اقتصاد • مجتمع

لجنة المؤشر ترفع بدل النقل وتنفض يدها من المعضلات 2/ 2: التضخم العالمي والمحلي والفلتان والتلاعب يلتهم الأجور

زهير هواري

بيروت 7 تشرين الاول 2026 ـ بيروت الحرية

لا شك أن هناك أسبابا لارتفاع الأسعار لا قِبَل للدولة اللبنانية ولا لسواها التحكم بها. وهذه تتعلق بالصراعات الدولية الناشبة، وما تتركه من نتائج تقود إلى ارتفاع في أسعار السلع نتيجة الخلل في شبكات التوريد والاستخراج في السوق العالمي، بعد أن باتت أسعارها في البورصة أعلى وكلفة نقلها وتأمينها والوقت الذي تحتاجه للوصول إلى أسواق الاستهلاك شبه مضاعفة. هذه العناصر ضاغطة على مختلف دول العالم، ويعرفها ترمب الذي يعد ناخبي أميركا في الانتخابات النصفية المقبلة الشهر التالي بهبوط أسعار الوقود متى أرغم ايران على توقيع صك الاستسلام. هذا جزء من المشكلة، والجزء الآخر يتمثل في الحرب الروسية الاميركية وما تقود إليه من ارتفاع أسعار القمح ومعظم الحبوب والأخشاب وغيرها. كل هذا ولم ندخل إلى أوضاعنا في لبنان بعد .

ودون المزيد من التفاصيل نعود إلى بلادنا لنقول إن هناك علاقة بديهية بين الأجور والأسعار ومتطلبات الحياة المقبولة. اذ يجب أن يحقق الأجر العادل حياة كريمة للعامل تتضمن مأكله ومشربه وسكنه وتعليم أبنائه، والاهتمام بصحته وتضمن تنقلاته من وإلى العمل. المسألة الأخيرة هي التي تركزت عليها المفاوضات الأخيرة التي “تكللت بالنجاح ” الباهر. ومؤشر الأسعار في لبنان كما كان يطبق في الستينيات والسبعينيات وحتى مطالع الثمانينيات، عندما كانت هناك حركة نقابية وعمالية مستقلة ومصارعة، كان يتضمن إلى جانب الطعام المنزلي الجيد والفواكه وشراء الثياب وأكلاف التعليم وايجار السكن وسواها: الترفيه ( سينما ، مطاعم وسياحة داخلية) وهدايا في المناسبات الاجتماعية والخدمة المنزلية. أي أن الحد الأدنى للأجر كان مدروسا لتلبية حاجات الأسرة. ودوما فموضوع الأجر يحتاج إلى مقاربة مختلفة تتعلق بواقع الاقتصاد الوطني ومصادر الدخل وقطاعات وسوق العمل، ومكملاته من مكتسبات حصل عليها العمال من خلال نضالهم الطبقي.

تصحيح الأجور الممنوع

دوما يتهرب أرباب العمل من مقاربة موضوع تصحيح الأجور مرتاحين للوضع القائم، فأسعار السلع التي يبيعونها ترتفع دوما، بينما زيادة الأجور تعتمد “أريحية” صاحب العمل وكرمه، وغالبا ما تأتي دون حركة تطور الأسعار. وفي حال الاضطرار للخوض في الموضوع يجري بتره عن اهمية ضبط أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات في الأسواق. وفي العادة يأتي تحرك السلطة متأخرا سنوات عن موجات التضخم. وخلال هذه السنوات يراكم أرباب العمل أرباحهم من خلال تآكل الأجر الذي يدفعونه لعمالهم، مطمئنين إلى هيمنة أحزاب الطوائف على الحركة النقابية والاتحاد العمالي العام كما هو حاصل حاليا. وهكذا يتم افراغ أي تحرك من مضمونه . والتحرك الأخير لم يأت خوفا من بشارة الأسمر أو بسام طليس ، بل نتيجة مناخات حذرت من طلائع انفجار اجتماعي في البلاد نتيجة التناقض بين قيمة الراتب وقدرته على تلبية حد متواضع من الحاجات البديهية للعيش.

وما ضاعف من المعضلة أنه  خلال العام الأخير “دولرت” الدولة ما تقدمه من خدمات، فكان أن تضاعفت الخدمات والمعاملات الرسمية 20 مرة وأكثر، وجاراها القطاع الخاص وما جرى اعطائه من علاوات لم يدخل في صلب الراتب وأُعتبر بمثابة “منحة” أو “مكرمة”. وهكذا وقع المواطن بين” شاقوفي” القطاعين العام والخاص. بينما الرواتب ما تزال تعجز عن تأمين الحد المتواضع من الأساسيات. وبعض الغلاء  كما ذكرنا لا قبل للدولة بمعالجته، ولكن بعضه الممكن لا وجود لقرار متخذ بشأنه يجري الالتزام به، وله قواه التنفيذية على الارض. إذ في الحي الواحد وبين دكان وآخر يختلف سعر السلعة. حتى أن التسعير بات كيفيا ولا يخضع لأي قواعد أو رقابة. المعضلة الكبرى هي أن تشرين يأتي دوما حاملا معه استحقاقات كبرى، دون أن يملك اللبناني ما يمثل رصيدا يستند إليه، فودائعه ما تزال محجوزة في المصارف، وانفاقه يلتهم ما يجنيه، وما يرده من المغتربات والمهاجر من موارد.

خلال المفاوضات التي أشرنا إليها بين الدولة وأرباب العمل والعمال لم يصل البحث في تصحيح الحد الأدنى للأجور إلى تسوية ما، وأرجيء البحث لشهر إضافي، ودخل الموضوع في دوامة انتظار قاتل للأسر،  بينما تبلغ الموازنة الشهرية لعائلة مؤلفة بين فردين وأربعة أفراد إلى ما يتراوح بين 1000 و2000 دولار. هذا في الأحوال العادية التي لا تلحظ الأمراض والتعليم وغيره من مصارفات طارئة. أي أنه يتناول مستوى انفاق أقل من عادي و”بالشحتفة” كما يقول المواطنون، أي لا تدخل فيه أي اضافات “ترفيهية” كتلك التي كانت تشملها سلة الاستهلاك في العقود السابقة. إذن الأجور تتآكل وتتراجع قدرتها الشرائية ومعه تتسع الفجوة التي تفصل بين الدخل والإنفاق، خصوصا ونحن نتحدث الآن عن حد أدنى للأجور يصل إلى الـ 312 دولارا، أي ما يعادل 28 مليون ليرة. ويقدر الباحث محمد شمس الدين أن النسبة الأكبر من المواطنين والبالغة 80 % تقريبا تتقاضى بين 400 و800 دولار شهريا ، بينما تتقاضى شريحة أخرى بين 800 و1500 دولار . وتبقى شريحة ثالثة نسبتها 10% تحصل على ما يتجاوز الـ 1500 دولار . وبقدر احتياجات عائلة مكونة من 4 أفراد بما يتراوح بين 1200 و1260 دولار . لكن هذا الاحتساب لا يشمل كلفة الطبابة والتأمين والتدفئة والمدارس الخاصة وما يدخل في باب المصاريف الطارئة. وكل من هذه تحتاج إلى موازنة قائمة بذاتها. فقد تجاوز مثلا برميل المازوت الـ 350 دولارا والطن الواحد الـ 1600 دولارا. ولما كانت الأسرة تحتاج ما بين 5- إلى 10 براميل لنا أن نتصور ما يمكن أن يحدث على صعيد التدفئة في طقس مثلج، وفي مناطق تعتاش على مردود اقتصاد زراعي غرق في الأزمات ومتواضع المردود. أما المدارس فهناك فارق بين رسوم الرسمية وأقساط الخاصة والفئة التي تنتمي إليها.

اذن المتوسط العام يتجاوز الـ 500 دولار. ما يعني أن رفع الأجور بما يزيد عن 200 إلى 280 % وأكثر ستكون له مضاعفاته الكبرى على بنية سوق العمل التي تئن من عمالة “سوداء ” اجنبية  تعمل دون ترخيص، ودون أن تدفع التكاليف القانونية للحصول على رخصة العمل من وزارة العمل، وبالتالي لا تساهم في مدفوعات صناديق الضمان الاجتماعي بفروعه. وبالتأكيد فأي ارتفاع في الأجور سيؤدي إلى مزيد من التخلي عن العمال اللبنانيين لصالح عمالة وافدة، تقبل بما هو دون الحد الأدنى المطلوب، ومن دون ضمانات اجتماعية بطبيعة الحال. وفي وضع من هذا النوع ستتمكن الشركات الكبرى من استيعاب هذا التطور في حال حدوثه، مقابل مؤسسات صغرى ستعجز عن التلاؤم معه وتندفع نحو االتراجع ثم الإقفال، ما يعني تسريح العمال اللبنانيين أو استبدالهم بأجانب كما أشرنا ما دام حبل سوق العمل فالت على غاربه ودون حد أدنى من الرقابة والضبط.

وفي مثل هذا الوضع قد يواجه معظم أصحاب العمل بالفعل هوامش ربح ضيقة للغاية أو طلبًا غير مرن على منتجاتهم ، ولكنهم قادرون على التكيف مع أحكامه كما ثبت. ونتيجة مثل هذا الوضع ستتحول الزيادات الاسمية على الأجور إلى “حبل مشنقة ” للعمال الأكثر ضعفاً، بدل أن تكون “حبل خلاص” من العجز الذي تعاني مه الأسر شهريا في مصارفاتها. بالطبع فتصحيح الأجور سيدفع إلى انفاق استهلاكي مما يحصد ثماره أرباب العمل الذين ستزداد ايراداتهم. بالمقابل سيكون الأمر برمته هو مزيد من تأجيل الانهيار الذي عندما يأتي يجرف أمامه السدود المتواضعة التي تمثلها زيادات هزيلة لا تقدم ولا تؤخر. إن التصحيح وكي لا يقود إلى تسريح العمالة اللبنانية وارتفاعات تضخمية مصطنعة في الأسعار، يجب أن أن يترافق مع اصلاحات هيكلية في بنية الاقتصاد. ومدخل ذلك هو تحديد حجم الفجوة المالية والاصلاح المصرفي والمالي والنقدي واستخدام صلاحيات استثنائية لفرض تسوية اجتماعية لا تطال الأجور فقط، بل عملية تنطلق من عمليات الاصلاح الاقتصادية – الاجتماعية الجذرية المطلوبة، بعدما تعرضت وتتعرض له البلاد من كوارث. وهذه حتى الآن مجرد تمنيات لدى المؤسسات والخبراء الدوليين والمحليين، وهو ما يعمل  أصحاب العمل إلى إفراغه من أي خطوة اصلاحية من مضمونها بهدف تكديس المزيد من الارباح في خزائنهم.

مع ذلك لا بد من  تصحيح الأجور كحاجة اقتصادية واجتماعية ومعيشية لا يمكن تجاهلها، لكن ذلك يتطلب ربط مستوى الحد الأدنى للأجور مع تأمين شروط قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتمويل. فالمعادلة لا تقوم على رفع الأجر الاسمي فحسب، بل على ضمان أن يتحول هذا الرفع إلى دخل حقيقي مستدام، من دون أن ينجم عنه الآثار السلبية على صعد التضخم وأوضاع العمال والمؤسسات الصناعية . وعليه يجب أن يكون الهدف في الوصول إلى تصحيح فعّال للأجور أن يترافق مع تحسين الإنتاجية وتنشيط الحركة والقطاعات الاقتصادية، بدل أن يكون هذا التصحيح كما حدث مرارا وتكرارا مجرد لحظة عارضة تطلق المزيد من دفعات الانهيار كما سبق ومرَّ معنا.