قبل جمهور الخصم، وما الذي نظّمه أو بناه، وأي مسار أنتج يستطيع الآخرون استكماله (ولو حتّى على صعيد المجتمع المحلي الصغير). هل فعل السياسي أيًا من هذا، أم أن دوره اقتصر على الظهور على الشاشة أو على حائط التواصل الاجتماعي؟

تفترض القيادة السياسية عدم الاكتفاء بالتعبير عن آراء جمهورها، بل القدرة على توسيع أفق هذا الجمهور، وتحدّي مسلّماته، وطرح أفكار لا يرغب بسماعها. غير أن منطق الاستعراض لا يسمح بعلاقة من هذا النوع؛ فبدلًا من أن يحاول السياسي الارتقاء بالنقاش العام، يُصبح أسير توقّعات الجمهور باحثًا عمّا يثير الحماسة ويغذّي الخوف.

امتلك الأدباء والفنانون والمفكرون حول العالم ما افتقده السياسيون، وهو ترف السؤال. فهم لا يلهثون وراء السلطة، ولا يضطرون إلى وضع أفكارهم في ميزان الأصوات والمقاعد، لذلك استطاع كثيرون منهم أن يهزّوا مجتمعاتهم بأسئلتهم. في لبنان، استخدم زيد الرحباني المسرح والأغنية لمساءلة المجتمع والسياسة والنظام، في حين يستخدم سياسيونا السياسة لتقديم عروض مسرحية.

بالعودة إلى الطفولة، لا بأس في إدخال اللعب والاستعراض إلى السياسة، لكن أن تتحوّل السياسة إلى لعبة غايتها الحصول على الانتباه من دون انتاج أفكار أو فتح مسارات جديدة، ففي ذلك كلّ البأس.

أما السؤال الذي بدأنا به: ماذا حصل فعلًا؟ فسيبقى جوابه: مزيد من اللاشيء!

* تم النشربتاريخ 3 تشرين الاول 2026 على موقع المدن