سياسة • صحف وآراء

ترامب يطوّب المنطقة لنتنياهو: النار لفرض السلام الإبراهيمي

* منير الربيع    

يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تطويب المنطقة لبنيامين نتنياهو. هذا فقط هو المؤشر الذي يُقرأ من إعلان ترامب دعمه الكامل لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. يعبّر ذلك بوضوح عن الرؤية الأميركية للمنطقة التي لا يخفيها ترامب أساساً، فهو يريد لكل الدول أن تدخل في الاتفاقات الإبراهيمية. ويربط أمن دول المنطقة بعلاقة كل دولة بإسرائيل، ويريد أكثر من ذلك أن يدفع كل دول المنطقة إلى التسابق فيما بينها لبناء علاقة تحالفية مع إسرائيل ولطلب دعمها ومساعدتها. وهذا بالتحديد ما عبّر عنه تجاه تطورات اليمن إذ يريد لهذه الأزمة أن تفتح باب العلاقة بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، فتبدأ أمنياً وعسكرياً وتنتهي بإعلان اتفاق سلام إبراهيمي. حتى إن ترامب يريد من إسرائيل أن تدخل في هذه الحرب وترسل قوات إلى السعودية وإلى اليمن، وربما التفكير في بناء قواعد عسكرية على البحر الأحمر تماماً كما ستفعل تل أبيب في صومالي لاند.

ترامب ونتنياهو: دعم يتجاوز الانتخابات

يأتي إعلان ترامب عن دعمه المطلق لنتنياهو ضمن استراتيجية الحرب نفسها التي يخوضها الرجلان معاً، وقد قال ترامب بوضوح إنه “إذا لم يفز نتنياهو بالانتخابات فسنضطر للقيام بالمهمة ضد إيران بأنفسنا، وأنا لست ميالاً إلى ذلك”. الخلاصة واضحة هنا وهي تندرج في سياق الحرب المستمرة على إيران أو المؤجلة. وإذا كان ترامب يدعم نتنياهو فذلك يتزامن مع سعيه إلى توسيع التحالف الدولي لضرب إيران وهو ما كان قد فشل فيه في شباط الفائت، يعود إليه اليوم من بوابة مضيق باب المندب وحرب اليمن، التي أعلنت دول كثيرة الدخول إليها لحماية الملاحة وسط مساعٍ لبناء تحالف إلى جانب السعودية لمساعدتها في هذه الحرب، وهنا يريد ترامب أن تنخرط إسرائيل في هذا التحالف، على أن يكون كل ذلك مقدمة لضرب إيران، وسريعاً تجاوب نتنياهو مع كلام ترامب معلناً الاستعداد لتنفيذ ضربة عسكرية أحادية واستباقية ضد إيران.

في الأيام الأولى لحرب اليمن أعلن ترامب تريثه، بينما سارع نتنياهو للإعلان عن الاستعداد لذلك، أما دول حلف مكة فقد تأخرت في المبادرة واتخاذ القرار، فتركيا تنتظر إقرار التحالف في البرلمان، وهي تعلن عدم استعدادها لإرسال قوات، بينما مصر التي أعلن رئيسها استعداده للوقوف إلى جانب السعودية، وطلب موافقة البرلمان، لكن الأخير أجل التصويت إلى يوم الاثنين وسط مطالبات تفصيلية من النواب بماهية العملية العسكرية التي ستنفذها مصر. ما سيحرك تركيا هو طموح العودة إلى اليمن والبحر الأحمر بعد 100 سنة على مغادرتها، والتفكير في بناء قواعد عسكرية هناك. هذا الأمر هو الذي يستفز مصر ويحفزها على الانخراط أيضاً.

الوقائع الميدانية لا تتيح “ترف” انتظار الحسابات الداخلية أو الاستراتيجية لكل دولة، فبالنسبة إلى السعودية المطلوب إجراءات سريعة وعاجلة لأجل تغيير ميزان القوى على الأرض في اليمن، وفي هذا السياق يبرز التحرك الأميركي على خط السعودية وإسرائيل. وهو ما كان ترامب يسعى لإنجازه قبل الانتخابات النصفية كإنجاز يستفيد منه انتخابياً، لكنه حتماً سيواصل مساره في مرحلة ما بعد الانتخابات، تماماً كما المسار الحربي سيستمر، إضافة إلى سعيه الدائم لبناء التحالف الواسع لضرب إيران ولتغيير كل التوازنات والتحالفات على مستوى المنطقة.

ما بعد الانتخابات: سيناريو أيزنكوت

جزء من إعلان الدعم لا ينفصل عن حسابات أميركية مبكرة للنتائج الإسرائيلية التي لا تتيح لأي طرف تشكيل الحكومة، فكان في واشنطن من يفكر في العمل على إنجاز توافق بين ترامب وغادي أيزنكوت، على أن يتولى نتنياهو رئاسة الحكومة لنصف ولاية، ويتولاها أيزنكوت في النصف الثاني من الولاية. هذا الطرح سيبقى قائماً بالنسبة إلى الأميركيين ولكنه سيعني إعطاء نتنياهو سنتين إضافيتين على رأس الحكومة الإسرائيلية لاستكمال ما بدأه في المنطقة من حروب متناسلة، على إيران وفي لبنان كما في غزة والضفة الغربية، وانتقالاً إلى اليمن والبحر الأحمر. أما المعضلة الأساسية فستبقى في سوريا وتركيا.

سوريا ولبنان: الجبهتان الأقرب

آخر ما قاله نتنياهو أنه يسعى لعدم الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع تركيا. وطبعاً الولايات المتحدة ولا سيما إدارة ترامب أكثر المعنيين بمنع وقوع الصدام بين الطرفين، بل يسعى ترامب إلى ترتيب العلاقات، فيما تشكل سوريا ساحة التجاذب بينهما، على الرغم من المحاولات الأميركية المستمرة لحماية سوريا ومنح كل أشكال الدعم للرئيس أحمد الشرع، إلا أن نتنياهو يواصل توغلاته واعتداءاته ويوسع احتلاله، كما أنه لا يزال يتدخل في السويداء وربما يخطط للمزيد من الخطوات هناك، في محاولة لفرض أمر واقع في الجنوب السوري يكون مشابهاً للوضع الذي فرضه في الجنوب اللبناني، وخلق منطقة عازلة ومرتبطة ببعضها البعض بين الأراضي السورية والأراضي اللبنانية.

أما انعكاس دعم ترامب لنتنياهو على لبنان فهو يظهر من مؤشرات عديدة، أبرزها تبني كل مطالب إسرائيل بما فيها رفض قوات اليونيفيل، ورفض تشكيل قوة دولية حتى الآن، والإصرار على التنسيق المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي وفتح الطريق أمام تطبيع العلاقات أمنياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً. يعني ذلك أن نتنياهو لن يتوقف عن مشروعه في لبنان بدعم أميركي، وسط تحضيرات إسرائيلية دائمة لشن حرب جديدة ولتوسيع نطاق الاحتلال وتفكيك حزب الله على حد ما يقول نتنياهو الذي أعلن عدم ثقته بالدولة اللبنانية ولا بالجيش اللبناني.

* تم النشر بتاريخ 19 تشرين الاول 2026 على موقع المدن