الخميس 2025/07/10
إذا كان حزب الله قد تلقى هزيمة من إسرائيل، إلا أنه -كالمعتاد- عوّضها بانتصار محقق على الدولة اللبنانية. ورغم كل المتغيرات القاسية، التي أفضت إلى قبوله مرغماً بمجيء جوزاف عون ونواف سلام، إلا أن الحزب المذكور استطاع أن “يبتلع” الأمر الواقع ويهضمه. وكما حدث مع “إعلان بعبدا” في عهد ميشال سليمان، يحدث راهناً مع خطاب القسم والبيان الحكومي. إنه إنجاز سياسي هائل، وانتصار جديد لحزب الله، وبزمن قياسي.
هذه هي الحقيقة السياسية التي قالها توم باراك. المعضلة لم تعد فقط بين إسرائيل والحزب، إنها معضلة الدولة والسلطة في لبنان. بمعنى آخر، إنها “مشكلة” جوهرية في النظام السياسي اللبناني، غير القادر على تجاوز النزاع الطائفي الراسخ بين “الشيعية السياسية” من ناحية، والطوائف اللبنانية الأخرى من ناحية ثانية. لقد وصل الأمر، في مناخ إحياء واقعة كربلاء وعاشوراء وسط خرائب الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية (وهي سينوغرافيا كوارثية ملهمة ومناسِبة)، إلى استحضار منهجي، سياسي وإعلامي وتعبوي، لوقائع تاريخية عمرها نحو 1400 سنة، يعاد إسقاطها على يومنا هذا، وفحواها أشبه بنبوءة قيامية، تقول إن شيعة لبنان مهددون بالإبادة والإفناء.
وجواب “الشيعية السياسية” في مواجهة هكذا نبوءة هو التمسك بالسلاح. وأن لا “ضمانة” لهم إلا إبقاء التفوق العسكري بيدهم، بوجه الجماعات الأخرى.
يعني ذلك، أن الدولة الوطنية، الدستور، اتفاق الطائف، الميثاق الوطني، بل وحتى المحاصصة والامتيازات التي نالتها “الشيعية السياسية”.. كلها خارج أي اعتبار وبلا قيمة. وربما هي مجرد رطانة وتكاذب لا يشفيان “تروما” المظلومية التي أوقعها بني أمية بآل البيت وشيعتهم، ومن ثم السلطنات المتعاقبة وصولاً إلى الاستعمار فالامبريالية الأميركية وإسرائيل… والجماعات الأخرى المتربصة أبداً وتتحين الفرصة للإنقضاض عليهم!
وعليه، السجال حول السلاح، هو ببساطة: لمنع الفتنة أم سبب للفتنة؟
إذ، عملياً وميدانياً، خرج السلاح من جنوب الليطاني، ولم يعد له أي وظيفة، لا دفاعاً ولا ردعاً ولا تحريراً (ولا مساندة لغزة أو إيران). بقيت مستودعاته في الداخل اللبناني. وكل مشكلة إسرائيل هي في الصواريخ والمسيّرات وما شابه. لكن مشكلة اللبنانيين (الآخرين) ليست هنا، وليسوا معنيين بما تطمع به إسرائيل وتطالب به. مشكلتهم هي في الكلاشينكوف والآر. بي. جي، وفي جحافل الدراجات النارية المسلحة، والقمصان السود، والاستعداد الدائم لاستخدام الرصاص واستساغة العنف وكاتم الصوت، والعبوة بأسفل السيارة أو على جانب الطريق. عدا اللغة السياسية التي ترطن بتحطيم الرؤوس وقطع الألسن والتخوين.. إلخ. إنه السلاح الذي يرفض اندراج جماعته في مقتضيات الخضوع لنظام سياسي-دستوري، من المفترض أن التوافق الطوعي عليه حدث قبل 35 عاماً.
وهذا يعود بنا إلى ما تفوه به كل الموفدين الدوليين والعرب، وآخرهم الأميركي توم باراك. فحزب الله يفاوض أميركا وإسرائيل بالواسطة، ويفاوض الدولة اللبنانية مباشرة. مفاوضتان، متقاطعتان ومختلفتان. لكن في الحالتين، الخاسر الوحيد هو الدولة اللبنانية ومن ينضوي في كنفها. فعدم تسليم السلاح هو سقوط الدولة، وما استدراك الحزب لفكرة “الاستراتيجية الدفاعية” إلا مدخل لاستيلاء السلاح نفسه على الدولة وجيشها وسيطرته على السياسة والسلطة، واستتباع الجماعات الأخرى، على نحو ما فعله ذات مرة العونيون.
وطالما أن الشيعية السياسية تتلهج اليوم بكلمة “الضمانات” التي تطلبها من اللبنانيين، فهي تقول: لا الطائف ولا الدستور ولا النظام الديموقراطي ضمانة. فقط التفوق بالسلاح والقوة هو ضمانتنا في علاقتنا مع الجماعات الأخرى.
وهذا أصل الحرب الأهلية، المستترة والمعلنة، الباردة والفاترة والحارة. الحرب بوصفها نظاماً سياسياً دائماً.
