مجتمع

أبي … إلى من رفعت رأسي عاليا افتخاراً به

منى محمد مروة

“منذ مطلع شبابي وأنا معتصم بـ “لا”، لفظة تختصر كل القلق الذي يعتمل في داخلي أنا وجيلي: بدأتها بلا للاقطاع السياسي، ثم تلتها لا لتدخل العسكر في الشأن السياسي، ثم كرت اللاءات : لا للحكم الطائفي، لا للحكم الفاشي، لا للتقسيم، لا للفاشية، لا المحاصصة، لا للمذهبية، لا للمال المتوحش، لا للفسا، لا للوصاية، لا لسرقة الناس، لا لاهدار المال العام، لا لإضاعة مستقبل الشباب، لا لوطن بلا مستقبل. اليوم تصدت لي نعم بكل خنوعها، وبكل ضعفها قاطعة طريقي، رافضة الخروج حاملة معها كوفيد 19 والذي لم ينفع كل التاريخ الذي احمل بردها أو اقناعها بان هذا ليس ملعبها، لكني أعد الجميع أنني ساكون قريبا وبمواكبتكم في مرمى لا كوفيد 19 فإلى لقاء قريب مع محبتي”هذا آخر ما كتبه أبي:

ومنذ مطلع شبابي وهو قدوتي ونبراسي الذي ينير دربي. علمني الصمود أمام امواج البحر الثائرة.

محطات عدة عشتها مع أبي ففي كل مرحلة من مراحل حياتي قصة نعيم عشتها معه…

علمني معنى الحياة فهو من أمسك بيدي من لحظة ظهوري على الدنيا فكان ولا يزال نعم المعلم. منذ نعومة أظفاره وأبي يناضل ليبني وطناً يحلم به كل مواطن… من ذكرياتي انتظاري له على شرفة بيتنا وأنا أعد السيارات لأنه تأخر عن المجىء، فقد وعدنا أن نذهب في نزهة عائلية عندما يأتي، ولكنه تأخر. كم تمنيت ان يكون السيارة رقم “x” وكالعادة يأتي متأخراً ولا نذهب. ما أجمل  أن يأتي متأخراً رغم استحالة ذلك فهو لن يأتي ابداً.

مع بداية مراهقتي مرات عديدة يدور بيننا النقاش على موضوع ما أثناء سيرنا إلى مكان محدد، فإما ينتهي مشوارنا بالإتفاق أو بالإقتناع برأي.

علمني النضال بصمت فهو لم يهوَ يوماً الظهور والإعلانات الرنانة، وإنما كان يعمل بجد ونشاط وحيوية وبصمت مستمر.

كم لمتك يا أبي أنك إعدتني إلى هذا البلد، ولكني أشكر ربي الآن لأنني أمضيت بقربك سنواتك الأخيرة أتمتع بخبرتك ونصائحك.

بفضلك ربحت كل معاركي في الحياة. ولكن فراقك هزني وكسرني. ومع ذلك فإن كلماتك وذكرياتي معك تدفعني إلى أن أنهض من جديد وأعود إلى النضال والكفاح.

الآن أفتقد معايداتك يوم مولدي وهذا بعض منها :”معك اصبح لنيسان طعم آخر، فهو النسيم ينعش روحي وقد حمل معه وريقات الياسمين البيضاء وارسل عطره الطيب إلى اعماقي. أحس أن طيفك قد تملكني وأن هذا الشميم الطيب بعض منك حبيبتي. كل عام وأنت بخير.”

اشتاق همساتك …اشتاقك… رحلت وأخذت الجزء الأكبر مني

إلى اللقاء يا سندي

 7/12/2021