ما تسمعه كلّ المكوّنات اللبنانية من تهديدات على لسان مسؤولي “حزب الله” لا يمكن القفز فوقه أو التعامل معه بلا مبالاة، ومضمون هذه التهديدات يتمحور حول الحكومة اللبنانية التي تتمثّل فيها أكثرية القوى السياسية، ومن بينها الثنائي الشيعي نفسه، وخصوصًا “الحزب” الناقم على قراراتها.
لا شكّ أن كثيرين من المسيحيين اليوم لا يؤيّدون حرب الإسناد الثانية التي بدأها “الحزب” في 2 آذار الماضي، وتجمع الأحزاب المسيحية الأكثر تمثيلًا، مثل “القوات اللبنانية” و”الكتائب” و”التيار الوطني الحر”، وبعضها مشارك في الحكومة، على عبثية هذه الحرب وعدم مصلحة لبنان فيها. وليس سرًا أن “الحزب” يعرف ذلك، ويعتبر بعض المسيحيين متواطئين عليه، ولا سيما “القوات” و”الكتائب” اللذين يتّهمهما بخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية، فيما يتّهمانهما بالتبعية العمياء للنظام الإيراني وتوريط لبنان في حروب الآخرين.
السلم الأهلي خط أحمر
يبدو أن الأمور ستزداد توترًا بعد الحرب بين الفريقين المتنازعين في لبنان، لكن مصادر “القوات اللبنانية” تؤكّد أن هناك استحالة أمام “الحزب” لتنفيذ تهديداته ضد الداخل في الحرب، لأن نهايتها لن تكون، منطقيًا، لمصلحته. وإذا استطاع أن ينقذ نفسه بالحدّ الأدنى من الحرب، فسيكون منهكًا. إلا أن مسرح عملياته الأمنية، إذا صمّم على ذلك، من الصعب أن يشمل المناطق المسيحية، إنما الخطر الأساسي سيكون على بيروت، علمًا أن الخطة الأمنية التي بدأها الجيش اللبناني قادرة على منع أي تحرّكات أمنية مشبوهة في العاصمة. وتلفت المصادر إلى أن “القوات” تؤمن بأن الحكومة التي تشكّل جزءًا منها لن تسمح بأي اعتداء من “الحزب” على أي مكوّن لبناني آخر، وبالتالي سيكون الخط الأحمر بالنسبة إلى الجيش هو السلم الأهلي، وسيواجه مجموعات “الحزب” المسلحة، وخصوصًا أن هناك قرارًا حكوميًا واضحًا لحظر نشاطه العسكري، ما يعني أن الغطاء السياسي متوافر للجيش كي يدافع عن الشعب اللبناني.
وتكشف مصادر “القوات” أن “الحزب” معزول؛ فرأسه الإيراني يُضرَب بقوة، ولا إمدادات دعم بينه وبين النظام، وسوريا الجديدة ضده، وإسرائيل تقصفه بعنف واجتاحت مناطق نفوذه في الجنوب، ولا أحد من القوى السياسية اللبنانية يؤيّد حربه، وقد فقد شرعية “المقاومة” بفعل قرار الحكومة، لذلك هو ليس في أفضل أحواله.
المأزق الإقليمي
أما مصادر “الكتائب” فرأت أن مسؤولي “الحزب”، من أعلى الرتب وصولًا إلى أدناها، يهدّدون بانقلاب، مع وقف التنفيذ، على قرار الحكومة والشرعية. لذلك، فإن المعني الأول ليس المسيحيين، إنما كل المكوّنات اللبنانية الممثلة في الحكومة، أي السنّة والدروز والمسيحيين وحتى الشيعة الذين يعارضون “الحزب”. واعتبرت أن تهديد “الحزب” يطاول مؤسسات الدولة أيضًا، وتحديدًا قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني. لذلك، على الدولة أولًا تطبيق قرار حظر السلاح والنشاطات الأمنية والعسكرية، ما يُفقد “الحزب” ورقة التخريب الأمني، وثانيًا محاسبة السلطات القضائية التي تتقاعس عن أداء دورها في توقيف مطلقي العبارات التهديدية والترهيبية على نحو يمنع تكرارها. وتشير المصادر إلى أن “الكتائب” تعوّل على الدولة والسلطات القضائية والأجهزة الأمنية، وخصوصًا الجيش اللبناني.
وتؤكّد مصادر “الكتائب” أن سبب تهديدات “الحزب” يعود إلى المأزق الإقليمي الذي وضع نفسه فيه، وبالتالي هو يحاول أن يعوّض من خلال تهديد الداخل اللبناني في محاولة لتبديل الموازين، وكأنه لم يتعلّم شيئًا من تاريخ لبنان. ويجب أن يعلم بأن أحدًا في لبنان لا يستطيع الاستقواء على الآخر، لا بقوة السلاح ولا بقوة النفوذ الإقليمي والدولي. علمًا أن مقاربة رئيس الحزب سامي الجميّل واضحة منذ انتهاء حرب الإسناد الأولى، عندما دعا إلى حصر السلاح فورًا وتنفيذ ذلك ميدانيًا كي لا يستمر “الحزب” في الاستقواء على الآخرين، ثم الدخول في مؤتمر مصالحة ومصارحة وطنية كي نضع كلّنا هواجسنا على الطاولة للبحث في تعديلات مقترحة على النظام السياسي، بما يفي كل ذي حق حقه، بدلًا من لغة السلاح والسلبطة. وتلفت المصادر إلى أنها تكرّر دعوتها إلى تبنّي خريطة الطريق الكتائبية وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية.
وحذّرت مصادر “الكتائب” من أنه إذا نفّذ “الحزب” تهديداته، وفشلت الدولة والأجهزة الأمنية في مواجهة هذه التهديدات على نحو حازم، وقفز “الحزب” فوق خريطة الطريق التي تقضي بحصر السلاح والجلوس إلى طاولة حوار، فعندها لكل حادث حديث.
من جهته، يرفض “التيار الوطني الحر” التهديدات بالحرب الداخلية من أي جهة أتت، وخصوصًا التهديدات التي صدرت عن بعض مسؤولي “الحزب” والتهويل بالحرب الأهلية. وتشدد مصادر “التيار” على أنه يتمسّك بالسلم الأهلي والتضامن الوطني والإنساني، ويتطلع إلى مدّ جسور ومساحات مشتركة بين القوى السياسية اللبنانية، ويستنكر مناخ التحريض والشحن الذي يأتي من أفرقاء آخرين مناهضين لـ”الحزب” أيضًا. وتعتبر المصادر أن التهديدات تشمل كل اللبنانيين وليس المسيحيين فقط، “ولن ننجرّ إلى هذه اللعبة الخطرة بتاتًا”.
من الواضح أن القوى السياسية المسيحية متفقة على رفض أي ارتداد لـ”الحزب” على الداخل اللبناني، وتعتمد كلّها، رغم مقارباتها المختلفة، على مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والقضائية لمواجهة أي اعتداء على البيئة المسيحية، وهذا أمر غير قابل للجدل.
* نشرت بتاريخ 2 نيسان 2026 على موقع المدن
