الدكتور زهير هواري*
إظهار الملخص
ما توقفنا عنده قبلاً على صعيد غياب العقد الوطني المشترك بين مواطني مجتمعات الدول يعبّر عن خللٍ فادحٍ في الفضاء الإجمالي، لكن تحت مظلته تكمن إشكالات كثيرة تتطلب المعالجة. وممّا لا شك فيه أنّ القطاع التعليمي في معظم الدول العربية، وإن بتفاوت، يواجه جملة من التحديات التي تحدّ من قيامه بدوره التنموي، ودفعه المجتمعات نحو التقدم في المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية. ومثل هذه الإشكالية مستنسخة عن مرحلة التعليم التلقيني -الببغائي- المستمرة، إذ يتولى المعلم القيام بدور ووظيفة الملقّن لطلابه، ما يجعل منهم مجرد حَفَظَة للمواد التي تعرض عليهم في مناهج سقيمة، من دون إدراك منطق المواد التي يشرحها لهم المدرّس. وهو منحى يحافظ عليه المعلم والمتعلّم طوال العام حتّى موعد الامتحان المدرسي أو الرسمي لنيل الشهادات التي تنقلهم إلى مراحل أعلى. وبعد إفراغ ما جرى تلقينه لهم على الورق، ينسون كل ما عُرض عليهم من موادّ ودروس. إنّ وضعاً على هذا النحو له تأثيرات كارثية على المستوى العقلي للتلاميذ الذين يصبح جلّ همّهم ليس أكثر من الحفظ، بينما المطلوب من التلميذ أن يعمد إلى تشغيل عقله من خلال التحليل والربط والمقارنة والنقد وصولاً إلى الإبداع الذاتي. إنّ نجاح تلاميذ الشهادات المتوسطة والثانوية، ميكانيكياً في الغالب، يعبّر في الواقع الحقيقي عن فشل في النظام التربوي الذي يكتفي بأبسط المستويات والمجهودات العقلية المطلوبة.
ولعلّ ما يحدث لدى طلاب كلّ مرحلة من مراحل التعليم (ابتدائي، أساسي أو متوسط، ثم ثانوي) يكشف عن غياب المخرجات الملائمة من المرحلة السابقة. ومع أنّ كثيراً من التربويين يبذلون جهوداً جبّارة من أجل ردم الهوّة التي يعاني منها طلابهم، إلا أنّهم في الغالب يفشلون في هذه المهمة التي تحتاج لما هو أكثر من شروح سريعة. فمثل هذا القصور الذي يعاني منه التلاميذ والطلاب يحتاج على الصعيد العملي إلى برامج تقوية تمتد لأشهر، يتولاها أساتذة اختصاصيون، مضافاً إليها المتابعة المنزلية التي تستطيع المساهمة في تعويض النقص الحاصل في مواد عدّة. ولعلّ المفارقة المعبّرة تكمن في تحويل الحفظ إلى بديل عن إدراك العلاقة بين منطق ومعادلات المواد الدراسية.
إنّ وضعاً على النحو الذي وصفنا يتعامل مع أقلّ ملكات العقل أهمية بما هو الحفظ، بينما بات المطلوب في معارف اليوم على مختلف منوّعاتها، هو الانتقال إلى عالم تفكيك وربط وبناء العلاقات بين الدروس والمواد، والعمل على ابتداع ما يجب من اختراعات تقوم على تحسين حياة الإنسان، وبما يساهم في تنمية المجتمع الذي ينتمي إليه الطالب. إنّ هذا الانتقال من شأنه الدمج بين المدرسة والمجتمع، وبين الطالب وحاجات بيئته. وهو ما لا يتحقق إلّا من خلال فتح المدرسة والجامعة على المحيط الذي تتحرك ضمنه، بدل أن تستمر عبارة عن جزيرة معزولة لا يعنيها ما يدور حولها من شؤون وشجون.
لقد ولّى الزمن الذي كان فيه المعلم محور العملية التعليمية، كما عفا الزمن على المدرسة والجامعة التي لم يكن يعنيها سوى ما يدور داخل الأسوار وفي الصفوف والقاعات والأروقة، من مناظرات سفسطائية لا علاقة لها بمشاكل الإنتاج والمنتجين والبيئة وحاجات فئات المجتمع إلى حلول للمشاكل التي تتراكم تباعاً، ويعجز عن مواجهتها بالنظر إلى غياب المدرسة والجامعة عن التعمّق في دراستها، ومحاولات بناء الطالب القادر على ابتكار ما يساعد على مواجهة أضرارها ومعالجتها.
* تم النشر بتاريخ 11 آب 2026 على موقع العربي الجديد
