ينعقد اليوم الاثنين مؤتمر “نيويورك 2” حول حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية على مستوى القادة والزعماء بشراكة سعودية فرنسية، بعدما كان قد عقد لأول مرة على مستوى وزراء الخارجية نهاية تموز/ يوليو الماضي، وتبنى ما يعرف بإعلان نيويورك الذي أيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ أيام بغالبية ساحقة.
يمكن بل يجب النظر إلى المؤتمر من ثلاث زوايا أساسية: المؤتمر بحد ذاته لجهة مواصلة سيرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية من الغالبية العظمى للمجتمع الدولي بما في ذلك دول غربية وازنة مثل فرنسا وبريطانيا واستراليا وكندا والبرتغال ومالطا، بعدما سبقتها إسبانيا وبلجيكا وايرلندا والنرويج والسويد. ثم تأكيد عزلة إسرائيل الدولية حتى ضمن البيئة الغربية الداعمة لها تاريخياً. وثالثاً فيما يمكن اعتبارها كنتاج لتفاعل المعطّيين السابقين، تأتي المطالبة بوقف الحرب على غزة بعدما تجاوزت فيها الدولة العبرية كل الحدود والمواثيق والشرائع الدولية.
ويبدو أن القناعة الدولية الراسخة كما رأينا في مشهد مجلس الأمن، الخميس الماضي، أن الخيار العسكري قد فشل بعدما استنفذ نفسه، والحلّ كان ولا يزال سياسياً في غزة والضفة الغربية، رغم الهوس الإسرائيلي بالاستيطان والضمّ واعتبار قيام الدولة الفلسطينية ركناً أساسياً والقاعدة التي لا غني عنها لهذا الحلّ العادل والشامل والمستدام.
“نيويوك 2“
إذن، يعقد اليوم الاثنين على هامش الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة مؤتمر “نيويورك 2″، برئاسة مشتركة وعلى مستوى القمة بين السعودية وفرنسا، حيث يركز المؤتمر في نسخته الثانية كما الأولى على الاعتراف بالدولة الفلسطينية ضمن رؤية متفق عليها لحلّ دبلوماسي نهائي ومستدام للصراع في فلسطين.
وكان مؤتمر “نيويورك 1” قد عقد على مستوى وزراء الخارجية منذ شهرين تقريباً، وبمقر الأمم المتحدة لإضفاء الشرعية والميثاقية، وخرج عنه ما يعرف بإعلان نيويورك الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة الأسبوع الماضي، ورسم خارطة طريق متكاملة لوقف الحرب واليوم التالي بما في ذلك المسار نحو إقامة الدولة كحق لا جدال فيه للشعب الفلسطيني ضمن حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره على ترابه الوطني.
ولعل أهم ما في “نيويورك 2” الرئاسي، إضافة الى مواصلة المسار ومأسسته، أنه سيشهد رسمياً اعتراف 11 دولة جديدة بالدولة الفلسطينية، منها فرنسا وبريطانيا واستراليا وكندا والبرتغال، ما يعني أن عدد المعترفين بالدولة سيتجاوز تلك التي تعترف بإسرائيل، مع الإشارة إلى الاستثناء الألماني المهم، حيث ستشارك برلين بالمؤتمر مع دعم فكرة الاعتراف من حيث المبدأ حتى لو تم تأجيله إلى مرحلة لاحقة، ما يترك الولايات المتحدة وحدها خارج هذا الإجماع الأوروبي الغربي والدولي.
عزلة إسرائيلية
المعطى السابق يؤكد في مغزاه الأساسمدى تجذر عزلة إسرائيل الدولية التي باتت في الزاوية وتفقد دعم حلفائها حتى ضمن مظلة الحماية الغربية التاريخية الداعمة لها.
هذه العزلة مرتبطة مباشرة ولا شك بحرب غزة، والممارسات الاستيطانية والتهويدية بالقدس والضفة الغربية، لكن مسارها العام كان قد انطلق قبل ذلك بسنوات بل عقود طويلة، مع رفض الدولة العبرية عملية التسوية والحلول السياسية وفق القواعد التي يدعمها العالم، والمتوافقة مع الشرعية والمواثيق الدولية، وسعيها المقابل لخلق وقائع بقوة الاحتلال الجبرية وغير الشرعية على الأرض، وإدارة الصراع وفق مسميات حركية مختلفة، قبل أن تصل بها الغطرسة وسكرة القوة إلى محاولة تصفيته نهائياً بتدمير غزة وجعلها غير قابلة للحياة وتسريع وتيرة تنفيذ خطة الضم بالضفة الغربية ولو بشكل غير رسمي ومعلن أقله حتى الآن.
ولا ينفصل عما سبق القناعة الدولية بضرورة بذل مزيد من الجهود لوقف حرب الإبادة والتجويع في غزة، بعدما تجاوزت إسرائيل فيها كل الحدود، كما خطط الضمّ بالضفة الغربية باعتبارها خطاً أحمر، كما قال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن حق أول أمس السبت، ونقض الذريعة الإسرائيلية عن عدم امتلاك المجتمع الدولي وفي مقدمه العرب رؤية واقعية وقابلة للتطبيق تجاه اليوم التالي للحرب بغزة، كما المشهد في فلسطين بشكل عام.
إعلان نيويورك
ومن هذه الزاوية تحديداً تكمن أهمية إعلان نيويورك الذى وقعت عليه السعودية وفرنسا ودول عربية وإسلامية شريكة ومركزية ووازنة مثل مصر والأردن وقطر وتركيا، وتبنته رسمياً الأمم المتحدة وأصبح أحد وثائقها الرسمية، وسيتم التأكيد عليه كذلك في مؤتمر الاثنين بعدما رسم خارطة طريق متكاملة، نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة متواصلة جغرافياً وقابلة للحياة ضمن حدود حزيران/يونيو ،1967 مع حل عادل لقضية اللاجئين وفق الشرعية الدولية، وحزمة إصلاح جدية وجذرية للسلطة والمؤسسات القيادية الفلسطينية، وفق قاعدة نظام واحد وقانون واحد وسلاح واحد، وإجراء الانتخابات العامة لاختيار قيادة جديدة شابة نزيهة مصداقة وجديرة، من أجل المضي قدماً في فضاءات المقاومة الرحبة، بسياقاتها المكفولة دولياً، الدبلوماسية والسياسية والإعلامية والقضائية التي يفهمها العالم، خصوصاً مع تقبّله رسمياً وشعبياً للقضية والرواية الفلسطينية العادلة، مع التذكير الضروري بالمقولة الصحيحة والمحقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى لو أراد بها باطلاً ومفادها إن الدولة العبرية تربح المعركة العسكرية ولكنها تخسر المعركة السياسية والإعلامية أمام الرأي العام الدولي وحتى الأميركي، مع تراجع نفوذها في الكونغرس وهذا صحيح، وبالتأكيد يضاعف المسؤولية علينا لإيقاف المعركة بأسرع وقت في بعدها وشقها العسكري الذي تتفوق فيه إسرائيل ومواصلتها بالميادين والسياقات الأخرى حيث ربحنا مضمون وخسارة الدولة العبرية وعزلتها مضمونة كذلك.
* نشرت بتاريخ 22 ايلول 2025 على موقع المدن
