زهير هواري
بيروت 18 أيلول 2025 ـ بيروت الحرية
اجتمعت في العاصمة القطرية الدوحة قمّةً عربية وإسلامية طارئة في 15 أيلول/ سبتمبر الجاري 2025، حضرها سبعاً وخمسين دولة عربية وإسلامية. جاء ذلك بعد أيام من العدوان الإسرائيلي الذي تعرّضت له قطر يوم 9 من الشهر الحالي، عندما أغارت طائرات حربية اسرائيلية على مقر اجتماع لقادة حركة حماس لمناقشة مسألة الاتفاق على شروط اطلاق سراح الاسرى الإسرائيليين ووقف اطلاق النار في غزة. وهو العدوان الذي أسفر حسب الاعترافات القطرية والحماسية عن سقوط عدد من الشهداء المرافقين لمسؤولي حماس مع عنصر من قوى الأمن الداخلي في قطر.
ومع أن القمة تمت الدعوة لها على عجل فقد حضرها عدد وافر من رؤساء الدول والحكومات ما يعبر عن اهتمام واضح في ضوء الأوضاع المتفاقمة في المنطقة. الكلمات التي ألقيت من جانب رؤساء الوفود كانت أعلى صوتا مما حمله البيان الختامي الصادر عنها، والذي لم يرتق إلى مستوى النقاشات التي دارت حول الاجراءات السياسية والدبلوماسية الواجب اتخاذها ردًّا على العدوان الإسرائيلي غير المسبوق على دولة تلعب دور الوسيط بين حماس واسرائيل، ويقصدها المفاوضون الإسرائيليون ويقيم فيها إلى هذا الحد أو ذاك مفاوضو حركة حماس.
ما توصلت إليه القمة لا يعدو أن يكون التحذير من مخاطر السياسات الإسرائيلية على صعيد العالمين العربي والإسلامي وتهديدها الوضع الأمني الإقليمي برمته، خصوصا وأنه استهدف هذه المرة دور الوسيط والمفاوض الذي تلعبه قطر، وهو دور يحظى بموافقة اطراف المعادلة بدءا من اميركا مرورا بإسرائيل انتهاء بحركة حماس ومن وراءها من دول إقليمية.
لكن ما يجب الإشارة إليه، يتعلق بالموقف الأميركي والإجازة الملتبسة للضربة الإسرائيلية. اذ يتضح من سياق ما تسرب من مواقف أميركية رسمية وإعلامية أن الرئيس دونالد ترامب والإدارة الأميركية كانا على علم بالهجوم الإسرائيلي. الخلاف الذي ظهر يتعلق بمدى الوقت الذي أبلغته أميركا لقطر بلحظات الغارة، بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يكرر بمناسبة ومن دونها أن القرار اتخذه هو دون سواه مبرئا الرئيس ترامب من الإجازة، بالنظر إلى الدور الذي يلعبه هو ووزير خارجيته الذي قصد المنطقة خلال القمة. وبدلا من أن يسعى الوزير الأميركي إلى “تطييب ” خاطر قطر والدول المجتمعة، تركزت معظم مواقفه على موضوع ايران وسلاحها النووي واعلانه عن تأييد السياسة الإسرائيلية، فضلا عن زيارته لحائط المبكى وتدشين نفق تحت المسجد الأقصى، قبل أن ينهي زيارته ويتوجه من إسرائيل إلى قطر بعد أن غادر “شعراء متردم” العرب والمسلمين الدوحة.
صولات وجولات جوية اسرائيلية
كل الذين هرعوا إلى قطر كانوا يتقصدون التقرب والتضامن مع هذه الدولة التي تشكل نقطة تقاطع أميركية – إيرانية – تركية – إسرائيلية – سعودية. وعليه يمكن القول إن حضورهم جميعا كان يبعث برسائل واضحة الدلالة، خصوصا وأن الطائرات الإسرائيلية التي تتكتم الأوساط القطرية والإسرائيلية والحمساوية على نتائج غارتها، لا يمكن أن تتحرك في سماء المنطقة دون علم أو ضوء أخضر أميركي من قاعدة العيديد حيث واحدة من أكبر قواعدها في العالم . وهو أمر أدركته قطر التي أعادت التأكيد على أن علاقاتها مع اميركا لن تهتز أو تتأثر بما حدث من عدوان. أما أميركا فقد أكدت أن الواقعة لن تتكرر، وأثنت بدورها على الوساطة التي تلعبها قطر والتي لا تستطيع سواها أن تلعبه.
اذن اقتصرت الإدانة والتنديد على اللغة الخطابية واستخدام جمل وتعابير حادة كلاميا من دون أي قوة تنفيذية، هذا على الرغم من أهمية القمة لناحية التضامن وإدانة الموقف والسياسة الإسرائيلية، إضافة إلى مستوى الحضور والتمثيل. وبذلك لم يرتق البيان الختامي إلى المستوى الذي عبرت عنه درجة الصفاقة الأميركية – الإسرائيلية، التي باتت تصول وتجول في المنطقة دون خطوط حمراء تلجم اندفاعتها. وما يجدر أخذه بنظر الاعتبار أن هذا التراخي في الموقف من العدوان دفع بكل من الدولتين المعتديتين إلى مواصلة الهجوم على كل من قطاع غزة والضفة الغربية حيث يرتفع معدل الضحايا اليومي عن مائة قتيل. علما أنه سبق ذلك في نفس اليوم هجمات طالت كل من اليمن وتونس وتواصلت على لبنان وسوريا.
والواضح أن البيان الختامي خلا من اتخاذ أي إجراءات عملية للجم الاندفاعة الاسرائيلية في أي من ساحات المواجهة، رغم ثقل وزن وعدد الكتلة العربية والإسلامية المشاركة. فالمواقف التي سبقت وواكبت القمة تجاوزت كلاميا سقف اللغة المعهودة، لكن ما تمخضت عنه وحمله البيان لم يتضمن أي ترجمة عملية لها، حتى في مستوى الإجراءات البسيطة من مثل سحب السفراء والممثلين التجاريين من جانب دول التطبيع العربية والاسلامية، أو إغلاق الأجواء في وجه الطيران التجاري الإسرائيلي، أو فرض عقوبات صريحة على إسرائيل.
استمرار دور الوسيط الأميركي
وكما لم يترافق البيان مع أي اجراءات فعلية إسرائيل، لم يتضمن أي إشارة إلى ممارسة ضغط من أي نوع على الولايات المتحدة الأميركية لتعديل سياساتها تجاه دول المنطقة؛ وظلت تحتفظ بصورتها في البيان الختامي بوصفها الوسيط في الصراعات المنفلتة من كل عقال، والتي تحظى بغطاء صريح يبيح لإسرائيل متابعة ما تعتزمه حكومة اليمين الصهيوني المتطرف من إقامة اسرائيل الكبرى وتغيير خريطة منطقة الشرق الأوسط وليس المنطقة العربية فقط. أي أن حجم هذا التغيير يتجاوز الدول العربية المستهدفة بالاستباحة ليصل إلى كل من تركيا وايران، وقد يتجاوزهما إلى ما هو أبعد منهما. والمؤكد أن الدول العربية والإسلامية تمتلك ادوات متعددة تستطيع استعمالها لممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية واقتصادية يمكن استخدامها على كل من اميركا وإسرائيل. وعلى هامش هذه القمة، عُقِدَت قمة خليجية استثنائية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قررت خلاله عقد اجتماع عاجل في الدوحة لمجلس الدفاع المشترك، يسبقه اجتماع للجنة العسكرية العليا، لتقييم الوضع الدفاعي لدول المجلس ومصادر التهديد في ضوء العدوان الإسرائيلي على قطر. ووجه قادة المجلس القيادة العسكرية الموحدة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل آليات الدفاع المشترك وقدرات الردع الخليجية. في ضوء فشل مقاربة الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، ومراجعة التحالفات الأمنية والاقتصادية القائمة، وقد يشكل ذلك فرصة لإعادة صياغة العقيدة الأمنية لدول المنطقة.
ولعل البيان الذي أصدره مجلس الأمن حول حل الدولتين وتولت صياغته كل من بريطانيا وفرنسا عند انتقال الحراك السياسي إلى الأمم المتحدة وعدم ذكره إسرائيل بالاسم باعتبارها الدولة القائمة بالعدوان على قطر، يكشف مدى الهشاشة في مواقف الدول العربية والإسلامية على حد سواء، خصوصًا في مواجهة إدارة دونالد ترمب الأكثر حساسية للمواقف السياسية والعقوبات الاقتصادية. وبما إن البيان لم يذكر إسرائيل بالاسم فقد امتنعت اميركا عن استعمال حق النقض – الفيتو – عليه نظرا إلى التواطوء الأوروبي العربي الإسلامي على هذه الصيغة الباهتة التي حصلت على 142 صوتا مقابل 10 ضد وامتناع 12 دولة. وإلى جانب ذلك، أحال البيان مهمة التصدي للتغول الإسرائيلي إلى المجتمع الدولي، بدلًا من أن يتبناه المجتمعان العربي والإسلامي.
قرار أميركي بتغيير خرائط المنطقة
هذا المستوى المتدني من المواجهة مع اميركا وإسرائيل هو ما أغرى الأخيرة باستمرار حرب الإبادة على غزة كمدينة وقطاع، بعد أن غابت التدابير الفورية والقطعية لإرغامها على وقفها. وعليه تابع الجيش الإسرائيلي زحفه على مدينة غزة في اطار خطة “عربات جدعون – 2” مدمرا كل ما هو أمامه من أبراج وأحياء وشوارع ودافعا مئات الألوف من الفلسطينيين في مسيرة من العذاب نحو الرحيل الاجباري باتجاه الجنوب. وفي الضفة الغربية يواصل المتطرفون الإسرائيليون من رسميين مؤيدي سموتريتش وبن غفير والمستوطنين غاراتهم على القرى والبلدات وتدمير ما يستطيعونه من بيوت وممتلكات وقتل الأبرياء، حتى أن المنشآت التي جرى دكها منذ مطلع العام 2025 بلغ ألف مؤسسة. يترافق ذلك مع مضاعفة حجم الاستيطان لفصل أجزاء الضفة الغربية وتطويق القدس وزيادة حجم الاستيطان بضم 7200 وحدة جديدة إلى المستوطنات القائمة، وزيادة عدد الحواجز والعوائق أمام حركة المواطنين، ورفع منسوب الاعتقالات والكثير من أشكال القمع العارية.
وتعتزم إسرائيل طرح خطة اتفاق أمني مع سورية تحقق لها جملة اهداف في مقدمتها تكريس اعتبار الجولان أرضا إسرائيلية بعد أن ضمتها إليها عام 1981 واعترف ترمب باسرائيليتها خلال رئاسته الأولى، وتكريس السيطرة على مرتفعات جبل الشيخ، وحق إسرائيل في الهيمنة الجوية على الجغرافيا السورية بأسرها، وتوسيع نطاق المنطقة العازلة، ومنع الجيش السوري من التمركز في محيط الجنوب أو امتلاك أسلحة ثقيلة، وبالتالي ضم المزيد من أراضي جنوب سوريا إلى إسرائيل. أي أن إسرائيل تعمل على توسيع نطاق سيطرتها بما يقود إلى وضع العاصمة السورية دمشق تحت رحمة نيران مدافعها. والمعروف أن مرتفعات جبل الشيخ تتيح السيطرة على سوريا بأكملها وحتى إلى داخل الحدود التركية. وفي لبنان يضيف الاحتلال الاسرائيلي ثلاثة مواقع عسكرية إلى الخمسة السابقة التي سبق وأعلن استمرار احتلاله لها. ويعمد إلى منع أي آلية في عملية إزالة الأنقاض في القرى المدمرة لبناء وحدات سكانية بديلا عن المدمرة في عدوانه المستمر، متذرعا بعدم تسليم حزب الله لسلاحه. كذلك يتابع عبر المسيَّرات والطيران الحربي قصفه اليومي للمنازل وقتله لأبناء الجنوب والبقاع ملوحا بمزيد من الهجمات.
هذا العرض التفصيلي يهدف إلى القول إن سقف مواقف الدول العربية والإسلامية في الدوحة كان بالغ التدني، وهو محصلة لمدى الاهتراء في مواقفهما وعجزهما عن اتخاذ الحد الأدنى من المواقف التي تستطيع لجم هذا الجموح في العدوانية الإسرائيلية المدارة اميركيا الذي يعبر عن نفسه هجوميا على سبع جبهات مشتعلة.
