زكي طه
بيروت 9 تموز 2025 ـ بيروت الحرية
رسمياً سلّم رئيس الجمهورية إلى الموفد الاميركي رد الرئاسات الثلاث على الورقة التي تسلموها منه خلال زيارته السابقة، في سياق الضغوط الخارجية التي تحاصر لبنان على أكثر من صعيد. تتزامن الضغوط مع ارتفاع وتيرة الممارسات العدوانية الاسرائيلية التي يتعرض لها لبنان يومياً، وتزايد التهديدات بتجديد الحرب عليه. وفي موازاتها تتكثف مطالبة لبنان بتنفيذ التعهدات التي وردت في خطاب القسم والبيان الوزاري، والمتعلقة بتنفيذ القرار 1701 ونشر الجيش وحصر السلاح بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والبلدية، بعد تسليم سلاح حزب الله، استناداً إلى شروط العدو الاسرائيلي لوقف اطلاق النار معه. وهي الشروط التي وافق عليها الحزب ورئيس المجلس النيابي من موقعه المفاوض باسم الثنائي الشيعي، قبل أن تأخذ الحكومة اللبنانية السابقة علماً بها.
تضمن الرد اللبناني جملة من المبادىء والافكار العامة التي تجدد الالتزم بتنفيذ التعهدات التي وردت في خطاب القسم والبيان الوزاري حول دور ومسؤولية الدولة عن معالجة المشكلات والقضايا موضوع الورقة الاميركية. سواء تعلق الامر بدور الجيش وحل قضية سلاح حزب الله، أو بالاصلاحات المطلوبة لمعالجة الانهيار الاقتصادي والمالي والإداري. وارفقت المبادىء بمجموعة من المطالب العامة التي تتعلق بوقف اعتداءات إسرائيل، وانسحاب قواتها من المواقع التي تحتلها، وترسيم الحدود البرية معها. إلى جانب تكرار طلبات الدعم الخارجي الدولي والعربي المتعدد الأوجه.
تعهدات العهد والحكومة
لم يبصر الرد اللبناني النور إلا بعد مفاوضات عسيرة بين الرئاسات الثلاث ومع قيادة حزب الله، التي لا تزال تكرر رفضها تسليم السلاح، بالتزامن مع مطالبة خصومه بنزعه. كما لم يتضمن أي خطط لتنفيذ ما ورد فيه. ما يعني أن الرد أتى استجابة لضغوط الخارج وتحت وطأة تهديدات اسرائيل، في ظل الخلل الفادح في ميزان القوى الدولي والاقليمي. والاخطر إن صياغته جرت في ظل احتدام الخلافات القائمة بين اطراف السلطة والاحزاب الطائفية حول مختلف قضايا ومشكلات البلد، بما فيها سلاح الحزب من مواقع الانقسام الاهلي. ووسط اصرار منها على رفضها التخلي عن مشاريعها الفئوية، أو مراجعة تجاربها ومغامراتها من مواقعها المختلفة والمتصارعة في آن.
وهي الخلافات التي حالت دون تمكين العهد والحكومة من وضع خارطة طريق لتنفيذ تعهدات خطاب القسم والتزامات البيان الوزاري على أكثر من صعيد. والأهم أنها لا تزال تمنع إقرار الاصلاحات المطلوبة، وتحول دون استعادة مؤسسات الدولة لقرار السلم والحرب، وحقها الحصري بشأن امتلاك السلاح. وللتغطية على ذلك يتم الاكتفاء بتكرار المواقف المبدئية، رداً على وعود الدعم المشروط، وفي مواجهة الطلبات والضغوط الخارجية التي تتبنى الشروط الاسرائيلية. وعليه يكاد دور العهد والحكومة يقتصر على مواكبة السجال الداخلي المحتدم حول مختلف القضايا، بما فيها معضلة تسليم سلاح حزب الله، بين من يطالب الدولة بنزعه، ومن يرفض تسليمه انطلاقاً من حسابات طائفية وفئوية متناقضة.
تبريرات رفض تسليم السلاح
وفي هذا السياق استفاد حزب الله من انتظارية العهد والحكومة. واستغل أداء خصومه وشركائه في السلطة. واستثمر في ممارساتهم العدائية ضده ومطالبتهم بنزع سلاحه. وبذلك تمكن من إعادة انتاج خطابه، وذرائع رفضه تسليم السلاح بدعوى إنه يحمي لبنان، وسط تجاهل النتائج التدميرية لمغامراته، وعدم قدرته الراهنة على مواجهة اسرائيل واعتداءاتها اليومية. مشترطا انسحابها ورفض شروطها التي شكلت اساس موافقته على وقف اطلاق النار معها. ومطالباً الدولة بتحمل مسؤولياتها عن الاعمار، ومواجهة الضغوط الأميركية، والعمل على إلزام اسرائيل بالانسحاب. وصولاً إلى تبرير رفض التخلي عن سلاحه، لأنه ضمانة لوجوده ولحماية بيئته، بدعاوى مواجهة خطر التنظيمات الارهابية السنية وفصائل الجيش السوري المنتشرة على الحدود الشمالية والشرقية مع لبنان. ولذلك تعمّد استغلال مناخات المناسبات الدينية، واستحقاق الانتخابات البلدية للتحشيد والتعبئة الطائفية وإعادة تنظيم أوضاعه، حتى ولو اقتضى الامر استعادة مقولات التخوين، لكل من يعارض بقاء سلاحه خارج اطار الدولة.
ولأن الرد اللبناني لم يُنتج في سياق مبادرة لبنانية جامعة غايتها إنقاذ البلد وإعادة بناء دولته ومؤسساته، ومحاصرة الفئويات الحزبية بما فيها سلاح حزب الله، في غمار خطة تستهدف تمكين لبنان من تجاوز مخاطر استمرار عدوان وتهديدات العدو المستمرة في اطار حربه المفتوحة، التي لم تزل تتوالى فصولاً على سائر جبهاتها ولبنان في طليعتها. فإن الموفد الاميركي وبعد لقائه رئيس الجمهورية، لم يتردد في القول “أن بلاده لا تضمن عدم تجدد الحرب على لبنان، وأنها غير مسؤولة عما تقوم به اسرائيل”.
التنازلات أو مخاطر الحرب المحتملة
ولأنه لم يفاجأ بطبيعة الرد اللبناني، فقد سارع إلى تذكير المسؤولين بشكل لا يحتمل التأويل بـ “أهمية اللحظة السياسية التي تعيشها المنطقة بالنسبة للبنان. وأن عليهم اغتنام الفرص المتاحة”. وكان صريحاً في “مطالبتهم بتقديم التنازلات للوصول إلى السلام الذي ترغب به اسرائيل، وللحصول على دعم العالم أجمع”. صحيح أن الموفد الاميركي اللبناني الأصل، أعطى لبنان حق المطالبة بوقف اعتداءات اسرائيل ومطالبتها بالانسحاب. لكنه كان واضحاً في تحميل اللبنانيين مسؤولية ما يجب عمله بشأن سلاح حزب الله، لأنها مشكلتهم وعليهم حلها. وإذا ارادوا التغيير فهم من يصنعه، وعندها ستكون إدارته إلى جانبهم. وإذا لم يرغبوا بذلك فلا مشكلة لديها، لان التخلف سيكون رفيقهم ومن نصيبهم، ما يعني أنهم سيتركون لمصيرهم بالتخلف. ولذلك لم ينس تنسيب رسائله إلى وزير خارجية بلاده ورئيسها.
وإلى جانب الرسائل التي تنطوي على سيل من الوعود والانذارات والتهديدات التي تبقي الوضع اللبناني برمته عرضة للضغوط الخارجية من كل الجهات، وتحت وطأة تصعيد الاعتداءات وامكانية تجديد الحرب الاسرائيلية عليه. ما يضع اللبنانيين جميعاً أمام تحديات مصيرية غير مسبوقة.
ولأن الكيانات والاوطان والدول لا تتأسس على الشعارات الجوفاء، ولا تحميها المغامرات الانتحارية، ولا تحصنها الانقسامات الاهلية و لا تبنيها المشاريع الطائفية والفئوية. ولأن استمرار وجودها قائم على تغليب عوامل ومصالح مشتركة بين مكوناتها، مهما تعددت اختلافاتهم. ولأن الخارج يبحث دوماً عن مصالحه، ولا يحمي بلداً يفرط أبناؤه به. فإن إنقاذ لبنان وبقاءه وطناً لأبنائه جميعاً، يتطلب اولاً من العهد والحكومة ومن هم في موقع المسؤولية، وقبل فوات الأوان، المسارعة إلى وضع خطة تنفيذية لتعهداتهم والتزاماتهم انطلاقاً من المصلحة الوطنية. أولاً لأنها عبّرت عن طموحات أكثرية اللبنانيين وحظيت بتأييدهم. وثانياً وهو الأهم لأنها الضمانة لإعادة بناء دولتهم الوطنية، القادرة على توحيدهم للنهوض ببلدهم وللتعامل مع ضغوط الخارج وشروطه، انطلاقاً من مصلحتهم المشتركة، وعلى توفير القدرة لحماية لبنان ومواجهة اهداف العدو واطماعه. وما عدا ذلك سيبقى أقصر الطرق لإضاعة الفرصة المتاحة راهناً كما كان الامر مع سابقاتها.
