د. زهير هواري
جرى تعليق التحرك العمالي الذي كان مقررا الأسبوع الماضي، بعد أن اجتمعت لجنة المؤشر، واعتمدت تقديم ما يعادل سعر 5 ليترات من البنزين يوميًا أساسًا لاحتساب بدل النقل. ولما كان سعر البنزين يرتفع اسبوعيا بمعدل مرتين في المتوسط، لذلك تتغيّر قيمة البدل بحسب سعر المحروقات، ووفق آلية محددة بالتنسيق مع وزارة الطاقة، مع وضع حد أدنى بقيمة 500 ألف ليرة يوميًا، وسقف أقصى بقيمة 800 ألف ليرة. اتحادات النقل البري، والاتحاد العمالي العام أجمعا على “ايجابية” الاتفاق. وعليه “كفى الله المؤمنين القتال ” ولم يعد هناك من ضرورة لاضراب يومي الاربعاء والخميس كما كان مقررا.
اجتماع لجنة المؤشر الذي ترأسه وزير العمل ناقش في عدد من الملفات المعيشية، أبرزها رفع الحد الأدنى للأجور، وبدل النقل، ورفع قيمة التعويضات العائلية بنسبة 86%، لتصبح نحو 3 ملايين و100 ألف ليرة للشريك، ومليون و655 ألف ليرة لكل ولد. أما في ما يتعلق برفع الحد الأدنى للأجور، فلم يتم التوصل إلى رقم نهائي خلال الاجتماع. في المقابل ستواصل اللجنة عقد جلساتها لمعالجة الملف خلال مهلة أقصاها شهر قبل رفع مقترحها لمجلس الوزراء .
أمين عام الهيئات الاقتصادية نقولا شماس نفض يديه من “الواقع الحالي أو الضرائب”، بينما اعتبر رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر أن “الاتفاق اليوم جيد ويشمل من يتبع قانون العمل”. وأثنى رئيس اتحادات النقل البري بسام طليس على قرار اللجنة، ولم يخرج عن “المناخات الايجابية وجل ما يهمنا هو سرعة التطبيق”. وفي ما يتعلق بما تطالب به اتحادات النقل البري، وفي مقدمها مبلغ الـ12 مليون ليرة الذي كان مخصصًا لدعم السائقين العموميين، فقد عقد اجتماع في وزارة المالية ضم عددا من المسؤولين مع طليس، وجرى خلاله الاتفاق على المباشرة بإجراءات فتح اعتماد في الموازنة العامة لعام 2026، لإعطاء السائقين العموميين المستحقين مبلغ الـ 12 مليون ليرة لبنانية شهريًا، عن الفترة الممتدة من الأول من تشرين الأول ولغاية 31 كانون الأول 2026، كمرحلة أولى. مقابل التزام السائقين بالتعرفة الصادرة في نيسان من العام الجاري. أما مخالفتها فتحرم السائق من الإفادة من المستحقات المذكورة. ووافق وزير العمل على 90% من مطالب أصحاب وسائقي الشاحنات. وهي مطالب تتعلق بالعمالة اللبنانية، والعبور عبر الحدود، وعمل الشاحنات الداخلية والخارجية، وكل ما له علاقة بمعاملاتهم مع مرفأ بيروت.
هذه الإيجابية لم تلحظها كل من: رابطة موظفي الإدارة العامة والعسكريون والأساتذة الذين تابعوا تحركاتهم المقررة معتبرين أن الاتفاق المذكور مثل طعنا في ظهورهم وتخليا عن مطالبهم.
ماذا تعني هذه المواقف؟
ظهر جليا من خلال المناخات التي سبق وواكبت اجتماع اللجنة أن التلويح بالاضراب لن يصمد طويلا، إذ ماذا يعني رفع قيمة بدل المواصلات من 450 ألف ليرة إلى 800 ألف ليرة كحد أقصى سوى عدم مواجهة المعضلة الكبرى التي يعاني منها العاملون والموظفون وذوو الدخل المحدود من المواطنين. والمقصود هنا المنحى التصاعدي للأسعار الذي يشعر به المواطنون يوميا في أسعار سائر الاحتياجات. المحروقات بما هي البنزين والمازوت ارتفعت اسعارها عشرات المرات. ومعها فاتورة المواصلات والتنقل ونقل البضائع وغيرها، ناهيك بأكلاف مولدات الكهرباء مع بداية الموسم الشتوي، وما يفرضه من سلوك منزلي يقود حكما إلى المزيد من النفقات التي يتوجب على الأسر دفعها ( دراسة الأبناء، اضاءة لساعات طويلة ، تدفئة و..) . بالطبع لم يلتفت ممثلو “الاتحادات الموافقة” إلى قفزات التضخم المتسارع الذي تشهده البلاد. ودون عودة بعيدة إلى الوراء يتبين أن التضخم السنوي شهد مساراً متقلباً خلال 2026: فقد بلغ 20.02% في نيسان، ثم تراجع إلى 19.04% في أيار، و17.25% في حزيران، و15.69% في تموز، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 16.66% في آب، مع ارتفاع شهري بلغ 1.40% مقارنة بتموز. وقد سجل مؤشر الخبز والحبوب وحده ارتفاعاً بنسبة 1.82% خلال شهر آب. وهذا يعني أن التضخم لم يختفِ، بل تذبذب صعوداً وهبوطاً حول مستوى مرتفع، بينما بقي مستوى الأسعار عالياً جداً. وتتوقع مجموعة البنك الدولي أن يبلغ متوسط التضخم في لبنان 17.5% خلال عام 2026 ككل، مع استمرار الضغوط الناجمة عن اضطرابات الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن وأسعار النفط.
في قطاع المحروقات شهد جدول نهاية 2019 وجدول الأسوع الأخير من أيلول 2026، ارتفاعا في سعر صفيحة البنزين بلغ نحو 116 ضعفاً، والمازوت نحو 162 ضعفاً، وقارورة الغاز نحو 87 ضعفاً. فقد ارتفع ثمن صفيحة البنزين من 24,500 ليرة إلى 2.834 مليون أي من 16.3 دولارا إلى 31.7 دولارا. والمازوت زادت كلفته بالدولار أكثر من مرتين ونصف. وهذه ليست زيادة هامشية بالنسبة إلى الأسر اللبنانية. فكل ارتفاع في المحروقات ينتقل تدريجياً إلى كلفة النقل والانتقال، وتوزيع السلع، والتبريد، والإنتاج، والخدمات. ومع أن سعر برميل النفط يشهد تقلبات وتذبذب تبعا لحرارة الصراع الاميركي – الايراني في منطقة الخليج العربي، إلا أن اسعاره محليا تسلك دوما منحى تصاعديا يتجاوز الارتفاعات التي تشهدها الأسواق العالمية .
اذن المواطن يدفع الفاتورة دون أن يحصل على تعويض لا بقيمة خمس ليترات بنزين ولا ما شابه ، فالمشكلة الاجتماعية والاقتصادية الأهم هي أن ارتفاع الأسعار يأتي معطوفا على سنوات من تآكل القدرة الشرائية. والمعروف ان “ترقيعا” من نوع ما جرى التوصل إليه لا تقدم حلولا لأزمة على هذا النحو من الاتساع والشمول، حيث أنها لا تترك قطاعا إلا وطالته بدءا من المواصلات إلى الأقساط المدرسية والجامعية والطعام والشراب والطبابة والثياب وأكلاف التدفئة، ما يعني أن معظم اللبنانيين يعانون من ارتفاع معدلات الفقر. لكن في الموضوع الذي جرى التوافق عليه أكثر من قطبة مخفية.
الإيجابية ومنوعات الخداع
وهنا ندخل في صميم الاجتماع الذي سبقه، وعُقد حينها برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري وحضره وزراء: المال ياسين جابر والعمل محمد حيدر والاقتصاد عامر البساط والأشغال فايز رسامني، وممثلو أصحاب العمل والعمال. وهو الاجتماع الذي وضع الخطوط الرئيسية للاتفاق الذي أُعلن عنه لاحقا وقاد إلى إلغاء الاضراب المقرر. إذ مقابل ليترات البنزين التي جرى الاتفاق عليها وزيادة التعويضات العائلية من الضمان، تم الاتفاق أنه سيعاد النظر بموضوع تسويات نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وهو موضوع يثيره أرباب العمل منذ سنوات كونه يحررهم من مستحقات للعمال يطمحون إلى إلغائها أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم، وهي مستحقات تطال عمليا مدخرات العمال لدى الصندوق. ومن المعروف أن تسوية نهاية الخدمة تعتبر جزءا مؤخرا من الأجر للأجراء. وهي تساوي بين قيمة التعويض المستحق للأجير وقيمة المبالغ المتراكمة لصالحه في الصندوق جرّاء دفع الاشتراكات الشهرية. إذ إن هناك فارقا يتوجب على رب العمل أن يدفعه لدى نهاية خدمة الأجير، يمثل الفجوة القائمة بين الحد المسجل لدى الضمان والذي دخل الأجير على أساسه للعمل، وما صار عليه أجره في نهاية خدمته بعد سنوات طويلة حتى بلوغه الـ 64 عاما . ومن المعروف أن الكثير من المؤسسات لا تسجل الراتب الفعلي للأجير كي تخفض من قيمة التسوية والمستحق للضمان.
وتقدر منظمة العمل الدولية قيمة التسويات المتراكمة على أصحاب العمل بـ 40 ألف مليار ليرة ، أي ما يساوي 447 مليون دولار. وهو مبلغ تراكم نتيجة السياسة المالية للدولة والمصارف معا، وهو ما قاد إلى الانهيار المالي والمصرفي، الذي ما زال يجرجر ذيوله حتى اليوم . ومن المعروف أن إدارة الصندوق الوطني للضمان قامت بتوظيف ما لديها من مدخرات العاملين عبر سندات الخزينة في المصرف المركزي. وكانت قيمة هذه التوظيفات قبل الانهيار عام 2019 ما يعادل 10 مليارات دولار تغطي التزامات التعويضات للمضمونين. لكن المبلغ بات يساوي بعد الانهيار 764 مليون دولار . ما يعني أنها فقدت أكثر من 90 % من قيمتها . ما جعل نظام التقاعد فاقد لقدرته على توفير الحماية الاجتماعية للأجير عند نهاية خدمته. بينما كان ما يحصل عليه سابقا يكفيه للقيام باستثمار صغير يعيله مع أسرته ( دكان ، مطعم صغير، ومحل تجزئة ، سيارة تاكسي، مهنة و..). وما يزيد الطين بلة أن نهاية الخدمة يقود إلى خسارة الضمان الصحي للأجير الذي بات مجبرا في أحسن الأحوال على الانتساب إلى الضمان الاختياري، حيث يتوجب عليه تسديد قيمة اشتراكاته من فُتات دخله هو، هذا اذا ما كان لديه دخل. لذلك يمكن لأي مواطن أن يلحظ أن معظم سائقي السيارات العمومية هم من كبار السن للحصول على هذا الضمان وتأمين المدفوعات المطلوبة.
