سياسة صحف وآراء

عن قلق وليد جنبلاط وثوابته

ابراهيم حيدر *

جنبلاط استشعر الخطر، وتحركّه ليس مجرد وساطة، بل دور حاسم لوقف الانزلاق نحو المواجهات 

لم تكن زيارة وليد جنبلاط الأخيرة لدمشق ولقاؤه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لرفع العتب. قال جنبلاط ما يحب قوله وعبّر عن مخاوفه بجرأة ومن موقع العارف بأنه يجب إطفاء اللهيب الذي قد يأخذ سوريا إلى الفوضى وعدم الاستقرار. وهو يدرك أن زوال النظام السابق لا يعني تجاوز الشروخ التي أصابت الجسد السوري، بعد نصف قرن من القتل.

عرف وليد جنبلاط أن الأمور يمكن أن تذهب إلى مزيد من التفكك ما لم يبادر النظام الجديد إلى مد اليد إلى الآخرين الذين هم جزء من النسيج السوري تاريخياً، وخصوصاً الدروز، وتكريس التسامح خيارا للمّ الشمل وقطع الطريق على محاولات إسرائيل التلاعب وإثارة الفتنة، وكي تكون شرعية الحكم قائمة على إرادة كل المكوّنات عبر التعايش بينها. فمشروع الدولة في سوريا، بقدر ما هو انتقالي، يسير بين ألغام عدة، ومعالجة العلاقة مع الأقليات لا يمكن أن تكون أمنية لأنها لا تبقي أي أثر للمؤسسات في الموزاييك السوري.
كان جنبلاط أول شخصية لبنانية وعربية تزور دمشق بعد سقوط الطغيان. لم تكن الأمور بعد واضحة في البنيان السوري. هو لم يذهب مصادفة، بل انطلاقاً من رؤية وبعد نظر واستشراف للمرحلة المقبلة. حاول أن يحذر من الموجات والمتغيرات والرياح العاتية من غير جهة وصوب. يعتبر جنبلاط أن الحوار مع الحكم الجديد ممكن، ولا يشبه النظام الأسدي الذي لم يكن يصل معه النقاش إلى شيء، بل إنه يقرر في لحظة إخراج الأسماء من الأدراج للاغتيال.
يدرك جنبلاط أن أمور الأقليات مسألة حساسة. والدروز لهم دور أساسي في الكيان السوري، وهم جزء من الهوية السورية العربية، لكن هناك إسرائيل التي تلعب على الوتر وتستقطب أقليات ضمن الطائفة تخرج عن الإجماع والمرجعية الأساسية. وهو أمر لا يؤثر فقط على سوريا بل أيضاً على لبنان.
حسم جنبلاط أمام الشرع الثوابت التاريخية للدروز وارتباطهم بالعروبة. وإن يكن تحدث عن دور أكبر من الطائفة، فإنه يدرك الأخطار التي تعيشها سوريا وما قد يزيد محنة الطائفة ما لم تكن المبادرة أيضاً من السلطة.
تحرّك جنبلاط خفض التوتر، وأثمر ملاقاة فئات أساسية من المكوّن الدرزي، فتم التوصل إلى اتفاق السويداء الذي خفض منسوب التصعيد، وأثبت أنه الوحيد القادر على تكريس التواصل كمرجع أكثر جرأة يواجه بشجاعة الأخطار ويتقدم لمنع التمزق والتفكك في أواصر الطائفة والدولة.
جنبلاط استشعر الخطر، وتحركّه ليس مجرد وساطة، بل دور حاسم لوقف الانزلاق نحو مواجهات لا يمكن تقرير نتائجها على الطائفة وسوريا عموما. لكنه يعكس خوفاً وهواجس من مستقبل المنطقة.
يستمر جنبلاط في مساعيه، وقد يُغضب خصومه وبعض مناصريه والبعض في طائفة الموحدين الدروز أيضاً، لكن ثوابته راسخة ويدرجها في الإطار الوطني العام موقعاً حاسماً في المعادلة، فيسير بين التناقضات، ويتجاوز أخطارها معلّماً بحنكة ورؤية للبعيد.

  *   نشرت في جريدة النهار بتاريخ 8  أيار 2025