د. زهير هواري
بيروت 14 تشرين الاول 2026 ـ بيروت الحرية
بعد 44 عاما على اغتياله يعود الروائي والناقد محمد حجيري إلى بشير الجميل في عمله الذي يحمل عنوان “مثقفو بشير الجميل” مع عنوان فرعي هو “حوليات التقديس في السياسة” الصادر عن دار نلسن. لا يكتب الحجيري سيرة الجميل، مع أنه يقاربها في مواضع عدة ليضيء على هذه الشخصية، التي بلغت مبلغ الإيمان الكامل بقدراته الخارقة في حياته، بالنسبة إلى أنصاره ومؤيدي خطه السياسي الصراعي، والتقديس بعد رحيله المباغت بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، ولكن قبل أن يتسلم مسؤولياته.
يروي الحجيري في عمله مسيرة الجميل منذ طفولته حتى نضوجه ودراسته وصولا إلى قيادته القوات الكتائبية بعد رحيل ملتبس لسابقه القائد وليم حاوي، ثم “اللبنانية” بعد توحيده “بندقية” القوى اليمينية. وهو المسار الذي مكنه في ظل ظروف معروفة من الوصول إلى رئاسة الجمهورية، ما اقنع مؤيديه أن خلاص لبنان لن يتم إلا على يديه باستعادة السيادة على الـ 10452 كلم متر مربع، وبناء الدولة على موروثات ميليشيات الحرب الأهلية، بعد أن نجح الغزو الاسرائيلي في ترحيل قوات منظمة التحرير الفلسطينية وإزاحة الجيش السوري إلى البقاع. أما الحركة الوطنية اللبنانية بقواتها المتواضعة فقد باتت في موقع لا تحسد عليه في ظل تطورات عاصفة على هذا النحو جردتها من حليفها الفلسطيني في اطار القوات المشتركة، ومن صديقها “اللدود” السوري.
وتقديس بشير الجميل ليس بالأمر العجيب أو الخارق في بُنى مجتمعاتنا الشرقية عموما والعربية خصوصا، فالعديد من الزعماء السياسيين الذين تداولوا على السلطة في بلادنا بلغوا أعلى مراتب القداسة، بالنظر إلى الضخ الاعلامي بأشكاله المتعددة، الذي وضعهم في المحصلة فوق مستوى “الآدمية” التي عاصرناها وعرفناها ونعرفها في يومياتنا، خلال متابعة اليوميات التي شهدناها بأم العين خلال الحرب الأهلية التي لا تتوقف.
فالرئيس حافظ الأسد جرى تقديمه في الشعارات المرفوعة على حواجز الجيش والمخابرات السورية على أنه “باق إلى الأبد”، وقس على ذلك زعامة الرئيس صدام حسين الذي رفض أنصاره القبول بخسارته بعد إلقاء القبض عليه واعدامه، وكذلك أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الذي عومل ليس كقائد سياسي بل كإمام ديني له مقامه أو مرقده. هؤلاء وأمثالهم يظلون بالنسبة إلى أنصارهم على قيد الحياة، رغم مراسم الدفن التي تُجرى لهم، والتي تنقل وقائعها الصحافة المقرؤة والمسموعة والمرئية، لكن ذلك لا يعني قبول رحيلهم.
يمكن ذكر العديد من الأسماء التي بلغت مثل هذه المرتبة في طول المنطقة وعرضها، خلاف ما يجري في دول الغرب، حيث العقلانية باتت حاسمة في مقاربة الوقائع البشرية. فالموت هو في المحصلة حالة طبيعية، ويمكن تشخيص أسبابه المباشرة وغير المباشرة. لكن المفارقة أن بشير الجميل الذي لا يمكن إعادة استحضاره بالنسبة للجمهور الذي آمن بقدراته العجائبية يجري تكريسه كقديس، باعتبار أن أفعاله خلال عمره القصير تنتسب إلى المعجز مما هو فوق مستوى البشر، أو القادة العاديين الذين يمرون على هذه الدولة أو تلك.
واذا كانت الشعوب تنتج أساطيرها “الخالدة” فالجماعات الدينية خصوصا والسياسية عموما، وخصوصا في مراحل الأزمات الوجودية المحتدمة، تفعل الأمر نفسه عندما تخسر قائدها، فتعمد إلى تخليده والحفاظ على جثمانه إن أمكن في المخيال الجماعي على الأقل. فالفراعنة مثلا حنطو ملوكهم – الآلهة – ليحافظوا على جثامينهم كشرط لعودتهم إلى الحياة ثانية، ولذلك زودوهم بكل احتياجاتهم في رحلتهم السماوية من المأكل والمشرب والعربات والأسلحة حتى النهوض ثانية وممارسة الحكم. جمال عبد الناصر جرت أسطرته، واطلق اسمه على المواليد من المحيط إلى الخليج، وكان ذووهم يراهنون على حمل صفاته القيادية، باعتباره المنقذ، الذي كان مقدرا له أن يحقق الأحلام المتراكمة في الحرية والوحدة والاشتراكية والتنمية ومحاربة الاستعمار والصهيونية…
بشير الجميل كان أنصاره يعوَلون عليه لإنقاذ سفينة المكون المسيحي التي توشك على الغرق، لكنه رحل قبل استكمال مهمته الجليلة في إنقاذ شعبه من “التيه” الذي كان ضائعا في فيافيه قبل مجيئه، وبات أشد ضياعا في متاهة الوضع، بعد أن فقد الربَّان المناط به دون سواه من قادة غير قديسين الإبحار بشعبه إلى الشاطيء حيث بر الأمان.
إذن جرى تقديس بشير الجميل ـ كما يجري ـ لسواه من قادة وزعماء الطوائف، مع فارق جوهري هو أن كل جماعة سياسية ـ طائفية تغرف من مخزونها الثقافي وتلبسه للقائد الذي خسرته، محاولة تكريس حضوره في زمن غيابه عن هذه الحياة. ودون أي مجهود في تحليل المشروع الذي كان يحمله هذا “البطل الإيقونة”، وهل هو قابل للتحقق، وبأي قوى وضمن أي معادلات داخلية واقليمية ودولية، والمسيرة التي عليه أن يخوضها قبل التوصل إلى تحقيق الأهداف، التي وضعها هو ودغدغت أحلامه وجمهوره وجهر بها في كلماته وخطبه، أو تلك التي وضعها له أنصاره، وهي على الغالب فوق مستوى القدرة على بلوغها. المقدس هو لدى فريق من فرقاء الحرب الأهلية هو غير مقدس لدى الطرف الآخر.
في سيرة بشير الجميل كما جرى وضعها من قبل من تابع الحجيري كتاباتهم عن “الباش” ما يشبه مقدمات النبوءة، فالولد والمراهق والفتى ثم القائد كان يحمل من الصفات ما لا يحمله أقرانه ممن هم في مثل عمره أو مجايليه. لذلك ينمو كمشروع متميز منذ حبوه متمردا على أشكال السلطة، بمن فيها الأبوية والعائلية والحزبية التي يمثلها والده الشيخ بيار، مرورا بصراعاته داخل القوى الميليشياوية النظامية في المراحل اللاحقة حتى لحظة الفاجعة بمصرعه. وهي الفاجعة التي تسقط كصاعقة مباغتة في سماء صيف وتترك وراءها سيولا تغرق أبناء القرى والمزارع التي تكتسحها.
بالطبع ليس هناك أكبر من فاجعة خسارته – ومن هم على شاكلته – بالنسبة للجمهور الذي آمن به، ووجد فيه المنقذ من هذا الجحيم الذي تتخبط به بلاد تغرق في حربها الأهلية المتواصلة، التي تحتاج إلى فارس مغوار يستعمل قواه الخارقة لتحقيق ما يريده ويرغب به الشعب المنضبط وراء قيادته. يصبح الفرد القائد هنا هو القائم بمهام الجماعة التي تخط طريق الخروج من بين ألسنة اللهب، وبناء دولة مكتملة المواصفات على أنقاض ما خلفته الحرب من مآسي وفساد واستباحة للكل ولما هو ملك عام.
المفارق هو أن صورة البشير كما جرت قولبتها حدثت بعد مصرعه وليس قبله. إذ في حياته كان عبارة عن قائد عسكري، يخشاه الجميع كونه يستطيع البطش بخصومه من خلال المؤسسة التي قادها، واكتسبت سمعتها الحربية عبر مجازر موصوفة طالت حلفائه وأعدائه على حد سواء ( الكرنتينا، سبناي، النمور الاحرار والصفرا وأهدن). إذ إن المعروف عنه أن بشير الجميل تمكن في غضون “عمليات جراحية” عسكرة الحزب ونقله من حزب له تراتبية سياسية ذات جذور عائلية وغير عائلية، إلى تنظيم عصبه يقف على رأسها باعتباره هو القائد وخلفه ينضوي المقاتل الجاهز لتنفيذ الأوامر التي يتلقاها، أيا تكن هذه الأوامر،حتى ولو أطاحت بالتراتبية الحزبية الصارمة، التي درج عليها حزب له صبغة فاشية (الفالانج) منقولة، ولكنه عريق ومحافظ كحزب الكتائب نشأ قبل تحقق الاستقلال، ويدرك مؤسسوه مقومات هذا الكيان التسووية ، خلاف جيل بشير الجميل الرافض لأي توافقات بين مكوناته الاجتماعية والطائفيةعدائه على حد سواءأ.
لا يعني مثل هذا الكلام أن الآخرين في المقلب الآخر كانوا من أنصار المهاتما غاندي والتغيير عبر التظاهرات والتحرك السلمي، بل لمتابعة أولئك الذين اشتغلوا على تقديم بشير الجميل بالصورة التي شاعت في غضون عمره خلال العقود السابقة وما تزال مستمرة.
لم يخترع بشير صورته بنفسه، فقد كان حوله عشرات، بل المئات من السياسيين والأمنيين ورجال الدين والمثقفين والصحافيين والكتاب والشعراء و.. كل من هؤلاء ساهم بقسطه في تقديم جانب من جوانب صورة بشير، حتى استوى على ما هو عليه أمام جمهوره المؤيد أولا ومن يتعداه ثانيا. ليس هؤلاء الذين أشرنا إليهم بالجملة مجرد اشخاص عاديين، بل إنهم نخبة انتجلنسيا المجتمع اللبناني في زمن المتاريس وأكياس الرمل وتخندق الطوائف وانشطار المجتمع إلى مجرد طوائف متناحرة.
الملفت أن عدوى ما عمل هؤلاء على تضخيمه سرعان ما انتقلت إلى آخرين، ومن بينهم من كانوا محسوبين على صفوف اليسار. حدث ذلك عندما انهار مشروع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وباتت اسرائيل في قلب بيروت وفيليب حبيب يفاوض على تزويد الغربية منها بالماء والطحين والدواء، عندها سارع البعض إلى تقديم العروض لبشير الجميل على قاعدة التحاقهم بمشروعه كمشروع صاعد ، فيما المشروع الوطني المضاد كاد يلفظ أنفاسه على ضوء ما عاناه من أهوال وهزائم وتضخم الأنا الطائفية من كل الضفاف تقريبا.
يتابع الحجيري ما فعله وكتبه ودبجه كل من شارل مالك وانطوان نجم ويوسف الخال ورفعت طربيه وفارس الزغبي وجوزف زعرور وغياث يزبك وجوزف أبو خليل وكريم بقرادوني وميشال سماحه وتوفيق الهندي ومنير معاصري وأنسي الحاج وفريد سلمان وجوزف صايغ والأباتي شربل قسيس والأباتي بولس نعمان والأب يوسف مونس والعديد من الضباط وأبرزهم الجنرال ميشال عون وزاهي البستاني وجوني عبدو والأب سليم عبو وسعيد عقل وجورج عيراني وجواد بولس وسيسيل حوراني. ثم هناك الذين كانوا على الضفة المضادة فإذا بهم يتحولون إلى تسويقه ك”فاتح مغوار” لمغاليق أبواب الكيان الملعون أمثال جوزف سماحه وسمير فرنجيه وعباس بيضون وملحم شاوول وجلال خوري وريمون جبارة وحليم جرداق.. .
يبقى أن نشير إلى أن الفصل الثالث وإن كان يرتبط بأيقنة الزعامات والرموز السياسية والطائفية، إلا أنه يبدو على مسافة من صلب سياق اهتمام وموضوع الكتاب بما هو بشير الجميل دون سواه في رحلة قداسته. إذ إن الفصل المذكور يتناول كل من كميل شمعون والدروز والموارنة بين بشيرين ( الشهابي وجنبلاط) ويوسف بك كرم. إذ ربما كان مكان هذا الفصل في مقدمة الكتاب لتبيان الجذر الأسطوري لبشير الجميل داخل الطائفة المارونية تحديدا التي تدعي على ألسنة مؤرخيها أنها أقامت في الجبل هربا من الاضطهاد العثماني الذي حولته إلى كيان “فضفاض” لاحقا بناء على رغبة فرنسية وخوفا من مجاعة ثانية محتملة، وهو ما ينكره عليها المؤرخ الراحل كمال الصليبي وأحمد بيضون وغيرهما.
