* ماركولويجي كورسي
لكل جيل لحظات فارقة ترسم ملامح مستقبله. أما بالنسبة إلى شباب لبنان وشاباته، فقد أصبحت هذه اللحظات جزءاً من حياتهم اليومية.
لقد نشأ كثير منهم في ظل أزمات متتالية ومتداخلة، وأصبحت حالة عدم الاستقرار خلفية دائمة لسنوات مراهقتهم وبدايات حياتهم. ومع ذلك، فإن القدرة على الصمود، مهما بلغت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الفرص.
لبنان بلد شاب. فحوالي 44 في المئة من سكانه، البالغ عددهم نحو ستة ملايين نسمة، هم دون سن الرابعة والعشرين. وهذا يجعل الشباب من أهم موارد هذا البلد، وأهم استثماراته في المستقبل.
لكن حتى قبل التصعيد الأخير، كان الشباب والشابات يواجهون عوائق كبيرة أمام بناء حياة آمنة ومستقرة. ففي عام 2022، بلغت نسبة البطالة بين فئة الشباب 47.8 في المئة، أي أكثر من ضعف المعدل الوطني، في ظل الانهيار الاقتصادي، وتدهور قيمة العملة، وإقفال عدد كبير من المؤسسات. وكانت الشابات يواجهن عوائق أكبر، إذ إن نحو ثلثهنّ لم يكنّ منخرطات في العمل أو أي نوع من التعليم أو التدريب.
واليوم، أصبحت الرحلة من التعليم إلى العمل، ومن الاعتماد على الآخرين إلى الاستقلال، ومن عدم اليقين إلى الأمل، أكثر مَشقّة.
فيكشف إستطلاع حديث لليونيسف شمل شباباً وشابات تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً حجم الضغوط التي يعيشونها. فقد أفاد 95.4 في المئة من المشاركين بأنهم يشعرون بالحزن أو الاكتئاب، ولو أحياناً. ولا تعكس هذه النسبة تحدياً متعلقاً بالصحة النفسية فحسب، بل تعبّر أيضاً عن التداعيات النفسية لأعوام من الأزمات وعدم اليقين، والضغوط المالية، والصدمات المتكررة. وراء هذه الأرقام شباب يتحمّلون مسؤوليات تجاه عائلاتهم، فيما يكافحون في الوقت نفسه للطموح بمستقبل مستقر لأنفسهم.
والتعليم، الذي كان إحدى أقوى ركائز لبنان، يواجه بدوره ضغوطاً متزايدة. فـ22.2 في المئة فقط من فئة الشباب الذين شملهم الاستطلاع يتابعون حالياً تعليمهم في المدرسة أو الجامعة، فيما شكّلت العوائق المالية السبب الرئيسي وراء عدم إلتحاقهم بأي نوع من التعليم.
هذه التحديات مترابطة بعمق. فالضائقة الاقتصادية تحدّ من الوصول إلى التعليم. وانقطاع التعليم يضيّق فرص العمل. والبطالة تزيد من الضغوط النفسية. أما التعرّض للصراع وعدم الاستقرار فيفاقم هذه الضغوط جميعها. ومن دون تحرّك متكامل، ستستمر هذه الأزمات في تغذية بعضها بعضاً.
وتشير الأرقام بوضوح إلى المجالات التي تحتاج إلى تحرّك عاجل. فنحو 80 في المئة من الشباب يقولون إن المساعدة النقدية هي حاجتهم الأكثر إلحاحاً، فيما يقول أكثر من أربعة من كل خمسة إنهم غير قادرين على تحمّل تكاليف المدرسة أو الجامعة.
ما يحتاج إليه الشباب هو دعم مالي مستدام، وفرص تعليم وتدريب ميسّرة، ومسارات آمنة نحو العمل اللائق، وخدمات متخصصة في الصحة النفسية والدعم النفسي -الاجتماعي تستجيب لاحتياجاتهم.
هذه الاستثمارات ليست مجرد أولويات إنسانية، بل هي أساسية لتعافي لبنان. فالشباب ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى الدعم، بل هم جزء أساسي من الحل. ففي مختلف أنحاء البلاد، يواصلون مساندة عائلاتهم، والتطوع في مجتمعاتهم، وابتكار الحلول رغم التحديات الهائلة التي يواجهونها. وإذا أتيحت لهم الفرصة، يمكنهم أن يكونوا قوّة دافعة للابتكار، وأن يعزّزوا التماسك الاجتماعي، وأن يساهموا في التعافي الاقتصادي.
ولعلّ أكثر ما يدعو إلى الأمل في هذه النتائج هو أنّ، رغم إعلان أكثر من نصف الشباب والشابات الذين شملهم الاستطلاع عن نيتهم الهجرة، فإن نحو 69 في المئة منهم يقولون إنهم سيختارون البقاء في لبنان إذا تحسّنت الظروف.
شباب وشابات لبنان لا يديرون ظهورهم لبلدهم. إنهم يبحثون عن الفرص التي تتيح لهم بناء مستقبلهم في أرضهم.
بمناسبة اليوم العالمي للشباب، يبرز أمام الحكومة اللبنانية وكل مؤتمر للمانحين اختبارٌ واضح: هل سنوفّر للشباب ما يحتاجون إليه؟
اليونيسف في لبنان على استعداد للعمل مع الحكومة والشركاء لتقديم هذا الدعم بالحجم الذي يحتاج إليه الشباب. فما سيأتي لن يتحدد بمدى استعداد الشباب لمواصلة تحمّل الصعوبات، بل بمدى استعداد لبنان والمجتمع الدولي للاستثمار في الفرص والخدمات والدعم التي تمكّنهم من بناء مستقبلهم في وطنهم.
* ممثل اليونيسف في لبنان
* تم النشر بتاريخ 12 آب 2026 في جريدة النهار
