* فاديا جمعة
من الناحية التاريخيّة، يقول الباحث والمؤرّخ والأكاديميّ منذر جابر: ”هذه القلاع هي آثار إسلاميّة نشأت في مواجهة مرحلة صليبيّة، وليست بالضرورة آثارًا شيعيّة عامليّة بالمعنى الذي نتصوّره اليوم. أُنشئت في جبل عامل ضمن منظومة دفاعيّة مرتبطة بالصراع على بيت المقدس، الذي كان في تلك المرحلة تحت سيطرة الصليبيّين“.
ويضيف: ”إذا أجرينا مقارنة بين الشريط الحدوديّ لإسرائيل اليوم، الممتدّ من قلعة شمع إلى قلعة حاصبيّا، مرورًا بقلعة مارون في دير كيفا، وقلعة تبنين وهونين وراشيّا (الوادي)، نجد أنّه يكاد يكون هو نفسه الشريط الحدوديّ الصليبيّ الذي كان الصليبيّون يدافعون من خلاله عن بيت المقدس. أيّ أنّنا أمام خطّ جغرافيّ واحد تقريبًا، استُخدم عبر قرون، للدفاع عن حدود ومراكز استراتيجيّة مختلفة“.
ويتابع: ”بقي هذا الشريط صالحًا عسكريًّا لما يقارب ألف سنة، لأنّ طبيعة السلاح لم تتغيّر جذريًّا خلال تلك الفترة. أمّا اليوم، ومع تطوّر الأسلحة وظهور المسيّرات والصواريخ ووسائل الحرب الحديثة، فقدت هذه القلاع دورها العسكريّ التقليديّ، ولم تعد التحصينات الحجريّة قادرة على أداء الوظيفة التي أُنشئت من أجلها“.
ويؤكّد أنّ ”هذه القلاع الموجودة في المنطقة العامليّة استفاد منها العامليّون خلال مراحل لاحقة. وأصبحت مهاجمة هذه القلاع مكلفة عسكريًّا، لأنّ القوّة الموجودة فيها كانت قادرة على الاعتصام والتحصّن خلفها. لعبت هذه القلاع دورًا في تقوية الموقف العامليّ الشيعيّ في مواجهة صدامات مع مجتمع درزيّ ومسيحيّ في لبنان، ومع مجتمع سنّيّ في شمال فلسطين. لكنّها كانت تفقد جزءًا من هذا الدور عندما كانت تنشأ تحالفات مع القوى الموجودة في الشمال الفلسطينيّ، كما حصل في مراحل الظاهر عمر وناصيف النصار“.
من يملك الشيء ينسَ قيمته
”لا يمكن أن نقول إنّها أصبحت آثارًا وطنيّة بالمعنى الحقيقيّ لمجرّد أنّنا نطلق عليها هذا الوصف. نحن نسيناها“، يقول جابر.
ويضيف ”إذا أردنا أن نقيس القيمة الوطنيّة الحقيقيّة لأيّ أثر، فعلينا أن ننظر إلى سلوك الناس تجاهه، لا إلى الكلام الإنشائيّ الذي يقال عنه. ويمكن إجراء مقارنة بسيطة: إذا أحصينا عدد الزائرين من أبناء المناطق المحاذية لهذه القلاع، وهي قلاع
قريبة ومتاحة للجميع، سنجد أنّ الناس مستعدّون لقطع مسافات طويلة من أجل زيارة بعلبك وقلعتها، بينما لا يزورون القلاع الموجودة على مقربة منهم“.
ويشير إلى أنّ ”معنى ذلك أنّ هذه القلاع لم تعد تمثّل بالنسبة إلى شريحة واسعة من العامليّة والشيعة الجنوبيّين قيمة أثريّة أو وطنيّة حقيقيّة. وربّما أصبحت، في بعض الحالات، مجرّد وسيلة للمباهاة المحلّيّة أو للتوازن بين أهالي القرى والمناطق“.
ويتابع: ”ومع ذلك، هناك دلالة لافتة تستحقّ التوقّف عندها. رأينا في الأخبار خبر مقتل عالم آثار إسرائيليّ زائيف آرليخ في شمع. وهذا يعني أنّ موقع شمع، وشمعون الصفا، يمثّلان بالنسبة إلى الإسرائيليّ قيمة تاريخيّة وقوميّة أكبر بكثير ممّا تمثّل قلاعنا بالنسبة إلينا“.
أين الحماية من الإهمال؟
ويرى جابر أنّه ”مثلما هناك إحصاء يعود إلى العام 1965، قرأته، يشير إلى أن 65 في المئة من أهالي صيدا لم يكونوا يزورون قلعة صيدا ولا يعرفونها. وهذا الرقم، إذا صحّ، يكشف حجم الانفصال بين المجتمع وبين آثاره. وهو أمر لا ينطبق فقط على قلعة صيدا، بل يمكن أن يكون مؤشّرًا على علاقتنا العامّة بالتراث والآثار“.
ويشير إلى ”أنّنا شهدنا حالات كثيرة يصبح فيها الأثر أو القلعة ذا قيمة وطنيّة بالنسبة إلى شخص بعيد منها جغرافيًّا، بينما يتحوّل بالنسبة لدى المقيم بجانبها إلى عبء أو لعنة. وهذه مفارقة خطيرة، لأنّها تعني أنّ المكان الذي يفترض أن يكون جزءًا من هويّة الناس يصبح شيئًا غريبًا عنهم“.
ويوضح جابر: ”لهذا السبب، وللأسف، لم نحافظ على هذه الآثار والقلاع، ولم نزُرها، ولم نستثمر فيها، ولم نربِّ أولادنا في المدارس على زيارتها والتعرّف إليها. لم نعطهم فرصة ليبنوا علاقة حقيقيّة معها“.
ويطلق جابر مجموعة أسئلة ”الانتماء إلى الأثر لا يصنعه الكلام. لا يكفي أن نقول إنّ هذه القلعة وطنيّة أو إنّ هذا الموقع جزء من تاريخنا. ما يثبت الانتماء هو السلوك: فهل نزور المكان؟ هل نحافظ عليه؟ هل نعرف تاريخه؟ هل نعلّمه لأولادنا؟ هل نطالب الدولة بحمايته؟ هل نستخدمه في حياتنا الثقافيّة والسياحيّة؟“.
قيمة تاريخية بلا حسّ وطنيّ
يأسّف جابر إلى أن ”هذه الآثار والقلاع لا تملك اليوم قيمة وطنيّة يفترض أن تكون لها، ولا حتّى قيمة سياحيّة يمكن أن تحقّقها لو جرى الاستثمار فيها. والدولة نفسها لم تستثمر فيها بالشكل الكافي، والمجتمع لم يطالب بذلك بجدّية“.
ويعتبر أنّ ”إدراج هذه القلاع على أيّ لائحة تراثيّة أو وطنيّة لن تكون له قيمة كاملة إلّا إذا صدر عن شعور جماعيّ حقيقيّ لدى الناس تجاهها. أمّا أن يأتي الإدراج من النُخب والمثقّفين فقط، في حين تبقى القلاع غريبة على سكّان المناطق المحيطة بها، فهذا يشبه إلى حدّ كبير ‘فاكهة المثقّفين‘. وأنا لست ضدّ هذا الإدراج بالطبع، بل على العكس، لكنّ المشكلة في أنّ الناس ما زالت غريبة عن هذه الآثار“.
ويختتم حديثه لـ “مناطق نت“ مؤكّدًا أنّ ”القيمة الحقيقيّة للتراث لا تُصنع بالقرارات وحدها، بل بالعلاقة التي يبنيها المجتمع معه. وإذا لم يشعر الناس بأنّ هذه القلاع جزء من ذاكرتهم وهويّتهم، وإذا لم يزوروها ويحموها ويورثوا معرفتها لأبنائهم، فستبقى مجرّد حجارة تاريخيّة، مهما كان تاريخها عظيمًا“.
* تم النشر بتاريخ 18 آب 2026 على موقع مناطق.نت
