صحف وآراء مجتمع

هل مات الكاتب أم ماتت الكتابة؟

 * زكريا نمر

ليست كل الكلمات كتابة، كما أن ليس كل من ينشر نصا كاتبا. فالكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، ولا قدرة على ترتيب الجمل، ولا براعة في اختيار المفردات، بل هي موقف من العالم، وصراع دائم مع الذات، ومحاولة لاكتشاف الإنسان وهو يقف على حافة المجهول. إنها ليست مهنة، بل طريقة في الوجود. ومع ذلك، يبدو أننا نعيش لحظة تاريخية فقدت فيها الكتابة معناها الأصلي. لم تعد الكلمات تبحث عن الحقيقة، بل عن الانتشار، ولم يعد الكاتب يسأل: “ماذا أريد أن أقول؟”، بل أصبح يسأل: “كيف أجذب الانتباه؟”. وهكذا انتقلت الكتابة من كونها فعلا وجوديا إلى نشاط رقمي، ومن مغامرة معرفية إلى منتج يخضع لقوانين السوق والخوارزمية.

هذه ليست أزمة لغة، ولا أزمة نشر، ولا حتى أزمة قارئ، بل أزمة وعي. إنها أزمة الإنسان الذي لم يعد يرى في الكتابة وسيلة لفهم العالم، بل وسيلة لبناء صورته داخله. لقد أصبحت الكتابة عند كثيرين شكلا من أشكال التسويق الذاتي، وتحول الكاتب إلى مشروع علاقات عامة أكثر منه مشروعا فكريا.كان فريدريش نيتشه يرى أن كل فكرة عظيمة تولد من الألم، وأن الإنسان لا يبدع لأنه يريد التصفيق، بل لأنه لا يستطيع أن يصمت. لذلك كان يحتقر أولئك الذين يكتبون لإرضاء الجمهور، لأن الحقيقة في نظره ليست ديمقراطية، ولا تخضع للتصويت.

ولو عاد نيتشه إلى عصرنا، لوجد أن الكاتب لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل عن الخوارزمية المناسبة. لم يعد يقيس نجاحه بعمق ما كتب، بل بسرعة انتشاره. أصبح النص يقاس بعدد الإعجابات، وكأن الحقيقة يمكن اختزالها في رقم يظهر أسفل المنشور.فكلما ازدادت وسائل التعبير، تراجعت حرية التعبير الحقيقية، لأن الكاتب صار سجينا لذوق الجمهور. لم يعد يكتب ما يؤمن به، بل ما يضمن له التفاعل. لقد انتقلت السلطة من الرقيب السياسي إلى رقيب أكثر خفاء، هو الجمهور نفسه. كان إميل سيوران يكتب لأنه كان يرى أن الكتابة تؤجل الانهيار الداخلي. لم يكن يؤمن بالأدب بوصفه مهنة، بل بوصفه اعترافا طويلا مع العدم. ولذلك جاءت نصوصه مليئة بالشك والمرارة والسخرية من الإنسان.

أما اليوم، فقد تحولت الكتابة عند كثيرين إلى وسيلة لإنتاج التفاؤل المعلب، أو الحكم السريعة، أو المنشورات التي تطلب التصفيق أكثر مما تطلب التفكير.لقد اختفت الكتابة التي تزعج القارئ، وحلت محلها الكتابة التي تداعبه. اختفى الكاتب الذي يهدم يقينك، وظهر صانع المحتوى الذي يؤكد لك أنك على حق دائما. وهذه ليست كتابة، بل تجارة نفسية، لأن الكاتب الذي يخشى خسارة جمهوره لن يمتلك الشجاعة الكافية ليقول ما لا يريد الجمهور سماعه.  مارتن هايدغر إن اللغة هي بيت الوجود، وكان يقصد أن الإنسان لا يسكن العالم إلا عبر اللغة، وأن الكلمات ليست أدوات محايدة، بل هي الطريقة التي ينكشف بها الوجود.

لكن ماذا يحدث عندما تتحول اللغة إلى وسيلة تسويق؟عندما تصبح الكلمات مجرد أدوات لجذب الانتباه، فإنها تفقد قدرتها على كشف الحقيقة، وتتحول إلى إشارات استهلاكية لا تعيش إلا بقدر ما تحققه من تفاعل. لم تعد اللغة بيتا للوجود، بل أصبحت واجهة إعلانية للذات.وحين كتب رولان بارت مقاله الشهير موت المؤلف، لم يكن يريد إلغاء الكاتب، بل تحرير النص من سلطة نوايا صاحبه، ليصبح المعنى ملكا للقارئ. لكننا اليوم نعيش شكلا مختلفا من الموت؛ ليس موت المؤلف، بل موت الكاتب نفسه.
فالكاتب لم يعد يعرف من خلال نصوصه، بل من خلال صورته الرقمية. أصبح الناس يتابعون حياته أكثر مما يقرؤون كتبه، ويتفاعلون مع صوره أكثر مما يناقشون أفكاره. لقد انتصر المؤلف بوصفه شخصية عامة، ومات الكاتب بوصفه عقلا منتجا. وقد وصف الفيلسوف غي ديبور هذا الواقع في حديثه عن مجتمع الفرجة، حيث لم يعد الإنسان يعيش الواقع مباشرة، بل يعيش صوره. كل شيء يتحول إلى عرض، وإلى مشهد، وإلى سلعة قابلة للاستهلاك. و الكتابة كانت من أكبر ضحايا هذا التحول. فالكاتب لم يعد مطالبا بإنتاج نص عظيم، بل بإنتاج حضور دائم. إن غاب أسبوعا، نسيه الجمهور، وإن كتب نصا طويلا، قيل له إن الناس لم تعد تملك وقتا للقراءة.

وهكذا أصبح الكاتب أسيرا لمنطق السوق؛ عليه أن ينشر باستمرار، وأن يظل مرئيا، حتى لو كان ذلك على حساب جودة ما يكتب. إن مجتمع الفرجة لا يحب التأمل، لأنه بطيء، ولا يحب الشك، لأنه يربك السوق. إنه يريد انفعالا سريعا، ثم ينتقل إلى العرض التالي. وأخطر ما أنتجته هذه المرحلة أن كثيرا من الناس أصبحوا يريدون لقب الكاتب، لا مشقة الكتابة. يريدون صورة توقيع الكتب، ولا يريدون سنوات القراءة. يريدون مقابلات الإعلام، ولا يريدون عزلة المكتبة. يريدون التصفيق، ولا يريدون النقد.

ولهذا أصبح الطريق إلى الشهرة أقصر من الطريق إلى المعرفة، مع أن المعرفة لا تعترف بالاختصارات. فالكاتب الحقيقي لا يولد يوم ينشر كتابه، بل يوم يبدأ في الشك بكل ما يعتقد أنه يعرفه. ولا يمكن لكاتب أن يخلق عالما جديدا إذا كان يعيش داخل عالمه الضيق. فالقراءة ليست جمعا للمعلومات، بل إعادة تشكيل للعقل. وكل كتاب عظيم يهدم شيئا في داخلك قبل أن يبني شيئا جديدا. ولذلك فإن الكاتب الذي يقرأ فقط ما يؤكد قناعاته، لن يكتب إلا ما يعرفه مسبقا، أما الكاتب الحقيقي، فهو يقرأ خصومه قبل أصدقائه، ويقرأ ما يزعجه أكثر مما يريحه، لأنه يعرف أن الحقيقة لا تولد من الاتفاق، بل من الاحتكاك.
وهناك فرق جوهري بين الكاتب وصانع المحتوى. فصانع المحتوى يسأل: ماذا يريد الجمهور؟ أما الكاتب فيسأل: ماذا يحتاج الجمهور أن يسمعه، حتى لو رفضه؟ صانع المحتوى يستهلك اللحظة، أما الكاتب فيحاول أن يكتب ضد اللحظة، من أجل المستقبل. ولهذا فإن كثيرا من النصوص التي تحقق ملايين المشاهدات اليوم، لن يتذكرها أحد بعد سنوات، بينما قد يبقى نص واحد مجهول قادرا على التأثير في أجيال كاملة. فالزمن، لا الخوارزمية، هو الناقد الحقيقي.وربما لم تعد المشكلة أن الناس توقفوا عن القراءة، بل أن كثيرا ممن يكتبون توقفوا عن التفكير.

لقد أصبح العالم مليئا بالكلمات، وفقيرا بالأفكار، ومليئا بالناشرين، وفقيرا بالمؤلفين، ومليئا بالمشاهير، وفقيرا بالمثقفين. إن الكتابة ليست طريقا إلى الشهرة، بل طريق طويل نحو معرفة الذات، ولا ينجح فيه إلا من يقبل أن يعيش في عزلة السؤال، وأن يدفع ثمن الفكرة، وأن يكتب لأنه لا يستطيع أن يفعل غير ذلك. فالكاتب الحقيقي لا يبحث عن التصفيق، بل عن الجملة التي تستطيع أن تعيش بعد موته. وربما يكون هذا هو المعيار الوحيد الذي يستحق أن نقيس به الأدب: ليس عدد من قرأ النص اليوم، بل عدد من سيحتاج إليه بعد خمسين عاما. وهذا ما يجعل الكتابة فعلا يتجاوز النشر، ويتجاوز الشهرة، ويتجاوز الكاتب نفسه.

إنها محاولة متواضعة لمقاومة النسيان، والدفاع عن المعنى، والإيمان بأن الكلمة الصادقة قد تعيش أكثر من صاحبها، وأكثر من عصرها، وأكثر من كل الخوارزميات التي تتوهم أنها قادرة على تحديد قيمة الإنسان.

 * تم النشر بتاريخ 3 تموز 2026 على صفحة الفايسبوك الخاصة بالكاتب