* أحمد صبرا
حقوق الدولة لا تحمي نفسها بنفسها
كتب الزميل غسان حجار في “النهار” (28 تشرين الأول 2026) دفاعاً عن التمديد لشركة “سوليدير”، محذّراً من حملات “تدغدغ المشاعر” ومن “تطفيش” المستثمر ورأس المال. وأتفق معه في نقطتين: أن القرار يجب أن يُتخذ على طاولة الحكومة بعقلانية، بعيداً عن الحملات والاتهامات، وأن على الدولة أن تحمي حقوقها أولاً وصغار المساهمين ثانياً. ولهذا تحديداً لا شأن لهذا النقاش بهوية من يملك الأسهم اليوم، ولا بأي اتهام سياسي يُلصق به. السؤال أبسط وأصعب: ما الذي أعطته الدولة لـ”سوليدير”، وما الذي أخذته في المقابل، وعلى أي أساس تمدّد لها؟
“سوليدير” ليست مستثمراً عادياً
يقدّم المقال “سوليدير” كمستثمر يبحث عن الربح، وهذا حقه. لكن المستثمر العادي يشتري الأرض بماله، ويخضع لقانون التنظيم المدني كغيره، ويدفع الضرائب. أما “سوليدير” فنشأت بقانون خاص (القانون 117/1991)، وضُمّت إليها أملاك أصحاب الحقوق في وسط بيروت مقابل أسهم قدّرتها لجان لا تخضع لمراجعة القضاء العادي. ثم تلقّت من الدولة على مدى ثلاثة عقود ما لم يحصل عليه أي مطوّر آخر في لبنان.
ارتفعت مساحة الردم البحري المخصصة لها من نحو 240 ألف متر مربع إلى نحو 780 ألفاً بمراسيم متتالية. وأُعفيت من ضرائب الدخل والأرباح ورسوم التسجيل، بما يقارب 690 مليون دولار. ومُدّد عمرها عام 2005 بالمرسوم 15909 من خمس وعشرين سنة إلى خمس وثلاثين، من دون أي شرط أو التزام إضافي. ثم سُمح لها بالعمل خارج لبنان عبر “سوليدير إنترناشونال”. وأصبحت الدولة نفسها من أكبر مستأجريها، إذ تدفع نحو 22 مليون دولار سنوياً تمثّل، بحسب السنة، بين ثلث وثلثي إيرادات الشركة من الإيجارات.
حين تساهم الدولة بهذا الحجم في قيمة شركة خاصة، يكون من الطبيعي، وفي أي اقتصاد سوق، أن تطالب بحصة من العائد. أما في حالة “سوليدير”، فقد رفعت الدولة قيمة الشركة مرة بعد مرة من دون أن تحتفظ لنفسها بأي حق في ما ينتج عنها.
كم تساوي الأرض التي أعطيت؟
الدولة نفسها أجابت عن هذا السؤال. عام 2000، اعتبر المرسوم 3808 أن الشركة ردمت 13,400 متر مربع من دون مسوّغ قانوني، وفرضت المديرية العامة للنقل البري والبحري بقرارها 3783/6 غرامة قدرها 83.75 مليار ليرة، أي خمسة أضعاف سعر إشغال الأملاك العمومية البحرية المحدد بالمرسوم 2522/1992 (1,250,000 ليرة للمتر المربع). إذا طبّقنا السعر نفسه على كامل المساحة المردومة، نصل إلى نحو 4,875 مليار ليرة، أي ما يقارب 3.25 مليار دولار بسعر صرف ذلك العام. هذا ليس تقييماً سوقياً، إنه تسعير الدولة نفسها لإشغال أرضها العامة. وهو يتجاوز القيمة السوقية الحالية للشركة كلها، المقدّرة بالدولار الفعلي بين 1.4 و1.8 مليار دولار.
المشكلة ليست الربح، بل الانتظار
لا أحد يطالب “سوليدير” بأن تكون مؤسسة خيرية. المشكلة أن نموذجها انتقل منذ منتصف العقد الأول من هذا القرن من إعادة الإعمار إلى إدارة الأصول. في تقريرها السنوي لعام 2008، أعلنت الشركة أنها “توقفت عن بيع المنتجات المنجزة”، وفي عرضها للمستثمرين عام 2018 وصفت الإيجارات بأنها “وسادة” تغطي نفقاتها في سنوات ضعف المبيعات. بعبارة أخرى، صار بإمكان الشركة أن تنتظر: أن تحتفظ بالأراضي والعقارات الشاغرة إلى أن تعود الأسعار التي تريدها.
هذا الانتظار مربح للشركة ومكلف للمدينة. كلفته شقق فارغة، ومشاريع عامة لم تُنجز بعد ثلاثين عاماً، وأرض في قلب العاصمة خارج أي نشاط اقتصادي فعلي. وتُظهر بيانات الشركة نفسها أن أرباحها ارتبطت بتدفقات الرساميل والسيولة بالعملات الأجنبية أكثر بكثير مما ارتبطت بالأحداث الأمنية. فالحروب والاغتيالات لم تمنع سنواتها الأفضل بين 2005 و2010. ما عطّل المشروع هو نموذج قام على افتراض تدفق دائم للأموال في بلد لا يضمن ذلك.
الشروط ليست “إحراجاً للإخراج”
يخشى المقال أن تُغرق الحكومة الشركة بالمطالب. لكن ما ورد في كتاب الحكومة، أي استكمال الواجهة البحرية وساحة الشهداء والمساحات العامة والمواقع التراثية، ليس مطالب جديدة. إنها التزامات قائمة في أساس العقد، تأخر تنفيذها عقوداً. تنفيذها شرط أدنى، ولا يمكن أن يُعتبر ثمناً لتمديد جديد. التمديد الذي يستحق اسمه يجب أن يأتي بشروط إضافية: جدول زمني ملزم للبناء والإشغال، وضريبة على الشغور وعلى الأرباح العقارية المحققة، وتعديل المخطط التوجيهي نحو استخدامات منتجة وسكن متنوع الدخل، وإعادة ربط الوسط بمحيطه، ونقل الصلاحيات العامة التي تمارسها الشركة، من التنظيم إلى ضبط الأماكن العامة، إلى الإدارات العامة المعنية.
صغار المساهمين: أين كانت حمايتهم؟
يُقرّ المقال بأن “سوليدير” “ألحقت في بداياتها ظلماً كبيراً في حق مالكين صغار”. هؤلاء هم صغار المساهمين الأصليين: أصحاب الحقوق الذين حُوّلت أملاكهم إلى أسهم بتقييمات متدنية، واضطر كثيرون منهم إلى بيعها بأسعار زهيدة لأنهم لم يملكوا ترف الانتظار. حماية صغار المساهمين اليوم لا تمرّ بالتمديد غير المشروط، بل بتقييم مستقل وعلني للشركة قبل أي قرار، وبشفافية في عمليات البيع، وبمنع تركّز الأصول في أيدٍ قليلة.
ماذا لو قررت الشركة الخروج؟
يحذّر المقال من أن تبيع الشركة عقاراتها وتنقل أموالها إلى الخارج. هذا الخطر حقيقي، لكن سببه ليس الشروط. سببه أن النظام الأساسي للشركة حدّد تاريخاً لانتهاء الولاية من دون أي آلية للخروج: لا إجراء لإعادة الأراضي إلى الولاية البلدية، ولا جهة تتسلّم الصلاحيات والالتزامات، ولا معيار للتقييم. الحل ليس الخضوع لهذا الفراغ، بل ملؤه. على الدولة أن تُعدّ، قبل 2029، إطاراً قانونياً لتصفية منظمة إذا رُفضت الشروط: تقييم مستقل يحدد أسعاراً دنيا، وسقوف تمنع أي مشترٍ من الاستحواذ على حصة كبيرة، ومهل ملزمة للبناء، وجهة عامة تتسلّم الوظائف العامة. الدولة التي تملك بديلاً منظماً تفاوض من موقع قوة، والدولة التي لا تملكه تفاوض على تمديد لا خيار لها فيه.
رأس المال الذي نريده
لا أحد يريد “تطفيش” المستثمرين. لكن الاستثمار الذي يحتاجه لبنان هو الذي يبني ويشغّل ويخلق فرص عمل، لا الذي ينتظر ارتفاع الأسعار على أرض قدّمتها له الدولة. والشروط الواضحة هي ما يجذب هذا النوع من الاستثمار: مستثمر يعرف القواعد سلفاً، ويعرف أن الأرض المتاحة ستُطرح في السوق، وأن الدولة لن تمنح امتيازات مجانية لغيره.
ولاية “سوليدير” تنتهي عام 2029، وهي اللحظة الوحيدة منذ ثلاثين عاماً التي تحتاج فيها الشركة إلى توقيع الدولة. التمديد غير المشروط يضيّع هذه اللحظة، ويعلّم الشركة، وكل شركة مماثلة في المنطقة، أن نهاية الولاية لا تحمل أي عاقبة. أما التمديد القصير المشروط، المرتبط بجدول زمني للإنجاز وبخروج منظم من الصلاحيات العامة، فهو ما يحمي حقوق الدولة فعلاً. وسط بيروت أُعيد بناؤه بأرض عامة وصلاحيات عامة وأملاك آلاف المواطنين. السؤال الذي يجب أن يُطرح على طاولة السرايا ليس كيف نُرضي المستثمر، بل كيف نعيد هذا الوسط إلى المدينة.
* باحث في قضايا الاقتصاد.
