سياسة مجتمع

طيري يا طيارة طيري … فيروز في سماء غزة

*  الدكتور زهير هواري

بيروت 27 آب 2026 ـ بيروت الحرية

رفعت الحكومة الاسرائيلية قضية البالونات والطائرات الورقية إلى “مجلس السلام” العالمي، وأمهلته لثلاثة أيام تصبح بعدها في حل من أي مسؤولية، اذا لم ينجح -المجلس- في ايجاد حل لهذه المشكلة. وعليه بعدها تستطيع أن تنفذ تهديداتها وتقصف القطاع وتخلي المناطق المستهدفة من سكانها. لا سيما الأحياء التي تنطلق منها الطائرات الورقية والبالونات. في اليوم نفسه تقريبا ومع غياب العلاقة بين اطلاق هذه الألعاب وبين محطات تكرير المياه، أغارت الطائرات الحربية الاسرائلية على محطة لتحلية المياه في منطقة الشيخ رضوان في القطاع. وبالطبع هنا لم تجد اسرائيل  ضرورة لتقديم “مظلمتها” للمجلس، فتتحدث فيها عن الانتهاكات والتهديدات، التي تتعرض لها القوات الاسرائيلية في القطاع من قبل المحطة. القطاع الذي باتت وبموجب العلامات الصفراء حدود نفوذها وسيطرتها مرسّمة على ما بين 70 إلى  72 % من مساحته . وعليه فقد حشرت أكثر من مليونين ونصف المليون من أهله في المساحة المتبقية على طريقة التشبيه السائد للمناطق المكتظة، وتحويل المقيمين المتراصين فيها إلى سمك سردين مضغوط في علب معدنية مع قليل من الزيت والحر وماشابه.

مع ذلك هناك علاقة بين الطائرات الورقية والبالونات ومحطة تحلية المياه. القيادة الاسرائيلية التي انبرت لاصدار التهديدات بدءا من رئيس الحكومة نتنياهو إلى كاتس وغيرهما. كلاهما وسواهما من قادة “واحة الديمقراطية” في الصحراء العربية، يعتبرون أن على أطفال غزة أن يستبدلوا الألعاب بالطائرات الورقية بما تبقى من هياكل عظمية تحت أنقاض البيوت والأحياء التي تم تدميرها مرة ومرات. وأن ينظروا إلى الركام أمام عيونهم، بدل النظر إلى السماء. أي إلى الرمل الذي يقود خطاهم نحو الخروج من الشريط الذي يضغط على رقابهم بما يشبه حبل المشنقة.

وهذا غيض من فيض مما يجري في القطاع والضفة، واليومي في أوضاعهما يتمثل في القصف والغارات والاغتيالات ونصب الحواجز وحصار القرى وحرق المزارع وتدمير البيوت التي تستهدف الأحياء وتقود إلى مزيد من الضحايا، وإرغام الباقين على قيد الحياة على التفكير في الرحيل وترك البيوت لقطعان المستوطنين – المستذئبين. وكأن سقوط أكثر من 80 ألف ضحية وأكثر من ضعفها من الجرحى ليس بكافٍ. المعدل اليومي للضحايا كحركة البندول يرتفع ينخفض تبعا لرغبة القيادة العسكرية، لكنه رغم الإنخفاض يتراوح بين 6 و15 شخصا وهو رقم ليس بالقليل. وبالطبع بينهم أطفال ونساء وشيوخ. والمعروف أن هناك الكثير من الغارات غير العشوائية. ولكن الغريب الذي تقدمه اسرائيل لتبرير الاغتيالات التي تنفذها، والشائع في أدبيات وبيانات وسائل الاعلام الاسرائيلية هو القول إن فلانا أو فلانا كان ينوي تهديد الجيش وتجاوز العلامات الصفراء. أي أنهم دخلوا في تلافيف عقله الداخلي فاكتشفوا نواياه المبيتة لذلك كان لا بد من قتله.

غير مسموح لأطفال غزة الذهاب إلى المدرسة حتى ولو كانت مجرد خيمة من دون امكانية الحصول على كتب ودفاتر وأقلام تلوين، ولا اللعب في ساحات عامة ولا السباحة على الشاطىء، ولا الحصول على دولاب قديم وتكريجه على رمل الطرقات، ولا شراء دراجة أو لعبة مهما كان سعرها زهيد، مادام الأب عاطل عن العمل، والنقود لا تجد طريقها إلى الأيدي والجيوب، وإن وجدت ستذهب نحو الضروريات من مأكل ومشرب وأدوية. وهذا وذاك مما لا يتوافر الا بمعاناة في منطقة مزنرة بالدبابات بمدافعها المصوبة نحو البيوت والحارات، ناهيك بالأكواخ المصنوعة من اقمشة ممزقة تتلاعب فيها رياح الشتاء ولهيب الصيف.

يسأل الاسرائيليون لماذا يكرهنا الفلسطنيون والعرب بالتالي. ولا يسألون أنفسهم ماذا فعلوا بهؤلاء صغارا وكبارا وعلى امتداد تاريخ كي لا يكرهونهم. ماذا فعلوا بهم تمزيقا لأجسادهم وتشريدا وحرمانا من الطعام والشراب والتعليم واللعب. أليس قرار اسرائيل بمنع الطائرات الورقية نوع من أنواع وأد احلام الصغار هؤلاء. لا يُستغرب غدا أن تمنع القوات الاسرائيلية أسراب الحمام أن تطير فوق سماء غزة والضفة وجنوب لبنان ما دامت تشكل تهديدا لكيان يتباهي قادته أن هيمنتهم الجوية تبدأ من الاراضي المحتلة، ولا تنتهي في طهران بالأمس وربما استانبول وأنقرة غدا. أما لبنان وسوريا والاردن والعراق فمن باب تحصيل الحاصل.

والعقاب المعروض يتجاوز الأطفال، أطفال غزة والضفة وجنوب لبنان ليصل إلى المسؤولين عنهم. وما على الآباء سوى تنفيذ الأوامر بحرمان أبنائهم من تصنيع وتطيير الطائرات الورقية التي تحمل ألوان علم فلسطين. أي أن المطلوب من الآباء والأمهات أن ينصبوا أنفسهم أجهزة بوليس ورقابة، وقيمين وقيمات على ما يخطط له صغارهم، والاطمئنان إلى سلامة نواياهم تجاه دولة وكيان وجيش طاردهم لأشهر وسنوات وعقود وطردهم من ديارهم إلى “المرملة” التي يعيشون عليها. ثم من شمال القطاع والضفة إلى جنوبة ومن شرقه إلى غربه، وأباد قسما لا يستهان به من سكانه بمن هم آباء وأمهات وأخوة وأخوات وأعمام وخالات وأجداد. هؤلاء الاطفال، الذين باتوا مهددين هذه الأيام بفقدان حقهم في النظر إلى قرص الشمس، والحصول منه على قدر من ضوء الأمل لجلاء هذا الليل الصهيوني الرهيب ، الذي يراهن أن ما يمارسه باق إلى الأبد، لا لسبب إلا لأن الرب يهوه منحه حق الفتك بالبشر والحيوان والحجر، و”أباح له هذه الأرض بمن وما عليها وما يطال كل مكان وطئته باطن أقدامك”.

وهنا لا بد وأن نشير إلى أنه على الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل عام تقريبا، أي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، برعاية “الحاكم بأمره الأعلى” دونالد ترامب وحكومة ومبعوثي الولايات المتحدة، والذي وضع حداً للأعمال القتالية الكبرى في القطاع المدمر، لم تتوقف اسرائيل ولو يوما واحد عن متابعة الهجمات المستمرة من جانب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين على غزة والضفة الغربية، ضمن قرار واضح قوامه مواصلة حرب الإبادة كمدخل للتهجير الذي تعتزمه، والذي يصطدم بالاصرار على بقاء الناس فوق رمال باتت مجبولة بدماء ولحوم وعظام الشهداء المعلومين والمجهولين من أهلهم وأقاربهم.

على أي حال لن تستطيع اسرائيل أن تمنع اطفال فلسطين ولبنان وغيرهم وغيرهم أن يستمعوا إلى أغاني فيروز، بينما صوتها يطيِّر الطائرات الملونة فوق سماء تخفق بصوتها أجنحة سنونو وخطاف ونوارس ويمام، وايدي اطفالها تمسك بالخيطان الطويلة تشد عليها وترخي لها المجال لتعبث في سماء واسعة. صوت فيروز وأحلام هؤلاء الأطفال أقوى وأبقى من طنين المسيَّرات وهدير الطائرات الحربية التي تنتهك حرمة السماء ومن فيها من أوجاع وألحان وشمس وقمر ونجوم ليل.