سياسة

أهل السلطة والحكومة وفقدانهما الأهلية الوطنية

ما يجعله الفضيحة الأكبر في تاريخ الطبقة السياسية، خاصة وزراء تيار “العهد القوي”. وعليه، تم نزع الملف من الحكومة واصبح في عهدة رئيس المجلس، ليضاف إلى ملف التفاوض لترسيم الحدود البرية والبحرية والوساطة الاميركية مع العدو الاسرائيلي.

تؤكد قوى السلطة وبشكل يومي تصاعد حدة الانفصام مع الواقع، على كافة مسارات التعامل مع الانهيار الذي دخل مراحل موجعة وخطيرة. وعليه، تستمر في الإستهانة بحقوق اللبنانيين والبلد ومصيرهما، بدءاً من مواجهة غضب اللبنانيين طوال أشهر الانتفاضة بكل ما أمكن من قمع رسمي أو ميليشياوي، إلى تشكيل الحكومة – الظل، ومعارك انعقاد جلسات البرلمان، وما رافقها من إجراءات وممارسات عنف بحق اللبنانيين، من أجل تأمين النصاب لمنحها ثقة بحضور مدعي معارضتها، ليقفوا معاً يتبادلون التهاني بعد انتهاك الدستور والقوانين والأنظمة، وإثبات قدراتهم على تزوير إرادة اللبنانيين بمن فيهم الذين انتخبوهم ووثقوا بهم. 

لم يختلف أداء أهل النظام طول عقود، سواء في ظل سلطة الوصاية السورية أو مع شركائها وورثتها، أو على صعيد السياسات الاقتصادية والمالية المعتمدة، وصراعات المحاصصة الطائفية والفساد السياسي المرافق. بعد أن استطاعوا  تعطيل أدوات النضال الاجتماعي والديمقراطي، كما استغلوا الانقسامات الطائفية  لإدامة شبح الحرب الاهلية وثقافتها وسيلة  لشل مؤسسات الدولة والمجتمع.

ولم يتبدل الأمر بعد تشكيل الحكومة وجلسة الثقة. لذلك انصرف كل طرف إلى ترصيد حساباته وحصر الأرباح والخسائر في إطار إعادة تنظيم الاصطفافات والمواقع، تحضيراً لمعارك تصفية الحسابات، والاستثمار في مضاعفات الانهيار الزاحف، واعتماد كل وسائل التعمية والتضليل حول أسبابه، للتبروء من المسؤولية عن مخاطره وتحميلها للآخر. لقد سعي الجميع لقهر الانتفاضة والتعامل معها كميدان صراع وتجاذب لشرذمتها وتجويفها، من خلال استغلال نقاط ضعفها، بهدف قطع الطريق على تأسيس حركة معارضة ديمقراطية مستقلة، تشكل رافعة لبناء كتلة شعبية ضاغطة من أجل وقف الانهيار، وفرض سياسات وطنية تمنع خطر التفكك والفوضى المطلقة التي يبشرنا بها قادة السلطة وأهل الحكم.  

لذلك لم يكن مفاجئاً أن ينصرف الذين التزموا معارضة الحكومة من موقع السلطة، إلى إعادة ترتيب  قواهم  وعلاقاتهم، وسط ارتباك شديد بالنظر لحجم الخسائر التي حلت بهم وحال التفكك والاختلافات بينهم، واختلاف أولويات كل منهم بعد أن سقطت الاتفاقات والتسويات التي عقدوها، وأصبحوا محاصرين خارج الحكومة الجديدة في ظل موزاين قوى داخلية واقليمية مختلة.

هكذا سارع تيار المستقبل ورئيسه إلى نعى التسوية التي أعادته إلى رئاسة الحكومة، بعدما تعرض لابتزاز رئيس الظل ومصالح تياره وفئويته. ومع تآكل وزنه الداخلي واقفال مؤسساته الاعلامية والخدماتية وضعف تياره، وخسارة  ثقة رُعاته الخليجيين، فشل في الاحتفاظ بموقع رئاسة الحكومة والاستفادة من الدعم الدولي المشروط بالمطالب الاصلاحية. وعليه فإن انتفاضة رئيس الحكومة السابق بوجه العهد وظله، واستحضار إرث والده لترميم تياره، لا يمكن التعويل عليها للعودة إلى السراى. ولن يفيده في ذلك أيضاً إدامتة ربط النزاع مع حزب الله وسلاحه، لأن العودة تحتاج إلى تسوية جديدة  يقررها صراع المصالح والنفوذ بين النظام الايراني واميركا  في المنطقة وموقع لبنان فيها، علماً أن موسم البحث فيها مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الأميركية.  

لا يختلف الأمر بالنسبة للقوات أو الحزب الاشتراكي حيث كل منهما يتعرض لحصار متعدد الجبهات، بالتوازي مع تصعيد نهج العهد وتياره الإلغائي حيالهما،  والإصرار على تصفية الحسابات معهما، واستغلال عجزهما عن تشكيل جبهة مع رئيس الحكومة السابق لأكثر من سبب. وعليه فإن معارضتهما للحكومة من موقع السلطة لن تشكل حصانة لهما، ولن تمكن أياً منهما، في ظل التوزانات الراهنة من استعادة أدوار فاعلة في المدى المنظور.

     ولأن العهد يعتقد أن الفرصة سانحة  للإنفراد والتفرد في إدارة البلد، فإنه لم يتأخر عن فتح معاركه على أكثر من جبهة، وعدم الإكتفاء بتوزيع الاتهامات على خصومه، وتحميلهم مع الآخرين تعطيل برنامجه “الاصلاحي”. أما الحكومة الجديدة فتقديمه الرعاية والدعم لها مشروط بتنفيذ طلباته، وهو جاهز لفتح ملفات  الارتكابات والمخالفات بوجه المعترضين، والنزول إلى الشارع لتطويع حاكم المصرف المركزي أو عزله، عدا مصادرته للإنجازت المتحققة على ضآلتها وتنسيبها لتياره كما هو الحال بالنسبة للتنقيب عن النفط.

   بدوره رئيس حركة أمل عراب تشكيل  الحكومة الجديدة وجلسة الثقة المطعون فيها دستورياً وسياسياً. فإنه لم يتأخر ولأكثر من سبب عن الاشتباك مع العهد وتياره من خلال الإعلان عن وضع يده على ملف الكهرباء من بوابة الاعتراض على تبني الحكومة الخطة المقرة سابقاً بكل التباساتها، وهو الملف الأكثر شهرة وفجوراً في الهدر والفساد والمحاصصة والصفقات، بالنظر لأكلافه التي تفوق ما نسبته 40% من الدين العام، ما يجعله الفضيحة الأكبر في تاريخ الطبقة السياسية، خاصة وزراء تيار “العهد القوي”. وعليه، تم نزع الملف من الحكومة واصبح في عهدة رئيس المجلس، ليضاف إلى ملف التفاوض لترسيم الحدود البرية والبحرية والوساطة الاميركية مع العدو الاسرائيلي.

    ولا يكتمل مشهد الطبقة السياسية، ونفض اليد من الحكومة وانعدام الثقة بقدرتها على معالجة الملفات المتفجرة وبازار التنافس على اخضاعها، إلا مع اعلان براءة حزب الله منها، وهي المحسوبة عليه، وهذ مخالف لما أكدته زيارة رئيس مجلس الشورى الايراني الذي كان أول المهنئين بتشكيلها، والإشادة بإنجازات الحزب ودوره، واعلان استعداد إيران لتقديم الدعم للبنان. إما وصفه أنها حكومة مستقلين لا تملك خططاً انقاذية جاهزة، فهو تجاهل لتبنيها الموازنة والخطط الاصلاحية والكهربائية المقرة من حكومته السابقة. والمفارقة الأهم أن حسابات الحزب وسياساته لا تتضمن إعطاء البلد فرصة النأي عن أزمات دول الجوار المتفجرة مراعاةً لمصلحته الوطنية. كما أنه يرفض وضع حد لتحميل لبنان أعباء الارتباط  بسياسات النظام الإيراني، وتجاهل غياب الإجماع الوطني حوله. وبما أنه لا يتأثر بالعقوبات الاميركية أو الانهيار المالي، فإن أمينه العام يطالب الآخرين بهذا الإجماع لإنقاذ البلد وإعطاء “حكومته” فرصة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والمالية، وإعانتها على القيام بالاصلاحات الموجعة.

ولأن جميع قوى السلطة شركاء في المسؤولية عن ارتهان البلد للخارج وعن الانهيار، فإن تقاذف التهم وحصرها بالخصوم أو بحاكم المصرف المركزي، هو إمعان في التضليل والتعمية على مصالحهم الفئوية. وليس إرتباك الحكومة ودوائر أهل السلطة إلا تأكيد لعدم أهليتهم في حكم البلد، وفقدانهم ثقة غالبية اللبنانيين وثقة الدول والجهات التي يأملون مساعدتها للخروج من كارثة الانهيار المتحققة بفضل أدائهم في مختلف المجالات.

[author title=”زكي طه” image=”http://”]كاتب لبناني[/author]