صحف وآراء مجتمع

فارس اشتي وعمله “الموحدون الدروز والشهابيون في وادي التيم”: بحث حول موقع طرفي صدَّر المعنيين والشهابيين إلى قلب الجبل

الدكتور زهير هواري

يقدم فارس أشتي كتابه “الموحدون الدروز والشهابيون في وادي التيم: التباس في التأسيس والدور” الصادر حديثا عن دار سائر المشرق، وكأنه تلبية لرغبة صديقه وزميله في الجامعة اللبنانية الراحل الدكتور نقولا ألوف، الذي لفته إلى إهمال الكتاب والمؤرخين لهذه المنطقة التي كانت من الشمال إلى الجنوب، معبرا للجيوش، القادمة من بلاد ما بين النهرين وفارس نحو فلسطين ومصر أو العكس، فضلا عن الداخل الشامي بتفرعاته. لكن في الحقيقة الموضوع كما يتبدى في النص هو أبعد من الوفاء لوعد قطعه لصديق. فقد سبق وقام مع نسيبه الراحل سالم اشتي بتأليف كتاب “ينطا بين الماضي والحاضر” الصادر عن دار الكتب العلمية في العام 2020. وهو كتاب وأن كان يتمحور حول واحدة من قرى وادي التيم – قريتهما- إلا أنه يخرج عن سياق اهتمامه بها إلى المنطقة المذكورة التي ينتميان إليها. وطبعا الملفت هنا أن فارس اشتي بعد مؤلفاته في الفكر السياسي- الاجتماعي يستغرق في أبحاث تهدف إلى الكشف عن البنية العقائدية لواحدة من المذاهب في بيئتها الأصلية الطرفية القديمة. وهو موضوع شيق ويميط اللثام عن الاسباب والعوامل التي جعلت هذا الوادي مؤئلا لواحدة من المذاهب المؤثرة في تاريخ لبنان، ولكن انطلاقا من انتقالها من موقعها المذكور إلى جبال الشوف وبيروت، باعتبار أن المعنيّين والشهابيين قد انطلقا من هذا الوادي الرعوي والزراعي البعيد عن مراكز الأحداث والحداثة التي طبعت تاريخ لبنان في تلك المرحلة إلى المكان الذي صاغ أحداث القرون السابقة بصراعاتها وإشكالياتها. بالطبع كان لوجودهما في الوادي الأسباب التي تتجاوز اللجوء إلى موقع حصين إلى دور حربي في مواجهة الفرنجة والمغول وغيرهم.

يخصص اشتي القسم الأول من الفصل الأول من كتابه للحديث عن وادي التيم اسما وحضورا في المصادر، وكذلك يتطرق إلى الجانبين الاجتماعي والجغرافي. وهو مبحث مهم لمن لا يعرفون المنطقة التي زادتها التطورات الحاصلة مع قيام الدول (لبنان وسوريا ودولة اسرائيل) من العزلة والهامشية التي تعانيها. يمكن اعتبار كل ذلك مجرد تمهيد لما ورد في الفصول اللاحقة، لاسيما حول الدعوة التوحيدية في الوادي والمحن والمواجهات التي شهدها، والتي حدثت بطبيعة الحال نتيجة البنية الفكرية لسكانه. أي إن الدعوة التوحيدية لم تنبت من فراغ، بل تعود إلى جذور أعمق انطلقت منها لتستقر في موطن غرسها الجديد. هنا يتعمق اشتي في البحث عن الدُعاة الأوائل وما تعرض له المؤمنون بالعقيدة من محن تلاحقت على امتداد عشرات السنين وقادت إلى انتكاسات متلاحقة. انتكاسات عبرت عن نفسها بمحن متكررة ( ابن تالشيل، الدجال، ابن البربرية، انطاكية، سكين، عيحا)، وصولا إلى حضور التيميين في صراعات أبعد من موقع واديهم أي في الحملات الكسروانية المعروفة. يبدو هنا الفصل الثاني هذا عبارة عن غوص في المصادر التي تطرقت إلى ما شهده الوادي، ونتحدث هنا عن أكثر من 180 مصدرا عاما وخاصا. ومثل هذا التفصيلات واللجوء إلى عشرات المصادر بما فيه المحادثات الشفاهية التي سبق وأجراها مع أشخاص من المنطقة حول ما تبقى من ذاكرتهم حول حوادث معينة، هذا الاستغراق بقدر ما هو مصدر قوة يتحول إلى مصدر ارباك من خلال تضخيم دور ومساهمة موقع طرفي بل وهامشي في التحول العقائدي الذي شهدته هذه المنطقة بتداخلها مع البيئة البقاعية والسورية والفلسطينية. وكلنا نعرف أن هذه جميعا هي تقسيمات لاحقة على مرحلة البحث. لكن المشكلة تبقى في مكان آخر وتتعلق بمشروع القيادة التوحيدية نفسها في مقرها الأصلي، أي مصر. فـ “المحن” التي أشرنا إلى أسماء بعضها ليست سوى انعكاس لما تعرضت له العقيدة التوحيدية كمشروع فرعي من العقيدة الاسماعيلية أو القرمطية الأقدم. فضلا عن العقيدة السنية التي استطاعت في المحصلة أن تزيحها عن بلاد النيل وتدفعها نحو اطراف في كل من لبنان وسوريا وفلسطين كما هي عليه اليوم. اختصارا يمكن القول إن ما شهدته العقيدة التوحيدية هو بعض من معضلة أقدم وأكبر مصدرها تفككها في الموقع الأصلي الذي نشأت فيه، أي مصر. وهذه الإشكالية هي جزء من اشكالية أكبر شهدتها المنطقة عموما في تلك المرحلة مع تلاشي وحدتها الفكرية والعقائدية وتشرذم مركزيتها. وما عرفته من صراعات كبرى بين دول فعلية وولاة وأمراء ودُعاة ومشايخ وطامحين إلى ممارسة السلطة والتسيَّد. والفعلي أن تلك الصراعات كانت حصيلة اصطراع متعدد المستويات. الجانب السياسي العقائدي منه الأكثر حضورا. ولكن الجوانب الاقتصادية والديمغرافية والثقافية تظل بحاجة إلى المزيد من الأبحاث والعمل على الوثائق. وهذه من عناصر قوة أشتي في أبحاثه سواء تناولت هذا الموضوع التاريخي أو السياسي – الاجتماعي.

الفصلان الثالث والرابع يتناولان أصل وفصل الشهابيين انطلاقا من نقده للروايات السائدة حول مجيئهم إلى وادي التيم وقتالهم الفرنجة واقتحام المغول للوادي وحضور إمرتين للشهابيين فيه. الفصل الثالث يتطرق إلى المواجهات التي شهدتها المرحلة المملوكية خصوصا الصراعات التي نشبت بعد وفاة السلطان محمد بن قلاوون بين أبنائه وغيرهم من طامحين، سواء أكانوا من المماليك أو الأمراء المحليين. وهي صراعات عنيفة إلى الحد الذي يمكن معه القول إنها هي التي مهدت الطريق لانتقال السيطرة من المماليك إلى العثمانيين. علما أنه يجب الإضافة إلى ما خلفته الصراعات من تفكيك للمجتمع وتبديد لقواه المحاربة ما شهدته بلاد الشام في تلك المرحلة مثل موجات الأوبئة مع ما رافقها من زلازل وهزات وبراكين وما أدت إليه على صعيد اضعاف المدن سياسة واقتصادا واجتماعا وقوى عسكرية بطبيعة الحال. وهي جميعا تضافرت على سحب عصب القدرة على مواجهة التحديات التي جاء بها العثمانيون. وقد سمحت هذه الصراعات للمعنيين للعب دورهم وكذلك للشهابيين من موقعهم البعيد هذا، وكذلك الانتقال نحو المركز في الجبل. ويجزم اشتي أن كليهما – المعنيين والشهابيين – كانا على العقيدة التوحيدية خلاف الشائع أنهما كانا على المذهب السني قبل أن يتحول الأول إلى عقيدة الموحدين الدروز، والثاني إلى بقاء قسم منهم على هذا المذهب والتحاق قسم بالديانة المسيحية. بالطبع للمرحلة العثمانية اشكالياتها وصراعاتها ولها ملابساتها، خصوصا ونحن نستطيع أن نتحدث عن إدارة تركية للتناقضات المحلية مشاركة واحجاما لإبقاء كل الاطراف الداخلية على درجة بالغة من الضعف والعجز عن إزعاج بنية السلطة العثمانية. لذا يمكن القول إن النماذج الأقوى بين الأمراء المحليين “لبنانيا” و”فلسطينيا” ومصريا انتهوا إلى القتل، وبالتالي تلاشي مشاريع بناء إمارات أو سلطات بمعزل عن التابعية للسلطة العلية التركية. لقد تركت السلطات العثمانية الحبل على الغارب لهؤلاء لممارسة سلطاتهم الاقطاعية، طالما أنهم يدفعون الميري وباقي الضرائب ويدينون بالولاء للسلطان وللولاة المعينين من قبل استانبول. وعندما خرجوا عن الصف كان لا بد من القضاء عليهم واستعادة الانتظام إلى سلوك الأمراء والرعايا على حد سواء.

لا يتوقف اشتي عند الصراعات الكبرى، بل يعرج على الانتفاضات التي شهدها المجتمع الدرزي سواء في المطلة – فلسطين حاليا-  أو راشيا الوادي واسباب كل منها وظروفها المحلية والمحيطة، وما انتهت إليه من تداعيات على الفلاحين الذين ثاروا رفعا للظلم والسخرة، أو مواجهة للاستيطان الصهوني في بواكيره الأولية.

المهم أن اشتي في مؤلفه الذي استعان في تأليفه على ما يملكه من صبر الباحث، اثبت حضور هذا الوادي خلال تلك الرحلة والمرحلة التي بدأت مع بواكير الدعوة التوحيدية، مع ما رافقها من صراعات ومحن وصراعات داخلية وخارجية، ومحاولات لرأب التصدعات التي ما تكاد تندمل حتى تنفجر ثانية، لكنها أظهرت مسألة على درجة بالغة من الأهمية مفادها أن هذه المنطقة الطرفية ذات الاقتصاد الضعيف لعبت دورا أكبر من حجمها في صراعات تجاوزت حدود جغرافية هذا الوادي الممتد من معبر المصنع الحالي حتى شمال فلسطين المحتلة. اذن يتحدث اشتي عن حوالي خمسة قرون لم تكن الخرائط خلالها قد رسمت بعد، ولا المذاهب قد استقرت على معتقداتها على نحو كامل، وما عبرت عنه من مجتمعات وأفكار ومفاهيم وطقوس وعصبية تتحق من خلال التماسك الطائفي والمذهبي ما دون الدولتي والوطني والقومي بطبيعة الحال.