ثقافة • سياسة

ينشر موقع “بيروت الحرية” نص التقديم لكتاب: مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية الذي كتبه رئيس المكتب التنفيذي للمنظمة الرفيق زكي طه

تقديم 

بمناسبة صدور كتاب المناضل الراحل محسن أبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان: “مراجعات نقدية حول الاشتراكية وأزمة الرأسمالية، 1993 ـ 2026″، الذي صدر مؤخراً عن دار سائر المشرق ومنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني، ينشر موقع “بيروت الحرية التقديم للكتاب الذي كتبه رئيس المكتب التنفيذي للمنظمة الرفيق زكـي طـه:

التجارب التاريخية، مهما بلغت أهميتها، تبقى تجارب بشرية قابلة للنقد والتطوير.

ليست الصفحات التي يضمها هذا الكتاب مؤلَّفاً جديداً كُتب في زمن لاحق للأحداث التي يتناولها، وإنما هي مجموعة من المداخلات والنصوص الفكرية والسياسية التي أعدّها الرفيق الراحل محسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، وألقاها وطرحها للنقاش داخل أطر المنظمة القيادية وهيئاتها، في سياق مرحلة مفصلية من تاريخها، حين أصبحت المراجعة النقدية ضرورة فرضتها التجربة نفسها، كما أملتها التحولات الكبرى التي شهدها لبنان والمنطقة والعالم، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

وتكتسب هذه النصوص أهميتها من كونها لا تصدر عن مراقب يقف خارج التجربة، ولا عن باحث يستعيدها من مسافة زمنية آمنة، بل عن قائد سياسي وفكري اضطلع بالمسؤولية الفكرية والسياسية الأولى في تأسيس المنظمة، وحفر خطها وبنى تجربتها، وتولَّى قيادتها. وقد اختار، في لحظة تاريخية دقيقة، أن يمارس النقد من موقع المسؤولية نفسها، وأن يفتح باب المراجعة انطلاقاً من قناعة راسخة بأن صدقية أي مشروع تحرري لا تُقاس بقدرته على الدفاع عن ماضيه، بل بقدرته على مساءلة ذلك الماضي، واستخلاص دروسه في ضوء نتائجه، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذه النصوص لا تكمن في مضامينها الفكرية والسياسية وحدها، وإنما أيضاً في المنهج الذي قامت عليه. فقد أملتها تطورات كبرى، كما أملتها حصيلة التجربة نفسها. وكما تجنبت التنصل من مسؤوليات تلك التجربة أو تحميلها لغير أصحابها، فإنها أيضاً لم تسع إلى تبرئة الذات أو القطيعة مع التاريخ، بل جاءت تعبيراً عن ممارسة واعية للمسؤولية الفكرية والسياسية والتنظيمية، وإيماناً بأن الوفاء للمبادئ والأهداف التي قامت عليها التجربة تقتضي إخضاعها للنقد، استناداً إلى الوقائع، من أجل الكشف عن مواطن الخلل والأخطاء في الرؤية أو في الممارسة، وتحويلها إلى مصدر جديد للتعلم والتجديد.

ومن هنا، لم تتوجه المراجعة إلى الأهداف التي ناضلت المنظمة من أجلها، بقدر ما توجهت إلى الوسائل والخيارات والاجتهادات الفكرية والسياسية والتنظيمية والنضالية التي اعتمدت لتحقيقها. فالالتزام بقضايا التحرر الوطني، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والانحياز إلى قضية فلسطين وحقوق شعبها، بقي ثابتاً بوصفه الإطار القيمي الذي منح التجربة معناها. ولذلك كانت الأسئلة المتعلقة بكيفية تحقيق هذه الأهداف، وبمدى سلامة بعض الخيارات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي حكمت مرحلة تاريخية كاملة.

ولهذا جاءت المراجعة شاملة في موضوعاتها وآفاقها. فقد تناولت تجربة منظمة العمل الشيوعي في لبنان في سياق التجربة الوطنية اللبنانية، وربطا بالسياق العربي الأوسع، حيث تداخلت قضايا التحرر الوطني مع قضية فلسطين، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وصيغ وأشكال المقاومة، وإشكالية الكفاح المسلح، وسؤال التغيير عبر العنف. كما امتدت إلى مراجعة التجربة الاشتراكية العالمية، وإعادة قراءة الفكر الماركسي، والنظر في التحولات العميقة التي شهدها النظام الدولي، وما أفرزته من تحديات فرضت على قوى اليسار إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت تفكيرها وممارستها لعقود طويلة.

ولم يكن المقصود من هذا الاتساع في المراجعة إنتاج قراءة نظرية مجردة، أو الدخول في سجالات فكرية منفصلة عن الواقع، وإنما البحث عن فهم أعمق للأسباب التي حالت دون تحقيق كثير من الأهداف التي حملتها الحركة الوطنية والقوى التقدمية في لبنان والمنطقة، والتمييز بين ما أثبتت التجربة صحته، وما كشفت الحاجة إلى مراجعته أو تجاوزه، انطلاقاً من قناعة بأن التجارب التاريخية، مهما بلغت أهميتها، تبقى تجارب بشرية قابلة للنقد والتطوير.

إن العودة إلى نصوص المراجعة اليوم تكشف أنها لم تكن سجينة اللحظة التي كُتبت فيها. صحيح أنها ارتبطت بوقائع وأحداث سياسية وتاريخية محددة، لكنها تجاوزتها إلى طرح أسئلة ما تزال تحتفظ براهنيتها: كيف يمكن إعادة تعريف الاشتراكية في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها العالم؟ وكيف يمكن قراءة أزمات الرأسمالية في أطوارها الجديدة؟ وكيف يمكن الجمع بين التحرر الوطني والديمقراطية، وبين العدالة الاجتماعية وصون الحريات العامة؟ وكيف تستطيع الحركات اليسارية أن تبقى وفية لقيمها، وهي تعيد النظر في أدواتها وخياراتها، من دون أن تتخلى عن أهدافها الإنسانية والوطنية؟

وليس من قبيل المصادفة أن نبدأ نشر هذه السلسلة بهذا الكتاب. فهو يتناول المسألتين اللتين شكلتا المدخل النظري للمراجعة كلها: مراجعة التجربة الاشتراكية من جهة، وإعادة قراءة أزمة الرأسمالية  في  تسعينيات القرن الماضي، ولغاية الآن من جهة أخرى، بما يجعله المفتاح الفكري لفهم بقية فصول المراجعة التي ستنشر تباعاً.

ولعل ما يمنح هذه المراجعة مكانتها الخاصة أنها لم تتوقف عند حدود التشخيص والنقد، بل فتحت الباب أمام أفق جديد. فقد شكلت، في مضمونها ونتائجها، الأساس الفكري والسياسي لمسار هدفه إعادة بناء المشروع اليساري على أسس ديمقراطية وعلمانية أكثر رحابة، تستفيد من دروس التجربة، وتتجنب تكرار أخطائها، وتستوعب التحولات التي شهدها العالم والمنطقة، من دون التخلي عن الأهداف الكبرى التي انطلقت الحركة من أجلها.

ولهذا، فإن نشر هذه النصوص اليوم لا يندرج في إطار التوثيق التاريخي فحسب، ولا يهدف إلى استعادة مرحلة مضت بوصفها جزءاً من الذاكرة السياسية، وإنما يأتي انطلاقاً من الاقتناع بأن هذه المراجعة لا تزال تحتفظ بقيمتها الفكرية والسياسية، وأن الحوار الذي بدأته داخل المنظمة لم يستنفد أغراضه، بل تزداد الحاجة  لاستكماله وتوسيع اطاره ومتابعته في ظل التحولات العميقة التي يشهدها لبنان والمنطقة والعالم.

ولا تنبع أهمية نشر هذه المراجعات اليوم من قيمتها التوثيقية فحسب، بل من كونها تمثل الجذور الفكرية والسياسية لمسار جديد تشكل على امتداد سنوات طويلة من الحوار والتأمل والنقد. فقد انتهت هذه المراجعة إلى بلورة قناعة بأن تجديد المشروع اليساري لا يمر بالتخلي عن الخيار الاشتراكي، بل بإعادة تعريفه في ضوء التجربة التاريخية، وبالاستفادة من منجزات الفكر الماركسي بوصفه منهجاً تحليلياً نقدياً مفتوحاً، لا منظومة مغلقة، وبإجراء مراجعة شاملة تعيد بناء العلاقة بين المبادئ والواقع، وبين الفكر والممارسة، وبين الأهداف والوسائل.

ولم تكن الرأسمالية بمنأى عن هذه المراجعة. ففي أعقاب انهيار التجارب الاشتراكية، ساد الاعتقاد بأن انتصارها يمثل نهاية التاريخ والأفق الأخير للتطور الإنساني، عادت إلى الظهور أزماتها البنيوية لتكشف حدود هذا الادعاء، ولتفتح الباب أمام إعادة النظر في مسار تطورها، وفي طبيعة الإجابات الفكرية والسياسية المطلوبة لمواجهة تناقضاتها. ومن هنا، جاء هذا الكتاب ليضع المسألتين، قضية الاشتراكية وأزمة الرأسمالية، في إطار نقدي واحد، ينطلق من الوقائع والتجارب، لا من الأحكام المسبقة أو المسلمات الأيديولوجية.

ومن هذا المنطلق، جاء قرار المؤتمر الخامس لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني، المنعقد مطلع عام 2022، بنشر هذه المراجعات تباعاً، بوصفها جزءاً من الذاكرة الفكرية والسياسية للمنظمة، ولحركة اليسار اللبناني والعربي، وفي الوقت نفسه جزءاً من عملية التأسيس المتواصلة للمشروع الذي تحمله المنظمة اليوم. ولم يكن المقصود من هذا القرار إعادة إنتاج الماضي، أو إضفاء أي صفة نهائية على الاجتهادات التي تضمنتها هذه النصوص، بل وضعها أمام الأجيال الجديدة، وأمام المهتمين بالشأن الفكري والسياسي، باعتبارها وثائق تعكس تجربة نقدية نادرة في الحياة السياسية اللبنانية والعربية، اتسمت بالجرأة الفكرية، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والإيمان بأن النقد الصادق هو المدخل الضروري لكل عملية تجديد وإعادة بناء مطلوبة.

لقد أثبتت التجارب، في لبنان كما في العالم العربي، أن الجمود الفكري لا يقل خطراً عن الجمود السياسي، وأن الحركات التي تعجز عن مراجعة ما قدمته محكومة بالتراجع مهما بلغت تضحياتها أو صدقت نواياها. وفي المقابل، فإن امتلاك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، وإعادة النظر في المسلمات، ليس علامة ضعف، بل أحد أبرز شروط الحيوية الفكرية والسياسية. ومن هذه الزاوية، تكتسب المراجعة التي بادر إليها المناضل محسن إبراهيم وقادها، وتحمل مسؤوليتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، قيمتها الاستثنائية، لأنها قدمت نموذجاً مختلفاً في ممارسة مهمة النقد الحزبي، يقوم على المسؤولية لا على التبروء، وعلى الحرص على المستقبل لا على تصفية الحساب مع الماضي أو الهروب إلى الأمام.

وتذكرنا هذه النصوص بأن الأفكار الكبرى تظل ذات قيمة ولا تفقد مشروعيتها بسبب إخفاق بعض التجارب التي رفعت شعاراتها، كما أن نجاح تجربة معينة لا يحولها إلى حقيقة نهائية أو إلى نموذج صالح لكل زمان ومكان. فالتاريخ أكثر تعقيداً من أن يختزل في انتصار أو هزيمة، والعمل السياسي أكثر ثراءً من أن يقاس بمعيار النجاح الآني أو الإخفاق المؤقت. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه المراجعة تكمن في دفاعها عن حق الابداع الفكري  لصياغة شروط ومعالم التطور، وعن حق السياسة في التعلم من التجربة، وعن حق الأجيال اللاحقة في إعادة قراءة تراثها بعين نقدية ومسؤولة.

وإذا كانت هذه النصوص قد انطلقت من مراجعة تجربة محددة في زمان ومكان محددين، فإنها تجاوزت تلك الحدود لتطرح أسئلة تتصل بمستقبل المشروع الديمقراطي والتقدمي في منطقتنا. فقد أكدت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن النضال من أجل التحرر الوطني لا يكتمل من دون الديمقراطية، وأن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تنهض على حساب الحرية، وأن الدفاع عن قضايا الأمة لا يكتسب صدقيته إلا إذا اقترن بالدفاع عن حقوق الإنسان، وإن أي مشروع تغييري يفقد مبرر وجوده إذا انفصل عن المجتمع، أو إذا تحول إلى منظومة مغلقة تعجز عن مراجعة ونقد ذاتها.

واليوم، وبعد مرور ما يزيد عن عقدين على صياغة هذه النصوص، تبدو الأسئلة التي طرحتها أكثر إلحاحاً مما كانت عليه آنذاك. فالعالم يشهد تحولات غير مسبوقة، والمنطقة العربية تواجه تحديات مصيرية متشابكة، ولبنان يعيش واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، الأمر الذي يعيد التأكيد على أن الحاجة إلى التفكير النقدي، وإلى تجديد أدوات العمل السياسي، لم تتراجع، بل ازدادت أهمية وإلحاحاً.

وفي هذا السياق، تواصل منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني عملها على  تطوير وثائقها الفكرية والسياسية والبرنامجية، انطلاقاً من القناعة نفسها التي حكمت تلك المراجعة الأولى التي توصلت إليها وقوامها: إن المشروع اليساري الديمقراطي لا يمكن أن يبقى حياً إلا إذا ظل مشروعاً مفتوحاً على النقد والتجديد، وقادراً على الاستجابة للتحولات التاريخية، من دون التخلي عن القيم الإنسانية والوطنية التي شكلت جوهر نضاله.

إن نشر هذه المراجعات لا يعني أن كل ما ورد فيها يمثل بالضرورة الصياغة النهائية لرؤية المنظمة الراهنة، كما لا يعني التعامل معها بوصفها نصوصاً مغلقة أو مكتملة أو “مقدسة” أو منزلة. فهي وثائق تنتمي إلى سياقها التاريخي،  بما فيها تحديث   نص أزمة الرأسمالية  من قبل الباحث والكاتب في الانتربولوجيا وشؤون العمال والحماية الإجتماعية، والخبير في الحوكمة والتدريب الدكتور سعيد عيسى، عبر قراءة  المستجدات والتطورات  التي طرأت على الأوضاع البنيوية للراسمالية  في طورها الجديد  خلال العقود الاخيرة، مستنداً في ذلك  إلى  ما تضمنه النص الاصلي من تحليل ورؤية. يضاف إلى ذلك  مساهمته  في تحرير الكتاب بمجمله وإعداده للطباعة والنشر. علماً أن الوثائق  الفكرية، كما سائر فصول المراجعة النقدية، قد شكلت  ولا تزال  أحد  أهم المرتكزات الأساسية التي أسهمت في بناء الرؤية التي تواصل المنظمة تطويرها عبر الحوار والتجربة والعمل السياسي والفكري. ومن هذا المنظور، ينبغي أن تُقرأ هذه النصوص بوصفها حلقة أساسية في مسار متصل، لا بوصفها خاتمة للمسار التجديدي.

ويأتي هذا الكتاب، “في الاشتراكية وأزمة الرأسمالية”، بوصفه الحلقة الأولى في هذه السلسلة، لما يمثله من مدخل فكري إلى مجمل المراجعة. فهو يضع بين يدي القارئ الأسئلة المؤسسة التي انطلقت منها، ويفتح الباب أمام فهم السياق الذي ولدت فيه بقية النصوص، والمسار الذي قاد إلى إعادة بناء المشروع اليساري الديمقراطي على أسس جديدة.

وإننا، إذ نقدم هذه النصوص إلى القرّاء، فإننا نفعل ذلك وفاءً  لصاحبها ولروح المراجعة التي قادها محسن إبراهيم، ووفاءً أيضاً للفكرة التي نذرت لها أجيال  متعاقبة من الشهداء والمناضلين والقادة سنوات طويلة من النضال: أن التحرر الوطني، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ليست شعارات عابرة، بل مشروع تاريخي متجدد، لا ينهض إلا بالنقد، ولا يستمر إلا بالتجديد، ولا يكتسب شرعيته إلا بقدر اقترابه من احلام و مصالح الناس وحقوقهم وتطلعاتهم إلى الحرية والكرامة.

وبهذا المعنى، لا يقتصر هدف هذا الكتاب على استعادة تجربة مضت، بل يتوخى فتح حوار مع الحاضر، ويضع بين أيدي الأجيال الجديدة تجربة فكرية وسياسية، آمنت بأن مراجعة الذات ليست خروجاً على التاريخ، بل أحد الشروط الضرورية لصناعته.

بيروت تموز 2026

 زكـي طـه

رئيس المكتب التنفيذي
منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني