* هشام دبسي
الانتصار الاسرائيلي في حرب حزيران، واحتلال قطاع غزة مجدداً، أزاح كابوس النظام المصري عن جماعة الاخوان المسلمين، بعد صراع فجّرته حادثة محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر، في منشية الاسكندرية عام ١٩٥٤، وقتها اتّهمت السلطات المصرية “الجماعة” بتدبير المؤامرة، وشنّت حملة اعتقالات واسعة، شملت أبرز القادة ومنهم سید قطب، المنظر الأول لفلسفة الاسلام السياسي في السلطة.
بعد عقدٍ من الزمن، وبوصول عبد السلام عارف للرئاسة في العراق، نجح في الوساطة للقيادي سيد قطب وتم الافراج عنه، إلا أن الأمر لم ينتهِ بالمصالحة، وقبض عليه مجدداً بتهمة انشاء تنظيم سري لإسقاط النظام المصري بالقوة، وصدر بحقه حكم الاعدام، إلا أنه رفض الاسترحام لتخفيف الحكم، وهكذا تم شنقه في 29 / آب / اوغست من عام 1966.
بعد اشهر من هذا الحدث، احتلّت اسرائيل قطاع غزة مرة ثانية.
لقد كانت هزيمة النظام المصري، عنواناً لاستنهاض جماعة الاخوان المسلمين في المدن الفلسطينية، وتحديداً في الاراضي المحتلة الجديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث نشطت “الجماعة “، بصفتها حركة دعوية تستهدف إصلاح الفرد والمجتمع، وبنت شبكة مساجد ومدارس وجمعيات خيرية، ولم تطرح أي برنامج سياسي للناس سوى الدعوة للإصلاح والعودة للدين وفق المنظور والتفسير الذي تتبناه.
في الوقت نفسه، اتّجهت الحركة الوطنية الفلسطينية لنظرية الكفاح المسلح طريقاً التحرير فلسطين، من داخلها وعبر الحدود من دول الطوق، أي مصر والاردن وسوريا ولبنان.
وعلى الرغم من سيطرة الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية على المشهد العام، والتأييد الشعبي الذي حصلت عليه في الشرق الاوسط عموماً، إلا أن الجماعة الاسلامية كانت مثابرة على عملها البطيء، مستفيدة من سياسة غض النظر الاسرائيلية، التي وصلت إلى حد الاستحصال على تراخيص من جيش الاحتلال لعمل ونشاط مؤسساتها.
لقد اعتمدت “الجماعة ” في نشاطها الدعوي على اولوية بناء الفرد والمجتمع وفق منظور اسلامي خاص، وتفسير للتعامل مع جيش الاحتلال، لا يتطلب أي مواجهة، كما تدعو لها قوى الحركة الوطنية العلمانية اليسارية والقومية، وبهذا شكلت بيئة خاصة بها معزولة عن غالبية المجتمع الفلسطيني، كما صارت ملاذ آمنا لمن لا يريد تحمّل تبعات المواجهة المسلحة والعنيفة التي تمارسها الفصائل التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولذلك لم يظهر في خطابها العام، وسلوك قادتها وعناصرها ما يضعها في خانة مواجهة الاحتلال، وعلى هذا المنوال راكمت نفوذها بشكل بطيء وتدريجي.
مضت عشرون عاماً طوّرت الجماعة آليات عملها الداخلي بهدوء وسلامة، وراكمت رصيدها في العمل المنظم النخبوي والدؤوب، بمساعدة كبيرة من تنظيمات جماعة الاخوان الدولية، وكذلك مارست نوعاً من المشاركات الفردية للراغبين في القتال في المعارك الكبرى التي خاضتها منظمة التحرير، لكن عبر هياكل عسكرية لا صلة لها بالجماعة مثل “جيش التحرير الفلسطيني” او “قوات العاصفة” او أسماء لا تُلزِم جماعة الاخوان بأي مسؤولية مباشرة عن مشاركة افراد منها في أي معركة مهما كانت كبيرة او صغيرة.
واستمر هذا الحال إلى لحظة انفجار “انتفاضة الحجارة ” – عام ١٩٨٧ حيث بدأت مشاركتها المباشرة والمعلنة لكن بعيداً عن القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة.
في هذا الحدث الكبير، أطلقت “جماعة الاخوان” تنظيمها الجديد تحت مسمى “حركة المقاومة الاسلامية” “حماس “، ولاحقاً شكّلت جناحها العسكري المعروف “بكتائب عز الدين القسام”. وهو اول تحوّل من حركة دعويّة، اجتماعيّة إلى حركة سياسة مستقلّة، تحفر مجرى خاصا وجديدا بعيداً عن الحركة الوطنية العلمانية. من هنا تبدأ إشكالية جديدة أمام الفلسطينيين، من خلال صعود مركز له تشخيص مختلف تماماً لنظام المصلحة الفلسطينية، ومتعارض كلياًّ مع الاتجاه المركزي الذي مثلته منظمة التحرير خلال اربعة عقود. وإن مسائل الخلاف ليست محدودة، بل تشمل قضايا الخلاف كل كبيرة وصغيرة. وعلى هذا بدأ الانشقاق الكبير في إنتاج السياسات المعبرة عن نظام المصلحة الفلسطينية، وهو انشقاق أعمق من أي انشقاقات شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث طالت سكين التفرقة المجتمع الفلسطيني نفسه، عموديّاً ووصلت بأسرع وقت إلى نقاباته واتحاداته وهيئاته الشعبية في كل مكان. ولم يحدث ان وصلت لجنة نقابية على مستوى طلاب في الجامعات إلى صيغة عمل نقابية مشتركة.
ذلك ليس لعدم توافر قدرة على الاتفاق وانما لعدم وجود سياسة تسمح بالاتفاق على برنامج نقابي بسيط على الرغم من عشرات المحاولات للحوار وإنتاج ما يمكن الاتفاق عليه، لكن سرعان ما يتبخر على قاعدة الخلاف حول الجهة المخوّلة بإنتاج نظام المصلحة الفلسطينية.
الانعطافة الحاسمة
خلال السنوات الخمس التي فصلت بين إعلان «اتفاق أوسلو» وتأسيس حركة حماس، بشعاراتها التي استحضرت، في بعض جوانبها، منطلقات حركة فتح الأولى، وقع الحدث الجديد بمثابة زلزال سياسي غير مسبوق في الحالة الفلسطينية، على المستوى الشعبي والفصائلي، وداخل النخب السياسية والفكرية أيضاً.
فقد عجزت القيادة الفلسطينية الرسمية عن تقديم تحليل سياسي مقنع يفسّر دوافع إبرام الاتفاق، على المستويين الدولي والإقليمي، كما لم تنجح في شرح الدور الذي يمكن أن يؤديه «اتفاق أوسلو» في تلبية الاحتياجات والأولويات الملحّة للفلسطينيين في الوطن والشتات.
لذلك انقسم الموقف الفلسطيني العام بين مؤيد ومعارض. ويمكن القول إن جانباً مهماً من التأييد داخل حركة فتح استند إلى الثقة الكبيرة التي كان يحظى بها الرئيس ياسر عرفات، أكثر مما استند إلى شرح طبيعة هذه الانعطافة وأهميتها، ودورها المفترض في تصحيح مسار النضال الوطني.
كان جوهر الانعطافة، كما قدمتها القيادة الفلسطينية، هو العودة إلى جغرافية الوطن، وبناء كيان فلسطيني معترف به دولياً، باعتباره خطوة في طريق الاستقلال؛ الأمر الذي كان يفترض انتقال الحركة الوطنية من مرحلة حركة التحرر المسلحة إلى مرحلة الحركة الاستقلالية، التي تعتمد بصورة أساسية على النضال السياسي والسلمي، وتتخلى عن العنف المسلح باعتباره وسيلة للعمل الوطني. وهذا ما أعلنه الرئيس عرفات ووقّع على التزاماته في الوثائق التي ارتبطت بالاتفاق.
ومن هنا، لم يكن غريباً أن تعتبر قوى المعارضة القومية واليسارية داخل منظمة التحرير اتفاق أوسلو خروجاً على مبادئ الثورة وتراجعاً عن أهدافها. وفي هذا المناخ وجدت حركة حماس ضالتها السياسية، وذهبت أبعد من ذلك في توصيف الاتفاق، فاعتبرته خيانة وطنية ودينية، انطلاقاً من التصور الإخواني لفلسطين باعتبارها أرضاً إسلامية موقوفة، لا يملك أحد حق التنازل عن أي جزء منها.
وعلى هذا الأساس، أصبح إسقاط اتفاق أوسلو محوراً أساسياً في البرنامج السياسي لحماس، وبدا أن كل ما عداه يأتي في مرتبة لاحقة. إلا أن الممارسة السياسية للحركة كشفت، منذ وقت مبكر، عن مسارين متوازيين:
الأول، الاستفادة القصوى من النتائج التي أتاحها الاتفاق على الأرض، وفي مقدمتها عودة آلاف الفلسطينيين إلى الوطن، وقيام هامش واسع من الحريات السياسية والعمل العلني، وإمكانية بناء مؤسسات حزبية وتنظيمية بعيداً عن سلطة الاحتلال المباشرة، فضلاً عن الاستفادة من الخدمات التي وفرتها مؤسسات السلطة الوطنية في مجالات الصحة والتعليم وسائر المؤسسات والهيئات العامة.
وقد تعاملت الحركة مع هذه المكاسب باعتبارها حقوقاً فلسطينية مكتسبة، لا باعتبارها نتائج مباشرة لاتفاق أوسلو.
وفي السياق نفسه، انتقلت حماس تدريجياً من موقف ديني كان يحرّم المشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية، إلى موقف يجيز المشاركة فيها عندما أصبحت نتائجها السياسية والتنظيمية تخدم مصالح الحركة وتمنحها حضوراً مؤسسياً وشعبياً أوسع.
أما المسار الثاني، فتمثل في استمرار تخوين القيادة السياسية التي أنتجت اتفاق أوسلو، مع إبقاء قنوات الحوار معها مفتوحة عند الحاجة، بهدف تحقيق المزيد من المكاسب السياسية والتنظيمية، مستفيدة من سياسة الاحتواء التي اعتمدها الرئيس الراحل ياسر عرفات، والتي أبقت أبواب السلطة مفتوحة أمام مشاركة حماس، من دون اشتراطات سياسية قاسية.
وقد تجاوزت السلطة، في مراحل مختلفة، شرط وقف العنف بصورة حاسمة، رغم أن الالتزام بنبذ العنف كان جزءاً أساسياً من الالتزامات الفلسطينية التي قامت عليها عملية الاعتراف الدولي بالسلطة الوطنية.
وفي المقابل، استمرت العمليات المسلحة، وخصوصاً العمليات الانتحارية، في توقيتات سياسية شديدة الحساسية؛ إذ كانت تأتي أحياناً عشية الانتخابات الإسرائيلية، أو بالتزامن مع زيارات الموفدين الدوليين، الأمر الذي جعلها عاملاً مؤثراً في السياسة الإسرائيلية وفي صعود القوى اليمينية والصهيونية الأكثر تشدداً.
ومن هنا بدأت تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي فكرة مفادها، أن العمليات التي تنفذها حماس تمنح القيادات الإسرائيلية المتشددة، مثل أرييل شارون وبنيامين نتنياهو، فرصة سياسية جديدة، وتعيد ترتيب أولويات المجتمع الإسرائيلي حول الأمن والعنف بدلاً من التسوية السياسية.
وهكذا بدأ التطرف الديني الفلسطيني يؤدي، بصورة غير مباشرة، دوراً في تغذية التطرف الإسرائيلي، والعكس صحيح. وتحولت الأصولية الدينية، من خلال حركة حماس، من مجرد خطاب دعوي وأيديولوجي إلى تنظيم سياسي وعسكري قادر على التأثير المباشر في مسار الصراع، ودفع الحالة الفلسطينية مجدداً نحو مربع العنف المسلح.
ولم يتوقف تأثير ذلك عند حدود الحركة الإسلامية، بل ساهمت أجواء العنف المتصاعد في إعادة تنشيط نزعات مسلحة لدى بعض التيارات القومية واليسارية، كما امتد تأثيرها إلى بعض الكوادر القيادية في حركة فتح، وإلى اتجاهات واسعة بين أنصار الحركة وتنظيماتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وهكذا تهيأت البيئة السياسية والاجتماعية التي سبقت الانتفاضة الثانية، والتي سرعان ما تخلت عن نموذج الانتفاضة الأولى القائم على العصيان الشعبي والمقاومة المدنية، وانتقلت إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، شاركت فيها قوى فلسطينية متعددة. وبذلك لم تعد الانتفاضة الثانية مجرد امتداد للانتفاضة الأولى، بل تحولت تدريجياً إلى نموذج مختلف في أدواته ونتائجه، حيث تداخل العنف الفلسطيني المسلح مع العنف الإسرائيلي العسكري والاستيطاني. ودخل الطرفان في دائرة تصعيد متبادل كان الشعب الفلسطيني هو الخاسر الأكبر فيها، بعدما دفع أثماناً باهظة من الأرواح والممتلكات، وتراجعت فرص التسوية السياسية، وتعززت في الجانب الإسرائيلي القوى التي ترى في القوة العسكرية والاستيطان بديلاً عن التسوية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فقد بدأت مرحلة أوسلو باعتبارها محاولة للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، لكنها انتهت، خلال سنوات قليلة، إلى إعادة إنتاج منطق الصراع المسلح، وإن بأشكال وأدوات جديدة، الأمر الذي فتح الطريق أمام مرحلة أكثر قسوة في التاريخ الفلسطيني الإسرائيلي.
* تم النشر بتاريخ 11 آب 2026 على موقع
