صحف وآراء مجتمع

حوكمة النخبة وإقصاء الدولة: عندما يتحول الإصلاح الإداري إلى إمتياز وظيفي

* باسمة عطوي

أطلق وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكّي، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، “البرنامج الوطني لحوكمة مجالس الإدارة والقيادات في القطاع العام ومنصة الربط مع الجامعات”، مقدماً المبادرة بوصفها خطوة تأسيسية نحو تعزيز الأداء المؤسسي، وتطوير القيادات العليا، وترسيخ الشفافية والمساءلة، ورفع مستوى الحوكمة في القطاع العام اللبناني.

على المستوى النظري، يصعب الإعتراض على هذه الأهداف. فمن يستطيع أن يُعارض الحوكمة أو تطوير القيادات أو تعزيز الشراكة بين الإدارة العامة والجامعات أو إدخال المعرفة الحديثة إلى عملية صنع القرار العام؟ غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الشعارات ولا في العناوين، بل في كيفية ترجمتها إلى سياسات عامة عادلة وشاملة. فالإصلاح الإداري لا يُقاس بعدد البرامج التي تُطلق، بل بمدى قدرتها على معالجة المشكلات البنيوية التي تعاني منها الإدارة العامة، وفي مقدمتها العدالة المؤسسية، وتحفيز الموارد البشرية، والحفاظ على الخبرات المتراكمة داخل الدولة.

وهنا تبرز المعضلة الأساسية في هذا البرنامج.

فالفئة المستهدفة بصورة رئيسية تبدو محصورة بالقيادات الجديدة أو المرشحين لتولي مواقع قيادية مستقبلاً، أي الفئات التي تحظى أصلاً بإهتمام سياسي وإداري متزايد، والتي تستفيد في كثير من الأحيان من أنظمة تعويضات ومخصصات حديثة، تختلف جذرياً عن الأنظمة المعمول بها بالنسبة لغالبية العاملين في القطاع العام.

أما آلاف الموظفين والمديرين ورؤساء المصالح وأعضاء مجالس الإدارة القائمين فعلياً على تشغيل المرافق العامة والمؤسسات الإنتاجية والخدماتية، فقد وجدوا أنفسهم مرة جديدة خارج دائرة الاستثمار المؤسسي، رغم أنهم يشكلون العمود الفقري للإدارة اللبنانية، وهم الذين حافظوا على استمرارية الدولة خلال أصعب الانهيارات المالية والاقتصادية والإدارية التي شهدها لبنان.

وهنا تكمن المفارقة. فكيف يمكن الحديث عن “حوكمة مجالس الإدارة” فيما يجري تجاهل معظم مجالس الإدارة القائمة فعلياً؟ وكيف يمكن الحديث عن “تطوير القيادات” فيما يُستبعد الجزء الأكبر من القيادات، التي تدير يومياً قطاعات المياه والطاقة والزراعة والاتصالات والنقل والصحة والبنى التحتية والخدمات العامة؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح القطاع العام بينما يُتعامل مع أكثرية العاملين فيه وكأنهم خارج المشروع الإصلاحي؟

إن أول مبادئ الحوكمة الرشيدة هو العدالة المؤسسية، وأول شروط بناء المؤسسات هو المساواة في فرص التطوير والتأهيل، وأول قواعد إدارة الموارد البشرية هو الإستثمار في أصحاب الخبرة القائمين قبل البحث عن صناعة نخب جديدة. ففي أدبيات الإدارة الحديثة، يُعتبر رأس المال البشري الموجود داخل المؤسسة أصلاً إستراتيجياً لا يقل أهمية عن التمويل أو التكنولوجيا أو البنية التنظيمية، والمؤسسات الناجحة لا تبدأ إصلاحها بتجاوز الكفاءات الموجودة، بل بتطويرها وتمكينها والاستفادة من خبراتها المتراكمة. أما ما نشهده اليوم، فيقترب أكثر من نموذج “الانتقائية المؤسسية”، حيث تُوجَّه الموارد وفرص التدريب والاهتمام الإداري والسياسي نحو مجموعة محددة، فيما تُترك الأكثرية خارج دائرة الاستثمار المؤسسي.

والأخطر أن هذه المقاربة تأتي في لحظة تشهد فيها الإدارة العامة اللبنانية انقساماً غير مسبوق في أوضاعها المالية والوظيفية.ففي السنوات الأخيرة، نشأت داخل القطاع العام فئتان واضحتان: فئة جديدة تتقاضى رواتب أو بدلات أو حوافز مرتبطة بالدولار الأميركي أو بما يوازيه، وتستفيد من برامج دعم وتمويل ومخصصات إضافية، وفئة أخرى واسعة من الموظفين والمديرين ورؤساء المصالح ما زالت تتقاضى رواتب فقدت الجزء الأكبر من قيمتها الفعلية بفعل الانهيار النقدي.

وبذلك لم تعد الفجوة داخل الإدارة العامة مرتبطة فقط بالمسؤوليات الوظيفية أو الرتب الإدارية، بل أصبحت فجوة مالية ومهنية ومعنوية عميقة بين موظفين يعملون أحياناً داخل المؤسسة نفسها ويؤدون مهاماً متشابهة، لكنهم يخضعون لأنظمة مختلفة كلياً في الأجور والتعويضات وفرص التطوير.

فكيف يمكن إقناع مدير أمضى عشرين أو ثلاثين عاماً في الخدمة العامة بأهمية الحوكمة والتطوير المؤسسي، فيما يتقاضى موظف جديد أو متعاقد حديثاً بدلات ومخصصات قد تفوق ما يتقاضاه بأضعاف؟ وكيف يمكن الحديث عن تطوير القيادات، بينما لا تزال القيادات الفعلية التي تدير الدولة يومياً تعاني من تآكل رواتبها وتعويضاتها وتراجع قدرتها الشرائية، في حين تُصمم البرامج الجديدة لفئات تتمتع أصلاً بشروط مالية ومهنية أفضل؟إن العدالة التنظيمية لا تتحقق فقط من خلال توزيع فرص التدريب، بل أيضاً من خلال تقليص الفوارق غير المبررة بين العاملين وضمان تكافؤ الفرص في الأجر والتقدير والترقي والتطوير المهني.

فكل الدراسات المتعلقة بالعدالة التنظيمية، تؤكد أن الشعور بالتمييز داخل المؤسسة يؤدي إلى تراجع الحافزية والإنتاجية والانتماء المؤسسي، ويؤسس لحالة من الإحباط الإداري وفقدان الثقة بالسياسات العامة. كما أن تخصيص برامج التطوير لفئة محددة دون معايير واضحة مرتبطة بالأداء أو الحاجة الفعلية أو المسؤولية الوظيفية، يندرج ضمن ما يُعرف بالتمييز المؤسسي غير المباشر، وهو من أخطر أشكال الخلل الإداري لأنه يُمارس تحت عناوين إصلاحية جذابة.

أما منصة الربط مع الجامعات، التي قُدّمت بوصفها جسراً بين المعرفة والإدارة العامة، فتفقد جزءاً كبيراً من قيمتها عندما يُحرم أصحاب القرار التنفيذي الحاليون من الإستفادة منها.

فالمعرفة لا تصبح ذات أثر لأنها أُنتجت في جامعة، بل لأنها تصل إلى الإدارات والمؤسسات وتتحول إلى سياسات وإجراءات وقرارات عامة. ولذلك فإن ربط الجامعات بفئة محددة من العاملين لا يحقق الغاية المرجوة بقدر ما يحرم الإدارة العامة من الاستفادة الشاملة من هذا الجهد العلمي.

إن الإدارة العامة ليست مختبراً لإنتاج نخب جديدة، بل منظومة متكاملة تتراكم فيها الخبرات والكفاءات والمعرفة المؤسسية عبر الزمن. وأي مشروع إصلاحي يتجاهل من حافظوا على استمرارية الدولة في أصعب الظروف المالية والاقتصادية والإدارية، إنما يخاطر بإضعاف الإدارة بدل تطويرها.

السؤال الذي يواجه وزارة التنمية الإدارية اليوم ليس كيف تدرّب مجموعة جديدة من القيادات، بل كيف تحقق العدالة بين جميع القيادات.ليس كيف تصنع نخبة إدارية جديدة، بل كيف ترفع مستوى المنظومة الإدارية بأكملها. وليس كيف تؤمن فرصاً إضافية لمن يملكون أصلاً فرصاً أفضل، بل كيف تنصف الذين حملوا الإدارة العامة على أكتافهم طوال سنوات الانهيار.

فالحوكمة ليست امتيازاً يُمنح لفئة مختارة، والإصلاح ليس برنامجاً لتوزيع الفرص على المحظيين بل سياسة عامة لبناء مؤسسات أكثر عدالة وكفاءة، والتطوير المؤسسي لا يكون بإقصاء أصحاب الخبرة لمصلحة أصحاب الحظوة أو حداثة التعيين.

إن الدولة التي تستثمر في جزء من إدارتها وتُهمل الجزء الأكبر منها لا تبني حوكمة رشيدة، بل تعيد إنتاج التفاوت داخل القطاع العام تحت عنوان الإصلاح.أما الدولة التي تؤمن بأن كل موظف ومدير ورئيس مصلحة وعضو مجلس إدارة هو جزء من رأس مالها البشري، فهي وحدها القادرة على بناء إدارة حديثة ومستدامة وعادلة. ولتحقيق ذلك، لا بد من إعتماد سياسات واضحة تشمل تعميم برامج التدريب والتأهيل على جميع الفئات الوظيفية وفق معايير شفافة، وإتاحة الاستفادة من منصات التعاون مع الجامعات لكل الإدارات والمؤسسات العامة، وربط فرص التطوير بالكفاءة والأداء والحاجة الفعلية للمؤسسة، لا بالموقع الوظيفي أو حداثة التعيين أو مصدر التمويل.

كما لا بد من معالجة الإختلالات الصارخة في الرواتب والمخصصات والتعويضات داخل القطاع العام، لأن الإدارة التي تنقسم إلى موظفي “دولار” وموظفي “لولار” لا تستطيع أن تبني شعوراً موحداً بالإنتماء أو العدالة أو المصلحة العامة. فالإختبار الحقيقي للحوكمة ليس في عدد المؤتمرات ولا في عدد الدورات التدريبية ولا في الشعارات المرفوعة.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يشعر جميع العاملين في الدولة بأن فرص التطوير والتقدير والاعتراف والإنصاف متاحة لهم بالتساوي.عندها فقط يصبح الإصلاح إصلاحاً حقيقياً، وتصبح الحوكمة سياسة دولة لا امتياز نخبة، وتتحول الإدارة العامة من ساحة تفاوت إلى مؤسسة وطنية جامعة قادرة على استعادة ثقة مواطنيها وخدمة المصلحة العامة بكفاءة وعدالة واستدامة.

* نشرت بتاريخ 10 حزيران 2026 على موقع ليبانون ديبايت