اقتصاد

الأزمة المصرفية اللبنانية: تفكيك النسيج الاجتماعي والثقافي 2/2

  * الدكتور سعيد عيسى

بيروت 14 تموز 2025 ـ بيروت الحرية

لطالما اعتُبرت الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان، التي تفاقمت بشكل دراماتيكي منذ عام 2019، مجرد انهيار اقتصادي بحت. ومع ذلك، فإن النظرة الأنثروبولوجية تكشف عن أبعاد أعمق لهذه الأزمة، مُظهرةً إياها كتفكيك جذري للنسيج الاجتماعي والثقافي الذي بُني حول الثقة في المؤسسات المالية. هذه الدراسة تسعى إلى تحليل هذا التحوّل الأنثروبولوجي العميق، بدءاً من الإرث التاريخي للهوية المصرفية اللبنانية، مروراً بالطقوس اليومية التي رسخت الثقة، وصولاً إلى الانهيار الدراماتيكي وما تبعه من إعادة تشكيل للهويات والعلاقات، وممارسات المقاومة والتكيّف الاجتماعي في مواجهة هذه الصدمة غير المسبوقة. إنها قصة مجتمع يُعيد اختراع نفسه، مُجبراً على التخلي عن عقود من الممارسات والقيم، في محاولة للتضامن والبقاء.

 الإرث التاريخي: بناء “سويسرا الشرق الأوسط

تجسّدت الهوية المصرفية اللبنانية لعقود في لقب “سويسرا الشرق الأوسط”، وهو لقب لم يكن مجرّد وصف اقتصادي، بل كان بناءً اجتماعياً وثقافياً عميقاً. لم تكن هذه السمعة مبنية فقط على القوانين المصرفية السرّية أو حرية تحويل رؤوس الأموال، بل كانت متجذّرة في مجموعة من القيم والممارسات الاجتماعية التي عزّزت الثقة. تاريخياً، لعبت المصارف اللبنانية دوراً محورياً في حياة الأفراد والعائلات، ليس فقط كمؤسسات لحفظ الأموال، بل كأوصياء على المستقبل. كانت المدخرات المصرفية تمثل قمة الأمان والاستقرار، وهي وسيلة لتحقيق الطموحات الاجتماعية المتمثلة في تعليم الأبناء في الداخل والخارج، شراء العقارات، تأمين الشيخوخة، وحتى الهجرة للعمل وتجميع رأس المال لإعادته إلى الوطن.

هذه الثقة لم تكن مجرّد ثقة عقلانية في نظام مالي، بل كانت ثقة عاطفية وثقافية. كان المصرف يمثل “الملاذ الآمن” الذي يتجاوز تقلّبات السياسة المحلية والإقليمية. كان رمزاً للازدهار الفردي والجماعي. لقد ساهمت هذه الهوية في بناء “عقد اجتماعي” غير مكتوب بين المصرف والمودع، حيث يلتزم المصرف بالحفاظ على الودائع وتنميتها، ويلتزم المودع بالولاء لهذا النظام. هذا الإرث التاريخي جعل من المصرف جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اللبناني، وليس مجرد كيان اقتصادي منفصل.

الطقوس المصرفية: الممارسات الاجتماعية والثقافية حول التعامل مع المصارف

قبل الأزمة، كانت العلاقة مع المصارف تتخلّلها مجموعة من الطقوس والممارسات اليومية التي رسخت دورها كبنية اجتماعية. زيارة المصرف لم تكن مجرد معاملة مالية، بل كانت حدثاً اجتماعياً. كانت الطوابير، التفاعلات مع موظفي خدمة العملاء، وحتى الديكور الداخلي للمصرف، كلها عناصر تساهم في بناء صورة المصرف كمؤسسة موثوقة وذات سلطة. كان الموظفون، بلباسهم الرسمي ولغتهم المتخصّصة، يمثلون جزءاً من هذه السلطة، ويضفون طابعاً من الاحترافية والأمان.

كانت عمليات الإيداع والسحب، وفتح الحسابات، وطلب القروض، كلها طقوساً تعزّز الثقة في النظام. كانت دفتر الشيكات وبطاقات الائتمان رموزاً للمكانة الاجتماعية والقدرة المالية، تتيح للأفراد ممارسة أنماط استهلاكية معينة وتأكيد هويتهم الطبقية. هذه الممارسات اليومية لم تكن مجرّد إجراءات روتينية، بل كانت تشكّل جزءاً من الحياة الاجتماعية اللبنانية، وتعزّز الشعور بالانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة، وتمكّن الأفراد من التخطيط لمستقبلهم ومستقبل عائلاتهم. لقد كانت هذه الطقوس تجسيداً مادياً للعقد الاجتماعي بين المصرف والمودع، وتأكيداً على أن الأموال، حتى لو كانت مجرد أرقام على شاشة، هي كيان ملموس ومحمي.

 انهيار الثقة: التحوّل الجذري منذ 2019

مع بداية الأزمة في سنة 2019، تحوّل المصرف من حارس للثروة إلى سجّان لها، ومن رمز للأمان إلى مصدر للقلق واليأس. كان حجز الأموال، وفرض القيود على السحوبات، ومن ثم تجميد الودائع، بمثابة صدمة اجتماعية غير مسبوقة. لقد تم انتهاك “العقد الاجتماعي” الضمني بين المصرف والمودع بشكل صارخ. لم يكن هذا مجرّد انهيار اقتصادي، بل كان انهياراً للثقة الاجتماعية والثقافية التي بُنيت على مدى عقود.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن وصف هذه اللحظة بأنها “أزمة طقوس”. الطقوس اليومية لزيارة المصرف، السحب، والإيداع، تحوّلت إلى طقوس من الإذلال والانتظار الطويل، حيث أصبح المودعون يتوسّلون للحصول على جزء ضئيل من أموالهم. هذه التجربة غيرت بشكل جذري تصور الأفراد للمصرف، من مؤسسة خدمية إلى مؤسسة قمعية. لقد تآكلت الهوية المصرفية اللبنانية كـ”سويسرا الشرق الأوسط” تماماً، واستُبدلت بصورة مؤسسة غير جديرة بالثقة، بل ومُعادية لمصالح المودعين. هذا التحوّل أحدث شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، حيث شعر الأفراد بالخيانة ليس فقط من قبل المصارف، بل من قبل نظام بأكمله كان يُفترض أن يحميهم.

إعادة تشكيل العلاقات: الهويات الاجتماعية والثقافية المتغيرة

كان التأثير الأكثر دراماتيكية للأزمة هو إعادة تشكيل الهويات الاجتماعية والثقافية، خاصة للطبقة الوسطى. هذه الطبقة، التي كانت تُعرف بقدرتها على الادّخار والاستهلاك وتأمين المستقبل، وجدت نفسها مجرّدة من هذه القدرات. لقد تم دفعها قسراً إلى فئة “الفقر الجديد”، وهي حالة لم تكن مجرّد فقر مادي، بل كانت تجريداً من الهوية الاجتماعية. وهذا بدوره أدّى إلى تآكل “الواجهة الاجتماعية، إذ لم يعد أفراد الطبقة الوسطى قادرين على الحفاظ على “الواجهة الاجتماعية” التي كانت تُعرّف بها طبقتهم وفقدوا القدرة على الاستهلاك المعتاد، والوصول إلى التعليم الجيد، والرعاية الصحية، وحتى السفر. هذا التآكل أثّر على شعورهم بالذات وعلى قيمتهم الاجتماعية.

كما أدى ذلك إلى تغيير في ديناميكيات الأسرة التي تأثّرت بشكل كبير، وأصبح الشباب غير قادرين على الاستقلال المادي، وازدادت الأعباء على كبار السن الذين فقدوا مدخراتهم. أصبحت الهجرة، التي كانت في السابق خياراً لتحسين الظروف، ضرورة للبقاء، مما أدى إلى تفكك الأسر وتشتت أفرادها عبر القارات.

ومن آثار إعادة التشكيل هو تحول مفهوم “المال” نفسه. فلم يعد المال في المصرف يمثل قيمة حقيقية أو قوة شرائية. أصبح مجرّد أرقام مجمّدة، ما أدى إلى فقدان الثقة ليس فقط في المصارف، بل في مفهوم العملة الورقية ككل، ودفع البعض نحو البحث عن بدائل مثل الذهب والعملات الأجنبية النقدية أو حتى المقايضة في بعض الحالات.

إنّ هذه التحولات جميعها أدت إلى شعور عام بالضياع وعدم اليقين، حيث فقد الأفراد الركائز التي كانت تحدّد مكانتهم ودورهم في المجتمع.

التكيّف الاجتماعي والإبداع في مواجهة الأزمة

في مواجهة هذا الانهيار، لم يستسلم المجتمع اللبناني للقدر، بل ظهرت ممارسات متعدّدة للتكيّف الاجتماعي والإبداع. هذه الممارسات تُظهر مرونة المجتمع وقدرته على إعادة اختراع ذاته خارج الأطر التقليدية. وهذا أدى إلى ازدهار الاقتصاد النقدي (الكاش) بشكل كبير، حيث أصبح الناس يعتمدون بشكل متزايد على التعاملات النقدية المباشرة لتجنّب المصارف الذي أدى بدوره إلى ظهور شبكات غير رسمية للتبادل والخدمات. وتحوّلت تحويلات المغتربين نحو قنوات غير مصرفية مثل شركات تحويل الأموال أو الأفراد وتعزّزت شبكات التضامن العابرة للحدود. وظهرت العديد من المبادرات المجتمعية المحلية لدعم الأسر المحتاجة، وتوفير الخدمات الأساسية، وحتى تنظيم حملات لجمع التبرعات بالعملات الأجنبية. وهذه المبادرات عزّزت من مفهوم “التكافل” الاجتماعي. وهذا كلّه ساهم في قيام حركات احتجاجية واسعة النطاق ضد النّظام المصرفي والسياسي في محاولة لاستعادة الحقوق. وهذه الحركات، على الرغم من تحدياتها كانت شكلاً من أشكال المقاومة الجماعية. ولجأ الأفراد والجماعات إلى الاحتفاظ بمدّخراتهم بالعملات الأجنبية خارج النظام المصرفي، مما عكس فقدان ثقة تامٍّ بالليرة اللبنانية والمصارف.

إنّ هذه الممارسات أظهرت أن المجتمع اللبناني ليس سلبياً، بل هو فاعلٌ ُحاول بناء بدائل للبنية الاجتماعية المنهارة، حتى لو كانت هذه البدائل غير رسمية أو مؤقتة.

تأثيرات المجتمع المدني: انهيار الشبكات الاجتماعية والخدمات المجتمعية

كان للأزمة المصرفية تأثيرات عميقة على المجتمع المدني والشبكات الاجتماعية والخدمات المجتمعية. فالمؤسسات الخيرية، والجمعيات الأهلية، وحتى المستشفيات والمدارس الخاصة، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الودائع المصرفية والتبرعات، واجهت صعوبات جمة.  فتجميد الأموال أدّى إلى تراجع كبير في قدرة هذه المؤسسات على تقديم خدماتها الأساسية، مما فاقم من الأزمة الإنسانية والاجتماعية، وانهارت العديد من شبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية التي كانت تعتمد على الدعم المالي المتبادل بين الأفراد والعائلات واضطرت العديد من المنظمات غير الحكومية إلى تغيير نماذج عملها، والبحث عن مصادر تمويل خارجية، أو التركيز على المساعدات العينية بدلاً من النقدية. وأدت الأزمة أيضاً إلى تآكل “رأس المال الاجتماعي” (Social Capital)، وهو مفهوم أنثروبولوجي يشير إلى الشبكات الاجتماعية والقيم المشتركة التي تسهّل التعاون داخل المجموعات وأخيراً فقدان الثقة في المؤسسات الذي أثر على قدرة الأفراد على التعاون والتضامن على نطاق واسع.

الخاتمة

إن الأزمة المصرفية في لبنان تتجاوز كونها مجرد أزمة اقتصادية؛ إنها أزمة عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين الأفراد والمؤسسات، وتُفكّك النسيج الاجتماعي والثقافي الذي بُني حول الثقة في المصارف. لقد كشفت الأزمة عن هشاشة “الواجهة الاجتماعية” التي كانت تُعرف بها الطبقة الوسطى، وأجبرت المجتمع اللبناني على مواجهة حقيقة أن مؤسساته الأساسية قد خانت العقد الاجتماعي.

ومع ذلك، فإن الدراسة تُظهر أيضاً مرونة المجتمع اللبناني وقدرته على التكيف والإبداع في مواجهة الشدائد. ومن خلال ممارسات المقاومة، والاقتصاد غير الرسمي، وشبكات التضامن الجديدة، يحاول اللبنانيون إعادة بناء حياتهم وهوياتهم في ظل ظروف غير مسبوقة. إن هذه الأزمة تقدّم درساً أنثروبولوجياً مهماً حول كيفية تأثير الانهيارات المؤسسية على الحياة اليومية، والهويات الاجتماعية، والثقافة، وكيف أن المجتمع، حتى في أحلك الظروف، يمتلك القدرة على إعادة بناء ذاته، حتى لو كان ذلك بطرق مؤلمة ومُرهقة. إنها دعوة لإعادة التفكير في دور المصارف كبنى اجتماعية، وضرورة إعادة بناء الثقة على أسس أكثر صلابة وشفافية لضمان استقرار ورفاهية المجتمعات.

المراجع:

  1. General Methodological and Anthropological References

Polanyi, Karl. The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time. This work is fundamental for understanding the concept of “embedded economy” and how markets are not separate from social and cultural relations.

Mauss, Marcel. The Gift: Forms and Functions of Exchange in Archaic Societies. Provides insights into social exchange and its role in building relationships and trust, which can be applied to the concept of trust within the banking system.

Bourdieu, Pierre. His works on “Social Capital,” “Cultural Capital,” and “Habitus” (e.g., Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste). These concepts are crucial for understanding how social class is defined and reproduced, and how identity is affected by material and social conditions.

Studies in Economic Anthropology: Any academic works that address the relationship between economics, culture, and society, and how economic practices are shaped by social frameworks.

Research in the Anthropology of Trust, Institutions, and Crises: Specialized studies on how trust in institutions is built and collapses, and how societies respond to major crises from an anthropological perspective.

  1. References on Lebanon and the Crisis

World Bank and International Monetary Fund (IMF) Reports: Periodic and special reports issued on the economic and financial crisis in Lebanon, providing macroeconomic data and analyses.

United Nations (UN) and Humanitarian Organization Reports: Reports documenting the social and humanitarian impacts of the crisis on the Lebanese population, including poverty, food security, and access to basic services.

Studies and Articles from Lebanese, Regional, and International Research Centers:

The Legal Agenda: Offers in-depth legal, economic, and social analyses of the banking crisis and corruption in Lebanon.

University Research Centers: Such as the Center for Lebanese Studies at the American University of Beirut, or research centers at other universities, which publish studies on Lebanese society and economy.

International Research Centers: Those focusing on the Middle East and North Africa and publishing analyses on Lebanon.

Journalistic Articles and Investigative Reports: In-depth journalistic investigations published in Lebanese media (e.g., “An-Nahar,” “L’Orient-Le Jour”) and Arab and international media (e.g., “Financial Times,” “New York Times,” “The Guardian”) on the causes and repercussions of the banking crisis.

Sociological and Anthropological Works specific to Lebanon: Books and articles that address the Lebanese social and cultural fabric, the role of sects, and family relations, which can provide context for understanding current changes.

III. References on Trust in Financial Systems

Studies on Global Financial Crises: Research that examined previous financial crises (such as the 2008 global financial crisis) and how they affected public trust in banks and financial institutions.

Research in Financial Consumer Behavior: Studies that address how individuals make financial decisions, and how these decisions are influenced by trust, risks, and social perceptions.