صحف وآراء • مجتمع

فرنسا… أكثر من أزمة هجرة

* نجوى بركات

لا يمكن اختزال الأزمة الفرنسية الحالية في موضوع الهجرة الذي عاد يتصدّر النقاش العام، في أجواء متوتّرة ومشحونة ضد المهاجرين من أصول غير أوروبية، وقد تحوّل إلى ستارٍ يحجب ما هو أعمق وأوسع. إنها الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية والجيوسياسية التي تضرب فرنسا حيث يتراجع النمو الاقتصادي، والديْن العام قد بلغ مستويات غير مسبوقة، فيما تعجز الحياة السياسية عن إنتاج مشروع واضح للمستقبل. هذه العناصر تتفاعل وتغذّي بعضها بعضاً، جاعلةً من الهجرة هدفاً سهلاً لكل المخاوف.

وللتذكير فقط، هذه بعض الأرقام التي توضح عمق الأزمة وتفرّعها، فقد بلغ العجز العام في السنة الماضية 5.1 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصل الديْن إلى 115.7 %، ما جعل فرنسا من أكثر دول الاتحاد الأوروبي مديونية. وفي منتصف العام الجاري، تجاوز الديْن العام 3,595 مليار يورو، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1946. ومع ارتفاع معدلات الفائدة  إلى ما فوق 5% في أواخر أكتوبر الجاري، ولعشر سنوات، تجد الدولة نفسها  مجبرة على تمويل ديونها، ما يحدّ من قدرتها على الاستثمار في المدرسة والسكن والنقل والخدمات العامة، أي في المجالات التي يتظاهر الشعب الفرنسي من أجلها، والتي توفر فعليًا فرص الاندماج والارتقاء الاجتماعي. وبحسب الخبراء، تراكمت على فرنسا أزمات متعاقبة، بدءاً من جائحة كوفيد، مروراً بصدمة الطاقة والتضخّم، وانتهاءً بزيادة الإنفاق العام، ما جعلها أقل قدرة على معالجة المشكلات الكامنة وراء انفجار الغضب الاجتماعي.

هذا ويلعب تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا دوراً مهمّاً في تعزيز هذا الإحساس بالخسارة. فقد اضطرّت فرنسا إلى الانسحاب من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وإلى إنهاء انتشارها الدائم في تشاد والسنغال وساحل العاج. ولا يمكن تعليل هذا التراجع  فقط بالانقلابات أو بالمنافستين الروسية والصينية، وإنما أيضاً بالإرث الاستعماري وعجز باريس عن بناء علاقة متكافئة مع دول أفريقية تصرّ على سيادتها. وبهذا، يمكن اعتبار أفريقيا مرآة تكشف لفرنسا عدم قدرتها على فرض نظامها أو مصالحها.

في ظلّ تراجع المناخ العام، تحولت الهجرة مع الأحداث الأخيرة إلى ستار يخفي كل المخاوف، أي انعدام الأمن، والتراجع الاجتماعي، وفقدان المرجعيات، والمنافسة على العمل والسكن، والإحساس بتدهور البلاد. في هذا السياق، اقترح رئيس الوزراء الأسبق والمرشّح لانتخابات الرئاسة المقبلة المعتبر “وسطياً”، إدوار فيليب، خفض الهجرة الشرعية إلى النصف ووقف مؤقت للمّ الشمل، معتبراً أن “سياسة الاندماج لدينا لا تنجح”! والمفارقة أن مسحاً إحصائيّاً وديموغرافياً شاملاً ومشتركاً أجراه المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية، بالتعاون مع المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، وشمل 27 ألف شخصاً أعمارهم بين 18 و59 عاماً، من الجيل الثالث، إلى جانب الجيلين الأول والثاني، أنتج دراسة بعنوان “المسارات والأصول 2″، نشرت في كتاب جماعي شامل في مايو/ أيار 2026، أظهرت أن أبناء المهاجرين يشعرون، بشكل واسع، بأنهم فرنسيون، لكنهم يبقون أكثر عرضةً للتمييز في المدرسة والعمل والسكن. بعبارة أخرى، ليست الهجرة وحدها ما يُحدث الأزمة الفرنسية، وإن تحوّلت وعاءً لجميع المشكلات في مجتمع متعب يعاني من ديْن مرتفع، ونمو ضعيف، وخدمات عمومية تسوء، وأحياء منفصلة أو منغلقة اجتماعيّاً، وفقدان ثقة في المؤسسات.

بالطبع، هذا لا يبرّئ فئة من أبناء المهاجرين كارهة لفرنسا وقيمها، ومتشبثة بأصول مفبركة وهوية دينية متطرفة، تصبّ الزيت على النار باعتمادها العنف والتدمير لغةً تسيء إلى مطالب شرعية. إلا أن هذا لا يلغي مسؤولية فرنسا التي تواجه مشكلة في مشروعها الوطني. وما دام هذا الجانب مهملاً أو مخفياً، سيبقى النقاش حول الهجرة غطاء لأزمات مستفحلة.

* تم النشر بتاريخ 27  تشرين الاول 2026 على موقع العربي الجديد.