سياسة مجتمع

خطاب الاستقلال بين استعادة الأسئلة التأسيسية وتحدي الاجوبة التاريخية

 زكي طه       

 خطاب خارج المألوف

يأتي خطاب رئيس الجمهورية في الذكرى الحادية والثمانين للاستقلال كواحد من أكثر الخطابات الرئاسية خروجًا عن المألوف في لبنان، بالنظر لرمزية أختيار  الرئيس إحدى  ثكنات الجيش اللبناني في الجنوب لمخاطبة اللبنانيين، وبالاستناد إلى  البنية السياسية للخطاب ومضمونه الذي أعاد فتح الملفات التأسيسية للبنان والدولة.   فالرئيس بدا وكأنه يضع اللبنانيين مجددًا أمام الاسئلة التي تتعلق بنشأة الكيان وتعدد الولاءات وتفكك المرجعية الوطنية.

وما جعل الخطاب يشكل حدثًا سياسيًا بحد ذاته ليس مضامينه وحسب، بل حجم الردود التي أثارها، والتي كشفت عمق الانقسام في بنية النظام اللبناني، بين من رأى فيه خطوة جريئة نحو إعادة الاعتبار للدولة، وبين من تعامل معه باعتباره مجرد خطاب تموضع لموقع الرئاسة ضمن لعبة الموازين الداخلية.

ففي ظل غرق البلاد في أزماتها المتراكمة، من الانهيار الاقتصادي والمالي إلى تصاعد الانقسامات السياسية وتداعيات الحرب الإقليمية، وفي المقدمة منها الضغوط الخارجية التي تقودها الادارة الاميركية والتهديدات الاسرائيلية بتجديد الحرب في موازاة تصاعد الغارات والاغتيالات اليومية. جاء الخطاب كأنه محاولة لتصويب الرؤية والقراءة لأوضاع البلد وقضاياه، عبر استعادة الأسئلة التأسيسية التي لا تزال تتحكم بمصير لبنان ـ الكيان والدولة منذ لحظة ولادتهما. وأن الرئيس يحاول إعادة تعريف حدود الدولة ومرجعيتها وموقعها في المعادلة الداخلية والإقليمية، في وقت بات فيه الصراع على لبنان جزءًا من إعادة تشكيل المنطقة بعد حرب غزة وما أعقبها من إعادة اصطفاف سياسي وعسكري.

استعادة الأسئلة التأسيسية

اختار الرئيس العودة إلى الخلاف الذي رافق لحظة التأسيس الأولى، لحظة الصراع بين من أراد لبنان كيانًا صغيرًا منغلقاً على حدوده، ومن أراده جزءًا مندمجاً في محيطه ضمن مشروع أوسع. هذا الاستدعاء لم يكن مجرد سرد تاريخي، بقدر ما كانت غايته القول أن أزمة لبنان ليست وليدة السنوات الاخيرة، ولا يمكن اختزالها بقضية السلاح أو الانهيار المالي، بقدر ما هي أزمة كيان لم يكتمل عقده الاجتماعي وأن هويته ومرجعيته الوطنية الموحدة لم تحسم لغاية الآن.

وبتسليطه الضوء على تكوّن أكثرية كيانية ميثاقية تشكلت بالتدريج منذ التأسيس  واقتنعت عبر التجربة بأن العيش المشترك أقل كلفة من الولاءات الخارجية، أراد الإشارة إلى أنّ الأزمة الراهنة ليست أزمة تقنية أو آنية، بل أزمة بنيوية مرتبطة بهوية الدولة ومرجعيتها ومصدر قرارها. وقد تضمن الخطاب قراءة موضوعية لمسارات الوضع اللبناني، وبالاستناد إلى معطياتها قدّم الرئيس نقدًا ذاتيًا غير مألوفاً حول إدارة اللبنانيين لاستقلالهم، مشيرًا إلى التفاعل المزمن بين الأخطاء الداخلية والضغوط الخارجية، وما نتج عنه من حروب وصراعات محاور جعلت لبنان ساحة مفتوحة أمام التدخلات والوصايات. هذه المقاربة كانت بمثابة إقرار واعتراف بأن الفشل الوطني المتكرر لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتاج خيارات سياسية متشابكة تحكمها الولاءات المتعددة المستندة الى مشاريع فئوية.

 لبنان أسير إنكارين

رسم الرئيس معادلة سياسية جديدة  قائمة على رفض إنكار التحولات الإقليمية والدولية، في موازاة رفض التعامل مع مكوّن لبناني كامل وكأنه خارج المعادلة أو أنه هُزم. بهذه المقاربة وضع حدًّا لخطابين يعيدان إنتاج الشلل السياسي: خطاب يتمسّك بالازدواجية باعتبارها أمرًا واقعًا دائمًا، وخطاب آخر يتعامل مع فريق لبناني كأنه لم يعد جزءًا من المعادلة الوطنية. وللخروج من اسر معادلة الانكار المتبادل،  كانت دعوة الجميع بالعودة إلى الدولة وقرارها الواحد وولائها الموحد. وللتأكيد على جدية الدعوة طرح الرئيس ما يشبه خارطة طريق غايتها استعادة السيادة، تضمنت استعداد الجيش لتسلّم النقاط المحتلة، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، والتفاوض من أجل وقف نهائي للاعتداءات، وقيام آلية دولية لدعم الجيش والإعمار، وصولًا إلى حصر السلاح بيد الدولة. وهذه المرة الأولى التي يقدّم فيها رئيس لبناني مقاربة مدعومة بمؤشرات توقيت ورسائل خارجية واضحة.

 القوات وتحوير النقاش

سريعاً وبنبرة عالية جاء رد رئيس حزب القوات اللبنانية، الذي ركّز على ما وصفه بـ “سذاجة رواية الوشايات”. وقد حمل الرد دلالات سياسية أبرزها رفض ربط العلاقات الأميركية ـ اللبنانية بمعادلة الإخبار والتحريض، والتأكيد على أن واشنطن تملك أدواتها ولا تنتظر من يخبرها عن الواقع اللبناني. وتجاهل الرد جولات التنظير للدور الاميركي التي يتولاه اميركيون من اصل لبناني، كتوم برّاك ووليد فارس و…  لكنه حاول أخذ النقاش بعيداً عن مضمون خطاب الاستقلال، إلى سجال ثنائي حول الروايات والتاريخ والخطاب الاتهامي، ما أعطى الانطباع بأن الخطاب مسّ نقطة حساسة لدى القوات، وهي فشل محاولاتها المتكررة لوضع العهد تحت وصايتها.  واصرار قائدها على توزيع  شهادات حسن السلوك على رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء. واللافت أن رد “الحكيم” لم يتناول جوهر ما طرحه الرئيس حول أزمة الدولة والازدواجية والولاءات الخارجية، بل انشغل بهوامش متصلة بمسألة الوشايات، في ابتعاد واضح عن النقاش الفعلي الذي حاول الخطاب فتحه. 

حزب الله إيجابيات واعتراضات عميقة

في المقابل بدت مقاربة الثنائي الشيعي أكثر حذراً اتجاه الخطاب، فسجلت له نقطتان إيجابيتان: أولاهما التراتبية الجديدة التي وضعت التفاوض في نهاية الأولويات، ما عُدّ مؤشرًا إلى قراءة أكثر واقعية في الشكل. وثانيتهما تأكيد الرئيس أن حزب الله والطائفة الشيعية عنصر كامل في المعادلة الوطنية، وهو ما اعتُبر تصحيحًا لسرديات سابقة. إلا أنّ الاعتراضات كانت أكثر حدّة، لأنها ركّزت على مسألتين أساسيتين: الأولى غياب شرط وقف إطلاق النار من بند تسلّم الجيش للنقاط المحتلة، إذ يرى الحزب أن الانسحاب بلا ضمانات يترك المجال مفتوحًا لاعتداءات جديدة ويجعل الخطة غير مكتملة وأنها تنطوي على خضوع لشروط اسرائيل. أمّا الثانية فهي استخدام الرئيس لمصطلح “الدويلة”، وهو مصطلح يعتبره الحزب خطًا أحمر لأنه يشير إلى سردية تُستخدم عادة في الخطاب المناهض له، ما يضعه مجددًا في موقع الدفاع عن شرعية سلاحه ومشروعه.

مشروع دولة والمشاريع الفئوية

تُظهر ردود الفعل المتباينة أن الخطاب أصاب نقاطًا عميقة في بنية النظام اللبناني. فالقوات اللبنانية رأت فيه مسًّا بموقعها بوصفها قناة تواصل مستقلة مع المجتمع الدولي، بينما شعر حزب الله بأن الخطاب تضمن إشارات تحول، ولكنه رأه  استفزازياً لأنه تعرض لجوهر مشروع الحزب وخياراته السياسية من موقعه الطائفي الفئوي وولاءه الإقليمي.

وفي معمعة الاشتباك بين الطرفين كل من موقعه، وكلاهما يحاصر مشروع الدولة،  وعطفاً على ما تضمنه خطاب القسم ومن وعود تعهد بها الرئيس، طرح موقع الرئاسة مرجعية دستورية توحيدية تسعى إلى استعادة الدولة في لحظة إقليمية تتغير فيها قواعد الاستقرار بعد حرب غزة وما بعدها. وهو مشروع عودة الدولة الذي  يصطدم بواقع مركب: سلاح خارج الدولة، طبقة سياسية تقتات وتراهن على الخارج، قوى  فئوية تخشى الدولة وأخرى تستعملها لمحاصرة خصومها. لذلك بدا خطاب الرئيس محاولة لإعادة تعريف الحدود الفاصلة بين ما هو وطني وما هو فئوي، وهو الامر الذي يفسر حجم الاعتراض من الاطراف المتضررة. 

خطاب تأسيسي  

يكشف السجال الذي تلا خطاب الاستقلال أن رئيس الجمهورية أعاد وضع الأسئلة الصحيحة حول السيادة والسلاح والولاء ومستقبل الكيان على طاولة البحث. أما الردود الاساسية  فقد جاءت خارج إطار هذه الأسئلة، وغلب عليها الاهتمام بالسرديات والتوصيفات التي تمس أدوارها ومواقعها. فالقوات ركزت على مسألة الوشايات، وحزب الله على المصطلحات والضمانات. وفي لحظة سياسية دقيقة، بدا الرئيس كأنه يطرح خريطة طريق محصورة بالقضية الوطنية نحو دولة واحدة بقرار واحد، في مواجهة مشاريع فئوية تتقاطع مع محاور الخارج. وهكذا شكل الخطاب محطة تؤسس لنقاش وطني كان مغيبًا، نقاش يعيد فتح الباب أمام التفكير في لبنان الدولة مقابل لبنان المشاريع الطائفية أو المذهبية، وهو نقاش قد يشكل مدخلًا لمرحلة سياسية جديدة إذا استطاع اللبنانيون تجاوز انقسامهم المزمن والتقدم نحو عقد سياسي يعيد إنتاج جمهورية قادرة على حماية كيانها وسيادتها ووحدة مجتمعها.

من الواضح أن ردود القوى السياسية من مواقعها في السلطة، جاءت لتؤكد أن معركة الروايات لا تزال تتقدم على معركة بناء الدولة. فبين من يختزل النقاش بمسألة بالوشايات وبين من يختصره بمفردة دويلة،  يبقى جوهر المشكلة ـ أي غياب الدولة القادرة ـ   ينتظر من يتولى البحث عن جواب.

وعليه فإن أهمية الخطاب تكمن في أنه أعاد فتح نقاش كان مغلقًا، وطرح إمكانية وضرورة التفكير في لبنان الدولة مقابل لبنان المشاريع المتنازعة وقواه المغلقة على اي نقاش جاد. وهنا تكمن الصعوبة وطبيعة التحدي الذي يواجه اللبنانيين اصحاب المصلحة الحقيقة، خاصة دعاة الانقاذ من مواقع الاعتراض الديمقراطي التعددي،  ومسؤولية التقاط الفرصة المتاحة وخوض غمار المحاولة  في أن يشكّل هذا النقاش مدخلًا إلى مرحلة جديدة، تعيد إنتاج العقد الوطني بما يسمح بقيام جمهورية قادرة على حماية كيانها ومجتمعها وحدودها.