غسان صليبي
شاء منظّمو الندوة ان يستخدموا كلمة “إشكاليّة” بديلاً من كلمة “مشكلة” في صياغة الموضوع المطروح على النقاش، والمبيّن في عنوان النص. إن “المشكلة” تمثّل الوضع الحالي الذي يحتاج لحل، فيما “الإشكاليّة” تُستخدم في البحث العلمي و”تُعرّف باعتبارها مجموعة من التساؤلات التي يضعها الباحث في ضوء دراسته العلميّة والتي تمثّل أجوبتها غاية أو هدف هذه الدراسة. أي تعدّ اشكالية البحث بمثابة جملة استفهاميّة توضح العلاقة بين المتغيّرات المتعلّقة بموضوع الدراسة العلميّة وتعمل على تفسيرها”.
سأفترض ان المنظمين تقصّدوا هذا التمييز بين المشكلة والإشكاليّة. يبقى ان طرح الإشكاليّة كما جاء في صياغة العنوان، يحيلنا الى سؤالين عامين مترابطين وليس الى سؤال واحد: السؤال الأول يتعلّق بإشكاليّة العلاقة بين الحصانة اللبنانيّة من جهة والضغوط والأخطار الخارجيّة من جهة أخرى؛ أمّا السؤال الثاني فيركّز على “الحصانة اللبنانيّة” بحدّ ذاتها وعلى الإشكاليّة الخاصة بها.
في مقاربتي للموضوع سأتناول الإشكاليتين معًا في تقاطعهما،
مختصرًا مداخلتي بأفكار اربعة مترابطة.
1ـ لا أعتقد بأنه من المستحسن مقاربة العلاقة بين الحصانة اللبنانيّة والمخاطر الخارجيّة، بهدف العمل على ملاءمة الحصانة الداخليّة مع مقتضيات المخاطر الخارجيّة، والاّ نكون كمن يستعيد النزعة السلطويّة التي بحجة ان “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” تطوّع الداخل بما يتلاءم مع مستلزمات المعركة المفترضة. أعتقد بالمقابل انه من الأسلم النظر الى الحصانة الداخليّة كهدف بحد ذاته والتعامل مع إشكاليتها، ومن ثم التساؤل الى أي مدى هذه الحصانة مؤهّلة لمواجهة الأخطار الخارجيّة، وبالتالي تدعيمها إذا اقتضى الأمر ذلك.
2ـ مفهوم الحصانة الداخليّة، قد لا يلقى إجماعًا وطنيًّا على معناه، سيّما إذا نُظِر اليه من ناحية العلاقة بين الطوائف أو بين “المكوّنات” بحسب التعبير الشائع. سأعتمد المفهوم الدستوري للحصانة اللبنانيّة المتمثّل بحصانة الدولة اللبنانية اي بواقع الحكومة والمجلس النيابي كمؤسّستين دستوريتين تعكسان حالة هذه الحصانة.
لا شيء يوحي بأن الحكومة تعاني من ضعف أو خلل لناحية تماسكها بعد أن تمكّنت من إنجاز بيانها الوزاري، وهو مؤشّر جيّد، من المفترض ان ينعكس إيجابًا على نيل الثقة من المجلس النيابي.
لم يصدر حتى الآن عن الأحزاب المشاركة في الحكومة عبر ما يسمّى بالإختصاصيين، إعتراضات على البيان الوزاري. غير ان إعلام “حزب الله” ومناصريه، بدأوا ينتقدون ويخوّنون عون وسلام، وعنونت جريدة “الأخبار” التابعة ل”حزب الله”: “الحكومة مجتمعة: خضوع تام للأميركيين”، فضلاً عن الصدام الذي حصل بين الجيش ومناصري “حزب الله” على طريق المطار بخصوص منع هبوط الطائرة الإيرانيّة. هذه المؤشرات قد تعقّد مسألة وحدة الحكومة وعمليّة نيلها الثقة من المجلس النيابي.
3ـ “الحصانة اللبنانيّة” متمثّلة بالحكومة والمجلس النيابي معرّضة للمزيد من الإهتزاز أمام مخاطر خارجيّة ثلاثة: عدم إنسحاب إسرائيل بشكل كامل من الجنوب وبقاء جيشها في خمس نقاط مع تأكيد العدّو ان هذا الاحتلال قد يطول؛ المناوشات على الحدود اللبنانيّة – السوريّة؛ الوصاية الإميركيّة العسكريّة والماليّة على لبنان.
المبادئ التي ترتكز عليها الحكومة اللبنانيّة لمواجهة هذه المخاطر، تضمّنها البيان الوزاري ويمكن تلخيصها فيما يلي:
- حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة.
- بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانيّة بقواها الذاتيّة.
- حق لبنان باعتماد كل الوسائل لانسحاب العدّو الإسرائيلي.
وقد جرى التأّكيد على هذه المبادئ في اجتماع الرؤساء الثلاثة في بعبدا، المخصّص لبحث عدم إنسحاب الكامل لإسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، بالإضافة الى تقديم شكوى أمام مجلس الأمن الدولي.
الملحّ اليوم هو كيفيّة مواجهة بقاء الاحتلال الإسرائيلي في بعض النقاط، فيما المخاطر المتأتّية من الحدود مع سوريا أو من الوصاية الأميركيّة فيبدو انها مؤجّلة وإن كانت تخضع هي أيضًا للمبادىء الثلاثة أعلاه.
كيفيّة مواجهة الإحتلال الإسرائيلي، وإن كانت تحظى بموقف حكومي موحّد، وبحصانة لبنانيّة عبّر عنها اجتماع الرؤساء الثلاثة في بعبدا، إلاّ انها لا شك قد تكون موضوع خلاف مع حزب الله حول نقطتين:
- الأولى: حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالدولة.
- الثانية: حق لبنان باعتماد كل الوسائل لانسحاب العدوّ الإسرائيلي.
قد يستخدم “حزب الله” النقطة الثانية للطعن بالنقطة الأولى. فما هو المقصود “بحق لبنان”، حق الدولة أم حق الدولة والشعب معًا، و”حزب الله” جزء منه؟ وما هو المقصود بـــ “كل الوسائل لانسحاب العدّو”، هل يشمل ذلك الوسائل العسكريّة وهل يمكن “للشعب” وتاليًا “حزب الله” كجزء من الشعب، إستخدام الوسائل العسكريّة؟
رئيس الجمهوريّة أجاب على السؤالين في استقباله لنقابة المحرّرين:
ـ “إن خيار الحرب لا يفيد، وسنعمل بالطرق الدبلوماسيّة لأن لبنان لم يعد يحتمل حربًا جديدةً”.
ـ “إن سلاح حزب الله يأتي ضمن حلول يتّفق عليها اللبنانيون”.
إذا كان الجواب الأول قاطعًا ولا يحتمل النقاش، فإن الجواب الثاني يحمل تفسيرات عديدة، رغم ان الرئيس عاد وأوضح انه بذلك كان يرد تحديدا على قول إسرائيل انها تفضّل ان يتولّى الجيش اللبناني نزع سلاح “حزب الله”.
مهما تعدّدت التفسيرات أتمنّى ان يكون المقصود بموقف الرئيس حول سلاح “حزب الله”، هو ان الحلول التي على اللبنانيين ان يتّفقوا عليها، يجب ان تبحث في إطار الحكومة وليس كالسابق، عن طريق حوار وطني غير دستوري يعيد مناقشة مبدأ حصريّة السلاح بيد الدولة. فالمطلوب حصرياً الإتّفاق على كيفيّة تطبيق هذا المبدأ على الأرض. وعلى القرارات ان تُتّخذ داخل الحكومة، من خلال الحوار بداية والتصويت لاحقًا. فإحدى الركائز الأساسيّة للحصانة الوطنيّة في نظام ديمقراطي برلماني، هو ان تتّخذ القرارات بحسب الدستور وعبر الآلية الديمقراطيّة، وليس عبر الإجماع الذي قد لا يتوفّر، وهو في العادة لا يتوفّر، ليس في لبنان فقط، بل في البلدان كافة، ولذلك لجأت الشعوب الى اعتماد الديمقراطية حرصًا منها على انتظام عمل المؤسّسات الدستوريّة.
4ـ عدم اللجوء الى الحرب كما قال الرئيس بل الى الدبلوماسية لتحرير الجنوب بشكل كامل، لا يلغي حق الشعب بتحرير الارض بالطرق السلمية او اللاعنفية. لقد عالجتُ المسألة بشكل موسّع في مقال منشور في “النهار” تحت عنوان “هل تشهد شعوب “الشرق الأوسط الجديد” ولادة ثقافة اللاعنف؟”. أكتفي هنا بالملاحظات التالية:
ـ لم يعد مقنعًا لا بل أصبح مضحكًا، تكرار مقولة “أن إسرائيل لا تفهم إلاّ لغة القوّة “. لم يعد مقنعًا لا بل أصبح مبكيًا، تكرار مقولة أن لا بديل عن المقاومة العسكريّة، لإسرائيل أو لإميركا أو لأي دولة من الدول التي تلعب دورًا مهيمنًا في منطقتنا. “طوفان الأقصى” كان الأقسى على شعب فلسطين وقضيتها، و”حرب الإسناد” لم يسندها لا عقل ولا منطق ولا حجة ولا نتائج. الحربان الإسرائيليتان على غزّة وعلى لبنان، أثبتتا العجز الكامل للمقاومات العسكريّة في التصدّي للآلة العسكريّة الإسرائيليّة. والتقدّم التكنولوجي وتأثيره على موازين القوى العسكريّة مرشّح لتوسيع الفجوة أكثر فأكثر بين قدرات إسرائيل وإمكانيات المقاومات العسكرية. نحن نشهد على تهافت منطق المقاومات العسكريّة، وما تبقّى منه أصبح أشبه بالهذيان.
ـ إفلاس المقاومات العسكريّة التي ترافقت دائمًا مع التبعيّة لأطراف خارجيّة ـ أي انها كانت تقاوم إحتلالاً بالرضوخ الى إحتلال آخر- لا يعني الإستسلام للعنف وما يمليه على شعوب المنطقة وأنظمتها السياسيّة.
ـ يمكن بتبسيط تام، تبيان عنصرين في الثقافة اللاعنفيّة، عنصر إستراتيجي وعنصر أخلاقي – فلسفي. العنصر الإستراتيجي يروّج للثقافة اللاعنفيّة، بصفتها مقاربة نضاليّة تحتاج الى إستراتيجيا وتكتيكات وتدريب لتحقّق أهدافها، وهي أنجع من المقاومات العسكريّة في ظروف معيّنة، حيث الخصم يستخدم العنف كوسيلة هيمنة، والمقاومة العنفيّة تناسبه تمامًا كحجّة لممارسة بطشه. لكن هذا يفترض في واقعنا الجنوبي، الفصل بين المقاومة الشعبية اللاعنفية و”حزب الله”،
الذي يعطي وجوده بين الاهالي او رفع اعلامه من قبل العائدين الى بلداتهم، حجة كافية للعدو لممارسة عنفه، وهذا ما حصل بالفعل أخيرا مع الاهالي الذين حاولوا العودة سلمياً الى بلداتهم.
ـ اللاعنف ليس فقط خيارًا لأنه إستراتيجيا ناجحة في مواجهة العنف واللاتوازن الفاضح في موازين القوى، أي ان أهمّيته ليست “عملانيّة” فحسب، بل أخلاقيّة – فلسفيّة أيضا. فإذا كان العنف، الممثل باسرائيل واميركا خاصة، هو من يصنع تاريخنا ويضع قيمة السلاح وتأثيره فوق قيمة الإنسان وإرادته، فهل نتبنى هذه الإخلاقيّة ـ التي هي أشبه بشريعة الغاب التي يسيطر فيها الأقوى على الاضعف ويملي عليه ارادته بدون إعتبار للقيم والقانون والكرامة الإنسانيّة ـ فنردّ على العنف بالعنف فيما نحن ننتقده ونرفض آثاره؟ أم انه علينا إنتاج أخلاقيات مناقضة، ولو بحكم الأمر الواقع وبفعل الهزيمة؟
عودة الجنوبيين الى أرضهم وعيشهم بسلام ودون خوف وقلق نابعَين من تمركز الاحتلال على التلال في ارضهم، يطرح على الدولة وعلى جميع اللبنانيين إشكالية الضغط الدبلوماسي والمقاومة اللاعنفية كما حددناها اعلاه، مضافاً اليهما ضرورة إعادة اعمار بلداتهم وقراهم. وهذا ما يحتّم مقاومة دبلوماسية ناشطة لسعي اميركا للربط بين نزع سلاح “حزب الله” والسماح بتدفق المساعدات المالية الى لبنان من اجل الاعمار والنهوض الاقتصادي. وهذا ما يحتاج الى حصانة لبنانية تجسدها الدولة، وهي تحاول الفصل بين الاستجابة الفورية لحاجات شعبها في الجنوب، والمعالجة الهادئة لمسألة حصر السلاح بيدها، والتي تحتاج الى بعض الوقت في المناطق الواقعة شمال الليطاني، وقد تواجه عراقيل جمة. وفي هذا السياق، تتحمل الاطراف المعارضة ل”حزب الله” والممثلة في الحكومة، المسؤولية الأكبر في مجال تسهيل هذه المقاربة.
*النص الكامل لمداخلة الدكتور غسان صليبي التي قدمها في ندوة منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني في 19 شباط/ فبراير 2025 تحت عنوان” إشكالية الحصانة اللبنانية أمام الضغوط والاخطار الخارجية”.
Leave a Comment