اقتصاد صحف وآراء

 الصين وداعش في أفريقيا

* الدكتور سعيد عيسى

تشهد القارة الأفريقية تحولاً استراتيجياً يجعلها نقطة التقاء بين مسارين متوازيين، من جهة توسع اقتصادي صيني متسارع ومن جهة ثانية تحول القارة إلى مركز رئيسي لنشاط تنظيم “داعش” بعد انحساره في العراق وسوريا. ولا يعني هذا التزامن وجود علاقة سببية بين المسارين، لكنه يطرح سؤالاً عن ماذا يحدث عندما تتقاطع أكبر موجة استثمارية تشهدها أفريقيا مع أكثر بؤر الإرهاب نشاطاً في العالم؟

تمدّد داعش

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن مركز ثقل التنظيم انتقل إلى أفريقيا، ويوثّق مؤشر الإرهاب العالمي في سنة 2026 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام هذا التحول بالأرقام. فقد نشط في 22 دولة، وكان مسؤولاً عن حوالي 17% من الهجمات المسجلة، فيما سجلت منطقة الساحل الأفريقي أكثر من نصف ضحايا الإرهاب عام 2025، وشكلت أفريقيا جنوب الصحراء أكثر من نصف الوفيات الناتجة عنه.

وسجلت نيجيريا أكبر زيادة في عدد القتلى بارتفاع حوالي 46% أي ما يناهز 750 قتيلاً، نتيجة تصاعد الهجمات في ولاية غرب أفريقيا (إسواب). وبعد أن كان يعتمد نموذج الخلافة في العراق وسوريا، تحول التنظيم إلى العمل عبر شبكة من الولايات المحلية، كولاية غرب أفريقيا، وولاية وسط أفريقيا، وخلايا الساحل الأفريقي، مستفيداً من ضعف الدول والنزاعات المحلية وضعف السيطرة على الحدود بين الدول الأفريقية.

المصالح الصينية

في المقابل، شهدت أفريقيا تمدداً صينياً موسعاً، ولم يعد الحضور الصيني يقتصر على التجارة والقروض، بل امتد نحو الاستثمار في استخراج الكوبالت والليثيوم والنحاس والذهب في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومشاريع الغاز في موزمبيق، وشبكات السكك الحديدية والطرق في نيجيريا وشرق أفريقيا، إضافة إلى تطوير الموانىء والمناطق الصناعية. وقد منح هذا التوسع للصين نفوذاً غير مسبوق، لكنه وضعها أيضاً في بيئات أمنية صعبة. فالمشاريع الكبرى تقع في مناطق تعاني من ضعف مؤسسات الدولة وهشاشتها، وانتشار الجماعات المسلحة والصراعات على الموارد، لتتحول الاستثمارات الصينية جزءا من المشهد الأمني المحلي لا فقط مجرد مشاريع تنموية واستثمارية.

وتبرز جمهورية الكونغو الديمقراطية باعتبارها المثال الأوضح على التشابك بين المصالح الاقتصادية والمخاطر الأمنية. فالصين تسيطر على 15 مشروعاً من أصل 19 لاستخراج الكوبالت، الذي توفر الكونغو حوالي 70% من إنتاجه العالمي، المر الذي يجعلها أساسية في سلاسل التوريد الصينية. لكن هذا لم يمنع استهداف مصالحها، إذ هاجم مقاتلون من داعش من ولاية وسط أفريقيا في نيسان\أبريل الماضي منجماً للذهب تديره شركة صينية في إقليم إيتوري، فأحرقوا المعدات وقتلوا جنود الحماية ومدنيين، وكان هذا اول هجوم مباشر على منشأة صينية في المنطقة.

وفي شمال موزامبيق تحولت محافظة كابو ديلغادو التي تضم واحداً من أكبر حقول احتياطات الغاز الطبيعي في العالم، إلى ساحة مواجهة مباشرة. فمشروع “توتال إنرجيز” للغاز المسال البالغة قيمته حوالي 20 مليار دولار، علّق العمل فيه بعد هجوم واسع على بلدة قريبة جداً من الموقع، وبقي متوقفاً لسنوات قبل أن يعاد العمل فيه، وإلى جانبه تملك مؤسسة النفط الوطنية الصينية (CNPC) حصة رئيسية في مشروع روفوما للغاز المسال المقدر بنحو 30 مليار دولار في المنطقة ذاتها. وأدت الهجمات المتكررة منذ عام 2017 إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وفرضت على بكين في نيسان\أبريل 2026 توقيع اتفاق أمني مع الحكومة الموزامبيقية يشمل التدريب العسكري وصفقات تسليح لحماية حقول الغاز والمناجم، لكن دون أن يتحوّل ذلك إلى تدخل عسكري مباشر صيني أو دعم ميداني للعمليات القتالية.

وفي منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، حيث تتمدد داعش وتنشط جماعة “بوكو حرام”، أصبحت الطرق ومواقع التعدين ومشاريع البنى التحتية أهدافاً أساسية، باعتبارها تمثل شرياناً اقتصادياً للحكومات والشركاء الأجانب. ولا يقتصر الاستهداف على الاستثمارات الصينية فقط، بل يشمل كل منشأة لها قيمة اقتصادية، وذلك بهدف إضعاف الحكومات، وتخويف المستثمرين واستقطاب الاهتمام الإعلامي، بالإضافة إلى الخطف وفرض الجبايات.

ويعمل تنظيم داعش على توظيف ما يقوم به من استهدافات ضمن خطابه الدعائي. فهو قد أدرج ضمن أدبياته قضية الإيغور الصينيين، وربطها بالحضور الاقتصادي والاستثماري الصيني في أفريقيا، واصفاً بكين بأنها قوة تستفيد من ثروات البلدان الإسلامية وتدعم الحكومات الكافرة (حسب وصف داعش).

معضلة الحماية

وهنا وجدت الصين نفسها أمام مشكلة لم تكن في حسبانها ضمن سياستها الخارجية. فديبلوماسيتها كانت لعقود قائمة على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فهي تركز على الشراكات دون الانخراط في أي نزاع عسكري. لكن اتساع حجم المصالح الصينية في أفريقيا، ووجود آلاف العاملين في مناطق تعاني من الاضطرابات الأمنية، جعلاها تنخرط في النزاعات ولكن دون تدخل عسكري مباشر. فقامت ببناء منظومة حماية غير مباشرة قوامها شركات أمنية خاصة باتت تعمل في 14 دولة أفريقية، إضافة إلى برامج تدريب وتسليح ومنظومات مسيّرات طالت 20 دولة أفريقية. وكل ذلك يهدف إلى حماية مصالحها دون أن تتحمل أكلاف سياسية وعسكرية كبيرة، لكن ذلك لا يوفر غطاءً ميدانياً كافياً في مناطق الاختلالات الأمنية، وهذا ما بينته الهجمات على استثماراتها في الكونغو وموزمبيق.

يبدو أنه من غير المرجّح أن تنتقل بكين في السنوات القريبة المقبلة إلى التدخل العسكري المباشر على غرار ما جرّبته قوى غربية وروسية في القارة الأفريقية. لكنها في المقابل لم تعد قادرة على التعامل مع أمن استثماراتها بوصفه شأناً محلياً تتكفل به الدول المضيفة للاستثمار. فكلما توسعت المشاريع الصينية في قطاعات التعدين والطاقة والبنى التحتية داخل البيئات الهشة، صارت أهداف ذات قيمة بالنسبة إلى داعش والجماعات المسلحة. وبذلك تصبح حماية الاستثمارات الصينية تحدياً دائماً يفرض على بكين تطوير أدوات امنية وسياسية جديدة، دون أن تصل إلى حدود التدخل العسكري المباشر، وهذا التوازن يبدو مرشحاً لأن يزداد تعقيداً مع ازدياد الحضور الاقتصادي في القارة. فهل ستصل الصين في القادم من السنين إلى خرق مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الذي تتبعه في سياساتها إلى التدخل المباشر؟

 * تم النشر بتاريخ 9 آب 2026 على موقع المدن