سياسة مجتمع

نظام اسرائيل لإفناء نبض الشعوب العربية في فلسطين ولبنان 1/2 ـ السؤال المعادي هو: كيف تريد الموت وحيداً أم مع باقي العائلة؟

الدكتور زهير هواري

بيروت 4 أيار 2026 ـ بيروت الحرية

بين إقرار قانون الاعدام للمعتقلين الفلسطينيين المتهمين بقتل اسرائيليين وممارسات قوات الاحتلال في كل من قطاع غزة ولبنان أكثر من حبل سُرَّة. فالقانون الذي أقره الكنيست يمارَس في بلاد يُفترض أنها تخضع لاتفاقيات جنيف حول الحرب. أما تلك الممارسات التي تقارب الاعدام، وإن لم تتسم به، فتتم في مناطق مستهدفة بموجب حكم الميدان المعلن، لكنها تؤدي إلى النتيجة نفسها، أي تنفيذ أحكام الإعدام. ولنبدأ من لبنان ثم من الضفة الغربية نفسها، وامتدادا نحو قطاع غزة، الذي تعرض لحرب مدمرة لا علاقة لمجرياتها بالقوانين والمواثيق الدولية.

الموت اختياراً وطوعاً

أكثر من مرة سألت طائرة مسيرة مواطنا لبنانيا قد يكون منتميا إلى حزب الله أو لا، وكان في زيارة ذويه أو عائلته في منطقة جنوبية وغيرها كيف تريد أن تموت؟ هل لوحدك أم مع العائلة ؟ عندها اختار المعني أن يستشهد وحده دون عائلته. فكان أن خرج من البيت أو من سيارته إلى مساحة خلاء فجرى قتله بصاروخ من مسيَّرة. المئات والألوف لم يتم سؤالهم عن الموت الذي يختارونه.

قصة  المسؤول المحلي في “حزب الله” أحمد ترمس معروفة جنوبيا ولبنانيا. فقد كان أحمد الذي يشغل موقع الرابط في قريته طلوسة – قضاء مرجعيون في زيارة عائلية يوم 16 شباط / فبراير الماضي ، وهي قرية تقع في الخط الثاني الداخلي من الحدود، وخلال جلوسه مع زوجته في منزل شقيقها، سمع صوت مسيرتين في السماء، قبل أن يرن هاتفه. ويسأله المتصل بصوت هاديء وواضح: “معنا أحمد ترمس؟” فأجاب بنعم، ليتابع المتصل: “معك الجيش الإسرائيلي. يا أحمد، بدك تموت إنت واللي معك… أو لحالك (هل تريد أن تموت أنت ومن معك أو وحدك)؟”، فأجابه فوراً: “لحالي”. وعليه فقد خرج من المنزل وركب سيارته مبتعدا عن المكان. فكان أن أطلقت عليه المسيرة صاروخين أديا إلى احتراقه ومقتله على الفور. ويذكر أن الـ”رابط” يشكل حلقة وصل بين قيادة الحزب المركزية والأهالي في القرية، وظيفته ليست عسكرية مباشرة، بل تتعلق أكثر بالجانب الاجتماعي والتنظيمي. وكان “حزب الله” نعى نجل أحمد ترمس، حسن، في 12 شباط / فبراير 2024، أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان (اندبندنت عربية)

وهذه الحادثة ليست الأولى كما لن تكون الأخيرة، وقد شغلت بمضمونها وأسلوبها وشكلها وقسوتها معظم اللبنانيين، وتناقلتها معظم مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الاعلامية   المحلية كونها عبرت عن أسلوب جديد في تصفية عناصر الحزب، ليس باصطيادهم المفاجئ من الجو، كما هي العادة منذ أكثر من عامين، وبخاصة بعد إعلان وقف إطلاق النار خلال الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بل بتخييرهم بالموت إما فرادى، أو مع أفراد عائلاتهم، خياران لا ثالث له.

بالعودة إلى القانون الدولي يتبين أن كل الذين جرى قتلهم على الطرقات أو في بيوتهم حتى ولو كانوا من المقاتلين، لا يمكن اعتبارهم في عداد المحاربين في الميدان، وبالتالي لا يمكن القضاء عليهم قانونيا. اسرائيل تكيِّف القانون الدولي كما تريد فتصنف هؤلاء أنهم محاربون، يمكن قتلهم أينما استطاعت الوصول إليهم، وعندها تتولى إنزال عقاب الموت بهم. ما يعني أن حكما بالاعدام صدر بحقهم لمجرد أن قرر جهاز اسرائيلي القضاء عليهم. كل الذين قتلوا على الطرقات بمسيرات، وهم يتنقلون بدراجة أو سيارة وأمثالهم هم في هذه الخانة. والمفارقة أن عمليات اعدام مشابهة طالت رُعاة ومزارعين وباعة متجولين ومواطنين كانوا يتفقدون بيوتهم أو يقصدونها لنقل أغراض لأبنائهم منها.

ثم إن تهجير حوالي 1.300.000 مواطن من مناطق الجنوب والضاحية وبيروت والبقاع الغربي وبعلبك الهرمل. وهي عملية ليست سوى شكل من أشكال السحق الاسرائيلي للبنان وكيانه. بالطبع نسف القرى والبلدات والمدن وجعل أحيائها مجرد أكوام من الحجارة، وتدمير الجسور والمزارع والمعامل والمرافئ وغيرها من مؤسسات العيش، هو شكل من أشكال اعدام الحياة في مناطق جنوب الليطاني وشماله. خصوصا مع جعلها غير قابلة للإحياء ثانية على المدى القريب. لكن في المقابل هناك عمليات اعدام موصوفة.  واذا ما تذكرنا أنه في الشهر الثالث أي حتى مطالع شهر أيار الجاري ( 4 منه)  سقط  حوالي 10.000 ضحية وجريح، وتضررت أو أقفلت حوالي 19 مستشفى، وتضررت 119 سيارة اسعاف، ومسحت من الوجود 20 قرية، وطال التهديد بالإخلاء عشرات القرى والبلدات بالنظر إلى الإنذارات اليومية التي يصدرها الناطق العسكري الاسرائيلي.

قبل أن نتحدث عما جرى في لبنان، نشير إلى أن الحكم الوحيد في “قانون العقوبات” الذي أصدرته اسرائيل على كل من يتمرد على الخضوع لأحكام احتلالها وسيطرتها القاهرة هو الاعدام . ما أن تنطق بمثل هذه التهمة حتى يجري تنفيذها انطلاقا من مقومات التكنولوجيا التي يملكها جيشها. ولا وجود لعقوبة أقل أو لقضاة وشهود وهيئة اتهامية ومحامي دفاع و… وتنطبق عقوبة الاعدام ايضا على من يفكرون بالاعتداء على اسرائيل أو يعيقون مخططاتها. فمثلا في تفسير القرار 1701 بموجب اتفاق 24 تشرين الثاني من العام 2024 هناك نص تفسره اسرائيل أنه يعطيها الحق باستهداف من ينوي مهاجمتها. أي أن اسرائيل دخلت في نوايا أو عقل فلان وعلان، فرأت أنه يشكل خطرا عليها، لذلك قررت تصفيته.

ما يجب التوقف عنده أن القوانين الدولية التي عبرت عنها اتفاقيات جنيف لا توافق على إلحاق الأذى بالمقاتلين في حال لم يكونوا في ميدان الحرب، فهدف الحرب ليس قتلهم، بل تحييدهم عن أداء مهامهم. أي أنه لا يجوز قتل المقاتل أو إلحاق الأذى به، اذا كان خارج المهمة مع الوحدات المقاتلة على الجبهة. أكثر من ذلك لا تعتبر معاهدات جنيف أن هدف الحرب هو قتل الجندي المعادي، بل تحدد الهدف من القتال بمنعه عن الاستمرار بممارسة مهمة القتال. أي تعطيل فاعليته الحربية بحصاره أو أسره.

في بداية المعارك تعمدت القوات الاسرائيلية بآلتها الحربية تخفيض منسوب الخطر عن غير المستهدفين، وحاولت امتصاص موجة العداء التي شملت سائر الدول الغربية خصوصا الجامعات، بعد التنكيل الهمجي الذي مارسته حيال الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، حتى أن ترمب نفسه الذي لا يُعرف بأن “قلبه رقيق” إزاء حياة الشعوب، أعلن أن اميركا لم يعد بمكنتها استمرار الدفاع عن صورة اسرائيل لدى الرأي العام العالمي. المهم أن اسرائيل حاولت بداية تغيير الصورة التي رسخت عن ممارساتها الحربية، لكن ذلك لم يستمر طويلا. كل عمليات الاغتيال يمكن وصفها بأنها عمليات اعدام، حتى ولو استُعملت خلالها الطائرات الحربية أو المسيَّرة وغيرها من آلات الحرب الحديثة.

الاغتيالات جنوب الليطاني وشماله

في دراسة أعدها الباحث حسين شعبان ونشرتها “المفكرة القانونية” بتاريخ29 / 8 / 2025 ظهر من خلال التوثيق أنّ 76% من مجموع ضحايا الضربات الإسرائيلية (شهداء وجرحى) خلال فترة ما بعد إعلان وقف الأعمال العدائيّة، غيرُ منتمين للأحزاب أو التنظيمات التي تزعم إسرائيل استهدافها. أمّا الشهداء، فـ 40% منهم غير منتمين. كما يَظهر نمطٌ من استهداف المنتسبين حزبيًا في سياراتهم ودراجاتهم النارية وأمام منازلهم أو منازل أقارب لهم، من دون إظهار مبررات قانونية قابلة للتدقيق، بما يندرج غالبًا ضمن الاغتيالات وأفعال القتل غير المشروع لا “تحييد المقاتلين كما تنص عليه اتفاقيات جنيف”.

يتّضح ذلك من تركّز استهداف المدنيين ونمط الاغتيالات جنوب الليطاني وشماله أيضا. هناك، حدّد إعلان وقف الأعمال العدائية، آليات تطبيقية للقرار 1701، ومسارًا لمعالجة أي انتهاك لا يشمل استخدام القوّة، ويحصرها بحالة الدفاع عن النفس ردًّا على اعتداءٍ متحقّق. ومن المهم التذكير بأنّ إعلان وقف الأعمال العدائية لم يتضمّن أبدًا موافقة لبنان على التدخّل العسكري الاسرائيلي، ولا يكفل أي “حرية حركة” مزعومة لاسرائيل، ولا يعطيها البتة الحق في “إزالة التهديدات” صونًا لـ”مصالحها الأمنية”. وبالتالي فإنّ تصريحات المسؤولين الاسرائيليين، الذي تكرّره الدعاية الإسرائيلية بعد كل استهداف لناحية الإشارة إلى “إزالة تهديد”، لا أساس قانوني له، ويتعارض مع القواعد القانونية الآمرة، وقد أدانته صراحةً محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري حول الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وعليه، إضافةً إلى كون الممارسات الاسرائيلية جرائم حرب، فإنّ ما تمارسه إسرائيل هو استخدام متكرّر للقوّة، وعدوان يُتيح للبنان، إن أراد، ممارسة حقّه في الدفاع عن نفسه. بالنظر إلى إن اسرائيل تنتهك القانون الدولي الإنساني. وعليه، يفترض بالدولة اللبنانية دعم فتح تحقيقات دولية مستقلّة بوصف ما تتعرض له جرائم حرب، فضلًا عن ضرورة دعم توثيقٍي دقيقٍ لكلّ حالة على حدة. يجب أن نلاحظ أن تلك الدراسة الموثقة صدرت قبل الفصل الأخير من الهجمات الاسرائيلية التي تميزت بتصعيد في عمليات القتل التي طالت اضافة إلى المدنيين جنود اليونيفيل والصحافيين والأطباء وأطقم الدفاع المدني والاسعاف وغيرهم ممن هم محميون بالقانون الدولي الانساني.