سياسة صحف وآراء

قواعد عسكرية وطرق: إسرائيل ترسّخ احتلالها في جنوب لبنان

*المدن – سياسة

كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيليّة، استنادًا إلى تحليل صور أقمار اصطناعيّة، أنّ الجيش الإسرائيليّ أنشأ سبع قواعد عسكريّة جديدة على الأقلّ في جنوب لبنان، وشقّ عشرات الكيلومترات من الطرق اللوجستيّة والعسكريّة، في مؤشّر إلى تحوّل وجوده داخل الأراضي اللبنانيّة من انتشار ميدانيّ موقّت إلى بنية احتلال طويلة الأمد.

وبحسب تقرير الصحيفة، سيطر الجيش الإسرائيليّ خلال الحرب على مساحة تُقدّر بنحو 600 كيلومتر مربّع من الأراضي اللبنانيّة، فيما يصل عمق انتشاره في بعض المناطق إلى نحو 12 كيلومترًا من الحدود. وتظهر الصور أعمال بناء وتحصين واسعة داخل المنطقة المحتلّة، تشمل قواعد ومواقع مراقبة وطرقًا جديدة مخصّصة لحركة القوّات والآليّات.

قواعد على أنقاض القرى

وتشير المعطيات إلى أنّ القواعد الجديدة لم تُنشأ في أراضٍ خالية فحسب، بل أقيم بعضها داخل بلدات ومواقع مدنيّة تعرّضت للهدم والتجريف. ويعكس ذلك، وفق صور الأقمار الاصطناعيّة، تغييرًا متواصلًا لمعالم المنطقة، عبر إزالة الأحياء والمباني وشقّ طرق عسكريّة تربط المواقع الإسرائيليّة بعضها ببعض.

وكانت تقارير ميدانيّة سابقة قد رصدت انتشار آليّات إسرائيليّة وهندسيّة داخل 11 بلدة جنوبيّة على الأقلّ، بينها الناقورة، ومجدل زون، وقزح، وبنت جبيل، وعيناتا، ودبل، ودير سريان، والخيام. كما أظهرت الصور تنفيذ عمليّات هدم وتجريف قرب منازل ومنشآت مدنيّة ودينيّة، وتمركز آليّات على الطرق الرئيسيّة وداخل الأحياء السكنيّة. ويعني شقّ طرق عسكريّة جديدة أنّ الجيش الإسرائيليّ لا يعتمد حصرًا على شبكة الطرق اللبنانيّة القائمة، بل يعيد تشكيل جغرافيا المنطقة بما يسهّل تنقّل قوّاته وإمداد قواعده، ويتيح لها التحرك بين نقاط الانتشار من دون المرور بمراكز البلدات.

قاعدة فوق معتقل الخيام

وأبرز ما كشفه تقرير “هآرتس” إنشاء قاعدة عسكريّة إسرائيليّة على أنقاض معتقل الخيام، بعدما هدم الجيش الإسرائيليّ ما تبقّى من أبنيته وسوّى الموقع بالأرض.

وكانت صور عالية الدقّة ملتقطة في 23 آذار الماضي قد أظهرت جرّافات تعمل داخل الموقع، قبل أن يتحوّل إلى مساحة شبه خالية.

كما أظهرت صور أخرى ملتقطة في نيسان تمركز نحو 33 آليّة عسكريّة إسرائيليّة في موقع المعتقل ومحيطه. وأفادت تقارير ميدانيّة بأنّ القاعدة المنشأة هناك تضمّ تحصينات ومهبطًا للمروحيّات، وتتمتّع بموقع مرتفع يشرف على مساحات واسعة من مرجعيون والخيام و”إصبع الجليل” والجولان.

ولم يقتصر التغيير على الموقع الأثريّ، إذ تعرّضت أحياء واسعة من بلدة الخيام لعمليّات هدم ونسف وتجريف، ما يجعل القاعدة جزءًا من مشهد أوسع يقوم على إزالة البنية المدنيّة وإحلال منشآت عسكريّة مكانها.

سبع قواعد أم شبكة أكبر؟

يتحدّث تقرير “هآرتس” عن سبع قواعد جديدة أمكن رصدها بوضوح عبر الأقمار الاصطناعيّة، غير أنّ تقارير ميدانيّة أخرى تطرح أرقامًا أكبر عند احتساب النقاط المستحدثة والتحصينات الصغيرة ومواقع القنّاصة.

وكان تحقيق ميدانيّ استمرّ نحو 15 شهرًا قد وثّق وجود خمس قواعد أساسيّة في تلّة الحمامص جنوب الخيام، ومستديرة بلاط، وجلّ الدير، واللبّونة، وحولا، إضافةً إلى موقعَين محصّنَين للقنّاصة في كفركلا. وبعد توسيع الاجتياح في آذار 2026، أشارت الصحافيّة المستقلّة كورتني بونّو إلى ارتفاع العدد الإجماليّ للقواعد والنقاط الإسرائيليّة داخل لبنان إلى نحو 23 موقعًا، إلّا أنّ هذا الرقم يشمل منشآت متفاوتة الحجم والوظيفة، ولا يقتصر على القواعد الكبرى التي رصدتها “هآرتس”.

احتلال بعمق 12 كيلومترًا

تفيد “هآرتس” بأنّ المنطقة التي سيطرت عليها إسرائيل تبلغ نحو 600 كيلومتر مربّع، ويصل عمقها في بعض المحاور إلى 12 كيلومترًا. وكان الجيش الإسرائيليّ قد نشر، في نيسان الماضي، خريطة لخطّ انتشاره داخل لبنان، أظهرت وجود عشرات البلدات ضمن المنطقة الخاضعة لسيطرته، وانتشار خمس فرق عسكريّة مدعومة بقوّات بحريّة.

ولا ترسم هذه المنطقة شريطًا ثابتًا ومتساوي العمق، بل تتبدّل حدودها بين محور وآخر، وفق المواقع المرتفعة والطرق والقرى التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة عليها. وبذلك، يتجاوز الانتشار صيغة “النقاط الحدوديّة” إلى نطاق جغرافيّ واسع تحكمه القواعد والطرق ومناطق السيطرة بالنار.

وكان وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس قد أعلن سابقًا نيّة إسرائيل الاحتفاظ بما سمّاه “منطقة أمنيّة” في جنوب لبنان، ومنع عودة السكان إليها إلى حين تحقيق الشروط الأمنيّة الإسرائيليّة. كما تحدّث علنًا عن تدمير المنازل في القرى الحدوديّة وفق نموذج رفح وبيت حانون في قطاع غزّة، وهي تصريحات حذّرت منظّمة “هيومن رايتس ووتش” من أنّ تطبيقها قد يرقى إلى جرائم حرب.

وقائع تفاوضيّة على الأرض

يأتي الكشف بالتزامن مع انعقاد جولة المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة في روما، حيث يضع الوفد اللبنانيّ وقف عمليّات التفخيخ والتجريف والتدمير في مقدّمة أولويّاته، إلى جانب توسيع المناطق التجريبيّة التي يُفترض أن تنسحب منها إسرائيل وينتشر فيها الجيش اللبنانيّ.

وتمنح القواعد الجديدة وشبكة الطرق المستحدثة هذا المطلب بُعدًا إضافيًّا، إذ توحي بأنّ إسرائيل تعمل على تثبيت بنيتها العسكريّة بالتوازي مع التفاوض على الانسحاب. كما أنّ إنشاء قاعدة فوق معتقل الخيام، وتوسيع التحصينات في عمق الأراضي اللبنانيّة، يتناقضان مع التعامل مع الانتشار باعتباره إجراءً موقّتًا أو قابلًا للتفكيك سريعًا.

وعليه، لم يعد الخلاف محصورًا بعدد النقاط التي ستنسحب منها إسرائيل أو بترتيب انتشار الجيش اللبنانيّ، بل بات يتّصل بمصير منظومة عسكريّة متكاملة أنشأتها إسرائيل داخل الجنوب، تشمل قواعد وطرق إمداد ومواقع مراقبة ومناطق جرى تجريفها وإفراغها من سكانها.

وتكشف صور الأقمار الاصطناعيّة أنّ إسرائيل تفاوض فيما تواصل تغيير الوقائع الميدانيّة. وبينما تبحث المحادثات في خطوات الانسحاب والتهدئة، تعمل الآليّات الإسرائيليّة على رسم جغرافيا أمنيّة جديدة، قد تجعل من الاحتلال أمرًا واقعًا يصعب تفكيكه ما لم ينتج المسار التفاوضيّ جدولًا زمنيًّا واضحًا وملزمًا للانسحاب.

*نشرت في المدن الالكترونية يوم الثلاثاء 2026/08/04