* شهيد نكد
بضعة أمتار فقط تفصل بين مقهى الرصيف الذي أرتاده والطريق المحاذية له، لكنّها كافية للانتقال بين عالمين مختلفين جذرياً. للمقهى قواعده، وروّاده معروفون بعضهم من بعض، ولو بالوجه فقط. سلوكهم محكوم بقدر من الانضباط، ومحاسبتهم لا تقتصر على الفاتورة، بل تشمل طريقة كلامهم وجلوسهم وتعاملهم مع الآخرين. وجودهم المتكرّر في المكان يجعل لأفعالهم ذاكرة وكلفة. أمّا الطريق، فعالم آخر: مجهولون يعبرون ولن يلتقوا غالباً مرة ثانية، فلا علاقة بينهم ولا محاسبة. في المقهى نحن داخل مكان؛ على الطريق نصبح عابرين في لامكان.
في هذا اللامكان تظهر سلوكيات أكثر عنفاً: قيادة عدائية، تجاوز لإشارات المرور، استيلاء على حقّ المرور، وأبواق لا تُستخدم للتحذير بقدر ما تُستخدم لفرض الحضور وتفريغ الغضب. ليس الفرق أن روّاد المقهى أشخاص مهذّبون والسائقون أشخاص آخرون؛ هم غالباً الأشخاص أنفسهم. الذي يتغيّر هو الإطار الذي يتحرّكون داخله؛ ففي المقهى قواعد وعلاقات وسمعة، أمّا على الطريق، فيشعر الفرد بأن فعله منفصل عنه، وأنه يستطيع المغادرة من دون أن يتحمّل كلفته.
العقد الاجتماعي قبل الدولة
يمكن النظر إلى المقهى والطريق بوصفهما نموذجاً مصغّراً لفهم العقد الاجتماعي. فهذا العقد، قبل أن يكون دستوراً مكتوباً أو نظاماً سياسياً، ينشأ من حاجة الناس إلى تنظيم وجودهم المشترك. الحياة ضمن جماعة تتطلّب تنازلات فردية متبادلة، وتنسيقاً بين حاجات متعارضة، وقواعد لحلّ النزاعات التي تنشأ حول الموارد والمساحات المشتركة. فالفرد حين يتنازل عن جزء من حريّته يعرف أن التزام الجميع بالقاعدة يمنحه حماية لا يستطيع تأمينَها منفرداً.
الدولة، تاريخياً ومنطقياً، هي الأداة المؤسساتية التي نشأت لضمان هذا العقد وتطبيق قواعده، وليست شرطاً سابقاً لوجود كلّ أشكاله. فالناس يُنتجون يومياً قواعد وثقةً ومحاسبةً اجتماعية داخل العائلة والحيّ والمقهى والجمعية ومكان العمل، حتى في ظلّ غياب الدولة أو ضعفها.
مع ذلك، اعتدنا في العصر الحديث التفكير في المجتمع من داخل إطار الدولة، حتى أصبح من الصعب علينا تخيّل عقد اجتماعي لا تجسّده مؤسساتها. يسمّي بعض علماء الاجتماع هذا الافتراض “القومية المنهجية”: التعامل مع الدولة القومية بوصفها الوحدة الطبيعية والوحيدة للحياة الاجتماعية. ولذلك نربط تلقائياً بين ضعف الدولة وانهيار المجتمع، كأنّ الناس لا يستطيعون إنتاج أي قاعدة مشتركة خارج المؤسسة الرسمية.
التجربة اللبنانية تدُلّ على أن حضور الدولة الانتقائي والمزاجي قد يكون أشدّ خطورة من غيابها الكامل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حين تتحوّل صيانة أوتوستراد إلى خطر أعلى من تركه على حاله، أو حين توضع إشارة سير ثمّ يُترك تجاوزها من دون محاسبة، لا تكون الدولة فقط عاجزة عن ضبط الفوضى، بل تكون بصدد إنتاج الظروف التي تجعل الأنانية والعنف أكثر فعالية من الالتزام. تدفعنا هذه التجربة إلى استبدال السؤال التقليدي: متى ستأتي الدولة؟ إلى سؤال تحذيري: ماذا يحدث للمجتمع أثناء انتظارها؟ والسؤال المصيري هو: هل يستطيع اللبنانيون إنتاج قواعد مشتركة تمنع تفكّك المجتمع، أم أن انتظار الدولة تحوّل إلى ذريعة تتيح لكلّ فرد أن يتصرّف كما لو أنه يعيش وحيداً؟
التكنولوجيا والاستهلاك
وفي عصر تضع فيه التكنولوجيا قدرات متزايدة في أيدي الافراد فتتضاعف معها قوّة الفعل ونتائجه، تزداد خطورة هذه الإشكالية. فالسيارة تتحوّل إلى أداة استيلاء وفرض سرعة وبوق وخطر على مساحة مشتركة. كذلك مولّد الكهرباء الذي يفرض ضجيجَه وتلوّثَه على حيّ كامل، ومنصّة رقمية تمنح قدرة أوسع على التشهير والتحريض والكراهية. ولا ننسى صخب وضجيج الحفلات والألعاب النارية التي تحتلّ سماءنا وتؤرق ليالينا لأن فرداً قرّر أن يفرض احتفاله على الجميع. الدولة تنظّم هذه القدرات وترسم حدود الرغبات، لكن حين تغيب أو تحضر بشكل مزاجي وانتقائي ماذا نفعل؟ وحين تتحوّل هذه التعديات من حالات شاذّة إلى أنماط عاديّة إلى من نلجأ؟
ويترافق كلّ ذلك مع ثقافة استهلاكية تغذّي هذا التوجّه، فيُدفع الفرد بشكل مستمرّ إلى توسيع حصّته ونفوذه من المكان والراحة والموارد على حساب الآخرين، ومعهما يرتفع العنف. فيضيق الرصيف، وتتراجع المساحة العامّة، وتتراكم النفايات؛ تزيد المنفعة الخاصّة صوريّاً وتتقلّص المنفعة العامّة.
يحدث كلّ ذلك فيما لا يزال لبنان يربط مصير قيام دولته بتسويات جيوسياسية تزداد تعقيداً وبعداً، والمجتمع يتخبّط معلّقاً حياته على نضوج التسويات، فيما الفوضى تزداد وتتوسّع بشكل يومي. فسؤالنا العملي: كيف نوقف تحلّل المجتمع خلال الوقت الذي ننتظر فيه تشريف الدولة؟ من هنا يُصبح تكرار المطالبة بالدولة من دون الالتفات للمجتمع أمراً لا طائلة منه، بل هو وجه من وجوه الفشل بعينه.
الانتظار بدلاً من السياسة
وحتّى لا يبقى الحديث عن العقد الاجتماعي حديثاً نظرياً، لا بدّ من تناوله انطلاقاً من قاعدة تقول إن الدولة تُبنى ولا تُنتظر. يعني أن الدولة لا تبدأ مع أي استحقاق، أو انطلاقاً من تاريخ محدّد: لا تبدأ الورشة بعد الانسحاب الإسرائيلي، ولا بعد حصر السلاح، ولا عند سقوط نظام هنا وقيام آخر هناك، ولا بتبدّل موازين القوى الإقليمية. الورشة تبدأ الآن، من إنتاج القواعد والممارسات والقدرات الاجتماعية التي تجعل قيام الدولة ممكناً.
وهنا يظهر عقم الجزء الأكبر من العمل السياسي في لبنان، إذ ما زلنا نتعامل مع السياسة بوصفها إطلاقاً للمواقف وصياغةً للأوراق. الكلّ بانتظار تغيّر الظروف كي تبدأ الدولة بالعمل، حتى تَحَوَّل الانتظار إلى بديل عن العمل كأن الحياة معلّقة إلى حين نضوج التسوية الكبرى. حتّى إن مجتمعنا المدني الذي يحتاج إلى إعادة تعريف، أصيب بالعجز. فهو لا يقتصر على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية المموّلة لتنفيذ مشاريع محدّدة؛ بل يشمل الجمعيات والنقابات والروابط والمبادرات والهيئات المهنية، وحتى الأحزاب حين تعمل بوصفها قوى اجتماعية لا مجرّد أجهزة للوصول إلى السلطة. ليست وظيفة هذه القوى المطالبة بالدولة والاعتراض عليها، بل تنظيم مصالح الناس وتدريبهم على المشاركة والمحاسبة والعمل الجماعي، مهمّتها التنبّه للخطر المحدق بالمجتمع والذي يُهدّد بنسفه كلياً. لكن معظم هذه القوى، خصوصاً تلك التي تملك الإمكانات، وتُفتح أمامها المنابر الإعلامية لها مصابة بداء التكرار والمراوحة: لا تجديد في أدوات العمل، ولا استثمار في المخيّلة السياسية.
أين تُبنى الدولة فعلياً؟
أي حصّة تنالها في السياسة والإعلام جمعية محلية تراقب شروط السلامة في ورشة أشغال عامّة؟ وأي مساحة تُمنح لمعركة بيئية- صحية كالمواجهة مع شركات الاسمنت في الكورة، أو لمجلس ظلّ بلدي يسعى لتحويل السكان من متلقّين للقرار إلى مشاركين فيه؟ الجواب: شبه صفر. ليست هذه القضايا أصغر من السياسة الكبرى كما يُراد لنا أن نعتقد، إنّها المكان الذي تُبنى فيه الدولة فعلياً. أمّا السياسة التي تنتظر قيام الدولة ولا تُساهم في إنتاج شروط قيامها، فهي متاجرة بالشعارات وإدارة طويلة لانهيار المجتمع.
بناء الدولة يبدأ من ردم المسافة بين المقهى والطريق: من نقل القاعدة من الدوائر الضيّقة والخاصة إلى المساحات المشتركة، ومن تحويل الطريق من لامكان مُشرّع للاستيلاء، إلى مكان يخصّ الجميع. لا يستطيع المجتمع أن يحلّ محلّ الدولة، لكنّه قادر على إنتاج القواعد والقوى القادرة على بنائها؛ فالدولة لا تهبُط على مجتمع مُعلّق. وإبقاء الناس في مستنقع الانتظار ليس حياداً ولا عجزاً بريئاً، بل موقف سياسي له كلفة يوميّة عالية. ففيما ننتظر نحن قيام الدولة، لا تنتظر الفوضى والعنف، بل تواصلان النموّ في جسم المجتمع.
* تم النشر بتاريخ 18 تموز 2026 على موقع المدن
