في الاقتصادات التقليدية، الدين عبء. كلما ارتفع الدين، ارتفعت الفوائد، وازدادت الضغوط على الميزانية، وازدادت احتمالات الانهيار. لكن الاقتصاد الأميركي لا يعمل وفق هذا المنطق. فالدين الأميركي لا يمكن اختصاره بوصفه عبئا ماليا، بل هو في أصل وظيفته أداة هيمنة. وكلما تضخم الدين، تضخمت معه قدرة أميركا على امتصاص مدخرات العالم.
ما يجعل الدين الأميركي أداة هيمنة ليس محصورا فقط بقوة أميركا وتسلطها على العالم. بل يمكن القول إن هذه الحجة لا تجد مستندات تدعمها في أي تحليل دقيق. ذلك أن الواقع هو العكس. فسندات الخزينة ليست مجرد التزام مالي، بل هي مخزن للقيمة، وملاذ آمن، ومعيار تسعير عالمي. وهي تشكل ضمانة للمصارف وتعمل كأداة تسوية دولية، وتشكل بديلاً مأموناً للذهب، وأصولاً مالية مطلوبة في كل أزمة. بكلام أوضح، الدين الأميركي هو السلعة الأكثر طلباً في العالم.
المخاوف التي يبديها السياسيون والاقتصاديون حول ارتفاع كتلة الدين تستند إلى فكرة جوهرية، وهي الفكرة القائلة بأن خدمة الدين تحتاج إلى مبالغ مالية إضافية تدخل إلى الخزانة الأميركية، وكلما ارتفع سقف الدين كلما تحولت هذه المبالغ إلى عبء على الاقتصاد برمته. لكن الدين الأميركي نفسه يستطيع أن يتحول إلى مصدر دخل، فالعالم يشتري سندات الخزانة لأنه يحتاج إلى الدولار، ويحتاج إلى الشعور بالأمان النقدي، والأهم أنه يحتاج ملاذاً آمناً في الأزمات، وأداة إدخار مستقرة، وعملة احتياط تنقذ أي اقتصاد متعثر، دولي أو خاص خلال الأزمات. وهذه الاحتياجات كلها تضع العالم في موقع الملزم بتمويل خدمة الدين الأميركي.
لكن النقطة الأهم والتي يغفل عنها الجميع تتعلق بتفاوت قيمة الدولار. فأن تملك دولاراً في باكستان، فهو حكماً أقل قدرة على شراء سلع بالجودة نفسها التي يشتريها في أميركا. فالدولار داخل أميركا يملك قيمة مؤسسية أعلى من الدولار خارجها، لأن الشاري يشتري معه قانوناً مستقراً ومؤسسات قوية وبنية تحتية متقدمة، واقتصاداً عالي الإنتاجية، فضلاً عن قوانين حماية الملكية، والشفافية، والسيولة المالية الهائلة. بكلام أوضح، يملك المستثمر في أميركا فرصة أن يجعل دولاره مولداً لدولارات أكثر من حجم الدولارات التي يولدها الدولار نفسه، أو اليورو أو الين في طوكيو أو برلين أو إسلام آباد. هذا فضلاً عن أن الدولار خارج أميركا يشتري مع السلعة مخاطرة، وتقلباً، وضعفاً مؤسسياً، وسلعاً أقل جودة، وخدمات أقل كفاءة. وهذا ما يجعل أميركا هي المكان الوحيد الذي يستطيع الدولار أن يكون فيه بكامل قيمته.
فقيمة الدولار لا تتضح فقط في قدرته على شراء السلعة، بل في موقع صاحبه داخل السوق التي تُنتج فيها السلعة وتُختبر وتتنافس، قبل أن تصبح سلعة عالمية. فالمستهلك الأميركي في كثير من الحالات هو أقرب إلى مصدر السلعة من المستهلك في السوق البعيدة عنها، حتى لو كان المنتج نفسه مستورداً أو مصنوعاً في بلد آخر. لأن السوق الأميركية هي المكان الذي تختبر فيه السلعة قدرتها على البقاء والمنافسة والتوسع، وفيها يستطيع المستهلك أن ينتقل بسرعة من منتج إلى آخر. أما حين تنتقل السلعة إلى سوق أقل تنافسية أو أكثر بعداً عن مركز الإنتاج والتوزيع، فقد يدفع المستهلك ثمناً أعلى لا للسلعة وحدها، بل للمسافة والمخاطر والوساطة والندرة.
وهنا تتضح إحدى المزايا الخفية للدولار: إنه لا يمنح صاحبه فقط قدرة على شراء السلع، بل يمنحه، داخل الاقتصاد الأميركي، حق الدخول المبكر إلى دورة القيمة. يشتري الأميركي السلعة حين تكون رخيصة، وحين ترتفع قيمتها يكون السوق قد أتاح له بالفعل بديلاً آخر. وفي كل مرة تتكرر الدورة، يكون الاقتصاد قد أنتج منتجاً جديداً أو منافساً جديداً أو طريقة أرخص لإنتاج المنتج القديم.
لهذا لا تكمن قوة الاقتصاد الأميركي في أن كل سلعة فيه أرخص من كل مكان آخر، فهذا غير صحيح، بل في أن السوق الأميركية تملك قدرة استثنائية على إنتاج البدائل وإدخالها في المنافسة. الدولار القوي يستفيد من هذه الدورة بقدر ما تستفيد هذه الدورة منه: العملة توفر السيولة والثقة، والسوق تحول السيولة إلى سلع وخدمات جديدة، وهذه السلع والخدمات تعيد إنتاج الطلب على العملة. بهذا المعنى فإن الدولار ليس مجرد تذكرة شراء. إنه تذكرة دخول إلى سوق قادرة على تجديد ما تشتريه باستمرار.
في الخلاصة، تمول أميركا خدمة دينها من ثلاثة مصادر لا يتسنى لأي دولة أخرى أن تجمعها في نطاقها الدولتي: المصدر الأول هو العالم الذي يشتري السندات، ويستثمر في السوق الواسعة، ويتمثل المصدر الثاني بالاحتياطي الفيدرالي الذي يتحكم في كلفة الدين ويستطيع خفض الفائدة أو شراء السندات أو إعادة تمويل الدين، والمصدر الثالث هو الاقتصاد الأميركي نفسه الذي يستفيد من كل ما تقدم، وينتج الثقة. وحين تعم الثقة يشتد الطلب على الدولار، ما يعني رفع القدرة على الإقراض والاقتراض، وتمويل خدمة الدين. خلاصة القول، ليس الدين الأميركي مشكلة تحتاج إلى حل، بل نظام يحتاج إلى الاستمرار. فالعجز الأميركي هو في الحقيقة فائض العالم، فيما الدين الأميركي هو أصول العالم، ما يعني أن الخزانة الأميركية تقوم بوظيفة مصرف العالم بكل دوله. وواقع الأمر أن أميركا لا تمول دينها من اقتصادها، بل من حاجة العالم إلى الدولار. لذا لا يتحول الدين إلى عبء حين يتعاظم، لأنه لم يفقد وظيفته النظامية. وما دام يؤدي هذه الوظيفة، فهو مصدر قوة. أما إن تعطلت هذه الوظيفة، فمن المرجح أن يتحول إلى وزن ميت.
إذن متى يصبح الدين عبئاً؟ حين لا يعود العالم بحاجة إليه بالوتيرة نفسها التي تحتاجه فيه الخزانة الأميركية. أي عندما يتحول الدين من أصل مطلوب إلى أصل يمكن الاستغناء عنه. في هذه الحال، ليس المطلوب أن ينهار الطلب على سندات الخزانة، بل يكفي أن يتباطأ نمو الطلب بينما يستمر نمو العرض. والمؤشر الحاسم للوصول إلى هذه الحال يمكن تحديده بحاجة الخزانة إلى رفع الفائدة بصورة دائمة لجذب المشترين. وهذه أكثر العلامات وضوحاً على أن الدين فقد طابعه العضوي. وحينها يصبح الدين عبئاً مالياً حقيقياً، وتبدأ خدمة الدين بمزاحمة الدولة نفسها. والخطر بهذا المعنى، ليس كامناً في هروب العالم من حيازة السندات السيادية، بل في أن يصبح الاحتفاظ بها، قراراً استثمارياً عادياً، لا ضرورة نظامية.
وهناك مسألة أخرى قد تساهم في جعل هذا التحول ممكناً، وتتعلق بفقدان الدولار حياده السياسي، فالدولار قوي لأنه عملة الأعداء والحلفاء في آن، ووسيلة تسوية حتى لمن يكرهون أميركا. وتالياً، فإن هذا الدين يصبح عبئاً عندما يبدأ النظر إليه كعملة عقاب لا كبنية محايدة، وهنا يكمن الخطر الفعلي. فالخطر الذي يلوح في الأفق ليس متعلقاً بالعقوبات نفسها التي تفرضها أميركا على الدول الأخرى، بل في تراكم الرغبة العالمية في تقليص الاعتماد على الدولار. وحتى لو لم تنجح هذه البدائل فوراً، فإن الرغبة السياسية في تقليل الانكشاف تعني بداية تحلل وظيفة الدولار كعملة تسوية محايدة.
كذلك ثمة مخاطر في أن تفقد وزارة الخزانة سيطرتها السياسية الداخلية على الدين، حينها قد يتحول هذا الدين إلى عبء، ويصبح ساحة صراع سياسي دائم، ويستخدم كسلاح انتخابي وسياسي (رفع سقف الدين، والإغلاقات الحكومية). لأن الأسواق قد تتحمل عجزاً مالياً، لكنها بالتأكيد لن تتحمل عجزاً سيادياً مصطنعاً. في هذه الحال ترتفع علاوات المخاطر، ويبدأ التشكيك في العقلانية المؤسساتية بالتعمق والتجذر.
وربما تكون أبرز علامات اقتراب الخطر وضوحاً تتمثل بتحول تمويل الدين إلى مهمة منوطة بالاحتياطي الفيدرالي وحده. في الأحوال العادية، العالم يمول، والفيدرالي يتدخل عند الضرورة، والدين قد يصبح عبئاً، حين يصبح الفيدرالي هو المشتري الدائم والأخير، لا قائد الأوركسترا. ذلك أن شراء الدين بالعملة المحلية ليس مشكلة بحد ذاته، لكن دوامه يؤدي مع الوقت إلى تآكل الانضباط المالي وتحويل الدين إلى تضخم مؤجل. في هذه اللحظة سيكف العالم عن تمويل الدين ويصبح عبئاً على الحكومة الأميركية التي ستموله بنفسها.
والشرط الأخير في هذه السلسلة يتلخص في قدرة الاقتصاد الأميركي على إنتاج الثقة. فالدين ليس مضمونا بالذهب أو الضرائب، بل بالقدرة على الابتكار والإنتاجية، والتفوق التكنولوجي، والهجرة النوعية وعمق السوق. لذا قد يصبح الدين عبئا حقيقيا حين يتباطأ النمو الحقيقي ولا يتمكن الاقتصاد من تعويضه بتوسع الابتكار، وتصبح الدولة أكبر من اقتصادها. والخلاصة ليس الدين ما يسقط الإمبراطوريات، بل انعدام القدرة على تجديد الذات.
تزامن هذه الشروط في وقت واحد من شأنه أن يجعل الدين الأميركي عبئاً فعلياً، لن يسهل التعامل معه، وقد يؤدي إلى انهيار الإمبراطورية حقاً.
ما يجعل الدين الأميركي أداة هيمنة لا يعود إلى القوة الأميركية وحدها، ولا إلى فرض الدولار بالقوة على العالم، بل إلى أن القوة الأميركية أنتجت بنية مالية أصبح العالم نفسه يحتاج إليها.
لكن النقطة الأهم، والتي يغفل عنها كثير من النقاش، تتعلق بما يستطيع الدولار أن يشتريه داخل البيئة التي يصدر منها. فالدولار لا يكتسب قيمته من الورقة النقدية وحدها، بل من النظام الاقتصادي الذي يستطيع صاحبه الدخول إليه بها: سوق عميقة، شديدة المنافسة، محمية بالقانون، ذات بنية توزيع هائلة، وقادرة باستمرار على إنتاج بدائل أرخص وأكثر كفاءة.
هذه النقطة بالتحديد هي السلاح الأمضى في يد الحكومة الأميركية. فحين يشتد الخطر وتتعاظم كلفة الحفاظ على النظام، لا تحتاج أميركا دائماًَ إلى مطالبة العالم بتمويلها بصورة مباشرة. يكفي أن تعيد تسعير المخاطر التي يعيشها العالم، وأن تستخدم موقع الدولار وسوقها المالية لإعادة توزيع كلفة أزماتها على الآخرين. هكذا لا تعود الهيمنة مجرد قدرة على فرض شروط سياسية، بل قدرة على جعل العالم يدفع ثمن استقرار النظام الذي يحتاج إليه هو نفسه. ولهذا تبدو كل أزمة أميركية، في النهاية، كأنها أزمة أميركية وعالمية في الوقت نفسه: أميركا تحاول إنقاذ نفسها، والعالم يمول جزءاً من عملية الإنقاذ، لأنه لا يستطيع بسهولة أن ينسحب من النظام الذي يجعلها ممكنة. ربما لهذا لا يكون الدين الأميركي مقدساً لأنه بلا حدود، بل لأن العالم ما زال يحتاج إلى الإيمان بأنه لن يفقد وظيفته.
* تم النشر بتاريخ 11 أيلول 2026 على موقع المدن
