سياسة

السلطة والزبائنية والعلاقات الأهلية في لبنان   

الدكتور بول طبر

إن أحد شرايين السلطة في لبنان يتمثل في عملية تحكم زعماء سياسيين وأصحاب نفوذ إقتصادي واجتماعي بسبل توفير العمل والخدمات العامة والخاصة لمن يبادلهم الولاء السياسي والطاعة في المجتمع اللبناني. ويبدو أن هذا الواقع، أي ما يطلق عليه تعبير “الزبائنية”، يشكِّل العصب الأساسي لبناء السلطة في لبنان وإعادة إنتاجها. والسلطة التي أتحدث عنها تحمل أيضاً صفات وخصائص مميزة لا بدَّ من إبرازها أولاً لتحليل وفهم هذه السلطة، وثانياً، لإظهار حدودها ونقاش إمكانية الخروج منها وعليها.

إن علاقة التبادل المذكور تنتظمها ولاءات وعصبيات أهلية، أي عكس العلاقات المدنية السائدة في المجتمعات الليبرالية – الديموقراطية، وتمدها بطاقة متجددة تضاف إلى طاقة العصبيات الأهلية الخاصة بها والمستمدة من تموضعها في “حقل السلطة” المتواجد في المجتمع اللبناني. إن الطاقة الخاصة بالعصبيات الأهلية، كالعائلية والمناطقية والطائفية، تعود إلى قدرتها على انتاج التماسك حول الهويات الأهلية، وإخضاع من ينتمون إلى تلك الهويات إلى من يكتسب القدرة فيما بينهم على تمثيل تلك العصبيات والتكلم باسم المنتمين إليها، أي من يمتلك القدر الأوفر من “الرأسمال الإجتماعي – السياسي الأهلي”. وتتعزز تلك العصبيات أكثر فأكثر بقدرتها على التجسد في مؤسسات أهلية (عائلية ومناطقية ودينية، إلخ) ودخولها في علاقات “تبادلية” مع القوى المتحكمة بالدولة ومؤسساتها وبالثروة وبانتاج المعنى لما نقوم به ويدور من حولنا (أي “الرأسمال الرمزي”).

هكذا تنبني تشكيلة المجتمع اللبناني من عدة حقول من علاقات قوة متفاوتة بين من يملك القدر الأوفر من الرأسمال في كل من الحقل الإقتصادي والإجتماعي-السياسي والثقافي، من جهة، ومن علاقات قوة فيما بين المتحكمين برساميل هذه الحقول. ونظراً لسيادة الرأسمال الإجتماعي والسياسي الأهلي في حقل السلطة العام في لبنان، ينتفي الطابع المدني لعلاقات السيطرة ويحل مكانه الطابع الأهلي لعلاقات السيطرة المنتشرة في المجتمع اللبناني. ومن الخصائص الأساسية لعلاقات السيطرة الأهلية هو خضوع العصبية الأضعف للعصبية الأقوى على أساس الإحتفاظ بهوية كل منهما. لا بل ينبغي القول أن الشرط الضروري لقيام علاقات سيطرة أهلية (يطلق عليها إبن خلدون تعبير علاقات الإستتباع) هو الإبقاء والإحتفاظ بالهويات العصبية-الأهلية للأطراف المعنية.

هكذا تتركَّب “وحدة” المجتمع اللبناني من وحدات أهلية متمايزة ومتنوعة تتقاسم السلطة دون الوصول إلى جعلها تقوم على معايير موحدة ومتجانسة تتقاسمها طبقة حاكمة ذات توجه مدني. وأمام هذا الواقع المعقَّد للسلطة والدولة في لبنان، القائم على الزبائنية المؤطرة بالعلاقات الأهلية، نطرح السؤال حول التغيير في لبنان وإمكانية بناء مجتمع يتجاوز الهويات الأهلية أساساً ومرتكزاً للعمل السياسي والمؤسسات السياسية، كما للنشاط الإقتصادي والإجتماعي؟

قبل الجواب على هذا السؤال، أود أن أتطرق إلى بعض نتائج هذا الواقع على سلوك وتوجهات ابناء المجتمع اللبناني. يعاني اللبنانيون الذين لا يملكون القدر الكافي من الرأسمال الإقتصادي والإجتماعي-السياسي والثقافي، وإن بدرجات متفاوتة، من خضوعهم الكامل للإرادة السياسية للزعيم الذي ينتمي إلى جماعتهم وذلك حرصاً على تأمين فرص العمل وأغلبية الخدمات العامة (مثلاً، معاملات إدارية عامة) والخاصة التي يحتاجونها في حياتهم وحياة عائلتهم. ذلك أن سوق العمل والمؤسسات الخدماتية، العامة والخاصة، لا تتمتع بحرية كاملة عند تطبيقها للمعايير الخاصة بمصلحة ومنطق كل مجال من هذه المجالات.

والأمثلة لا تعد على ما نسوقه من كلام، من تدخل الزعيم وصاحب الرأسمال الإجتماعي (رجل دين، أصحاب وظائف عالية المكانة، أصحاب الوجاهة، إلخ.) في تسهيل وتوفير ما يحتاجه “المواطن” من عمل وخدمات. ونتيجة لهذه القيود التي يختبرها “المواطن” باستمرار في حياته، تتكرس لديه عدة صفات سلوكية ومعايير تتمحور جميعها حول السعي لكسب أكبر قدر من الخدمات والدعم مقابل تقديم الولاء الكامل لمقدمي هذه الخدمات، دون أن يعني ذلك عدم إمكانية سحب هذا الولاء وتقديمه لزعيم أو أي شخص آخر مقتدر منافس له ويمكن أن يوفر المزيد من الفرص والخدمات للمواطن المعني.

هكذا يتسم النشاط السياسي في أغلب الأحيان لدى عامة الناس بإنتاج الولاء غير المشروط للزعيم أو المقتدر بالمعنى الإجتماعي والإقتصادي، ولا يتبدل هذا الولاء إلا في حال نجاح الزعيم المنافس بتقديم ما لا يستطيع أن يقدمه الزعيم أو المقتدر السابق. وضمن طغيان هذا النمط من السلوك والمعايير السياسية، تتراجع أهمية المصلحة والمشاريع العامة وتتصدر المصلحة والخدمات الخاصة في مجال العمل السياسي في لبنان.  كذلك يتقلص مجال المساءلة ومحاسبة الزعيم السياسي لتنحصر في إطار ما يقدمه هذا الزعيم أوالمقتدر من منافع وخدمات تخص الفرد وعائلته، ولا تهتم بالمستوى ذاته بمساهمة هؤلاء في خدمة المصلحة العامة للمجتمع اللبناني. ولاء سياسي واجتماعي أعمى، لا يتبدل إلا نادراً عندما يتوفرلصاحب هذا الولاء ما هو بحاجة إليه ولا يستطيع زعيمه السابق القيام بتوفيره. على أية حال تبقى الخيارات المعروضة على عامة الناس محصورة ضمن العصبيات الأهلية التي يتوزعون عليها وضمن إطار المنافسة التي تحدث من داخل هذه العصبيات.

بالطبع، إن تحكُّم السلطة بفروعها المتنوعة وأصنافها الأهلية والدولتية بمختلف فئات الطبقة العاملة والطبقة الوسطى هو ليس تحكماً من دون مشاكل وأزمات (آخر هذه الأزمات كان الإنهيار المالي عام 2019 وتصاعد إفقار الطبقات الشعبية ،عمال ومزارعين وصغار الموظفين، والطبقة الوسطى، إلخ.). غير أن هذه السلطة تعتمد على عدة وسائل لمواجهة المشاكل التي تنتجها. ومن هذه الوسائل نذكر: تحميل الطرف الأهلي الآخر مسؤولية ما يحدث، وما ينتج عن ذلك من نزاعات تؤدي الى شدِّ “العصب” عند الأطراف الأهلية المتنازعة؛ تسهيل النزف المتواصل للرأسمال البشري عن طريق الهجرة المتواصلة للأدمغة وعامة الشعب بمختلف الوسائل الشرعية وغير الشرعية، لا سيما في السنوات الأخيرة؛ نشر وتعزيز سردية اللبناني الذي يحب “بطبيعته” المغامرة والسفر تحقيقاً لكسب الثروة والنجاح في بلاد الإغتراب؛ سد حاجة سوق العمل للعمال والمزارعين عبر استقدام اليد العاملة الأجنبية وإخضاعها لشروط عمل أكثر إستغلالاً من الشروط التي يواجهها العمال اللبنانيون، إضافة إلى حرمانهم من الحقوق المكتسبة لدى العمال اللبنانيين رغم محدوديتها (كالإلتزام بالحد الأدنى للأجور وحق العمل النقابي).

إضافة إلى ذلك، فإن المشاكل والأزمات التي أنتجها النظام السياسي والإقتصادي في لبنان قد أفرزت حركات نقابية وتنظيمات سياسية سعت على امتداد العقود التي تلت حصول البلد على استقلاله عام 1943، للنطق باسم الفئات المتضررة من النظام القائم في لبنان. غير أن جميع هذه الحركات والتنظيمات، إضافة إلى حراك 17 تشرين الأخير، 2019، لم تتمكن من تفكيك وتغيير بنية النظام الأهلي-الرأسمالي في لبنان، وعلى أثر كل ذلك، استطاع أرباب تلك البنية والقوى السياسية والفئات الإقتصادية التي يمثلونها من إعادة إنتاج النظام مع بعض التعديلات في إعادة توزيع المنافع والنفوذ بين زعماء المجموعات الطائفية الرئيسية في لبنان. بالمقارنة، فإن المكاسب لمصلحة العامة “للشعب” اللبناني وإقرار بعض الحقوق الخاصة بضحايا النظام الأهلي-الرأسمالي (كالحق في الضمان الإجتماعي وإقرار حق تقرير الحد الأدنى للأجور)، تبقى ضئيلة وغير كافية لتفكيك وتجاوز البنية الأهلية-السياسية للمجتمع اللبناني، وتحقيق درجة أعلى في لجم وتخفيض مستوى الإستغلال الإقتصادي للعمال والمزارعين وفئات واسعة من الطبقى الوسطى العاملة في لبنان.

أمام هذا الواقع والنتائج التي توصلنا إليها يبقى السؤال المحوري مطروحاً بإلحاح حول كيفية تغيير النظام الأهلي-الرأسمالي بالصيغة الراهنة التي توصلنا إليها، وننتظر رسم المعالم الأساسية لهذا المشروع على يد ضحايا هذا النظام والقوى الديموقراطية واليسارية في لبنان التي نطالب بتجديد دورها التغييري في هذا المجال وإعادة تحديده على ضوء الدروس المستخلصة من التجارب الماضية، وفي خضم التفاعل الفعلي مع الواقع الملموس للمجتمع والنظام اللبناني.