صحف وآراء مجتمع

نازحو المناطق الحدودية: إهمال مزدوج من الدولة وحزب الله

محمد قدوح 

بيروت 22 تموز 2026 ـ بيروت الحرية

عاد غالبية النازحين من الضاحية الجنوبية والجنوب الى منازلهم و بلداتهم و قراهم، فيما لايزال نازحو منطقة الشريط الحدودي المحتلة، مبعثرون في الشتات اللبناني، يتخبطون في البحث عن الخيار الأفضل والممكن، الذي يشعرهم بنوع من الإستقرار والأمان، ويقيهم العوز والمهانة . لقد سبق لهؤلاء أن نزحوا من بلداتهم وقراهم، مع بداية حرب إسناد غزة عام 2023، نحو البلدات و  القرى الأقرب ألى ديارهم، حيث جرى إحتضانهم و تأمين إقامتهم في المنازل الفارغة، والتي تعود في معظمها إلى المغتربين. وبدأ عدد كبير منهم في حينة، بممارسة نشاطه الإقتصادي ،ولاسيما أصحاب المهن الحرة والتجار. لكنهم إضطروا للنزوح مجددا بعد إندلاع حرب أيلول عام 2024، ثم عادواإلى الأماكن التي سبق ونزحوا منها بعد توقف هذه الحرب، و بقوا فيها  حتى بداية حرب”الثأر للمرشد الخامنئي” في  2 أذار 2026، فإضطروا للنزوح للمرة الثالثة، و لا يزالون حتى الأن .

وبعد ثلاث سنوات من النزوح المتكرر، فقد هؤلاء  النازحين  القدرة على تحمل عدم الترحال الدائم والأعباء المترتبة على النزوح. المقتدرون منهم وهم قلة إستنزفوا مدخراتهم، ومساعدات الأقارب في المهجر. أما غير المقتدرين ماليا، فلم يعد بإمكانهم العيش في مراكز الإيواء، حيث  يصعب عليهم التأقلم في ظروف لا تشبه من قريب أو بعيد حياتهم الطبيعية السابقة لجهة “فقدان الخصوصية” التي كانوا يتمتعون بها، وهو أمر متعب للغاية، حتى لو جرى تأمين إحتياجاتهم الأساسية. ويسعى حاليا هؤلاء النازحين للعودة إلى الأماكن التي نزحوا إليها مع بداية الحرب الأخيرة، أى إلى البلدات والقرى المواجهة لبلداتهم وقراهم المحتلة،  حيث يمكن أن يشعروا بوهج المكان الذي ولدوا ونشأوا وعاشوا وعملوا فيه ، لأن المكان بالنسبة لهم ليس مجرد حيز جغرافي، وإنما هو إمتداد للذات الإنسانية، ووعاء لذاكرته، ومكون أساسي لهويته، والمسرح الذي يتحرك فيه الإنسان ويحقق إنجازاته، والتي تشكل في النهاية موضوع تاريخه. و الأهم في هذا السياق ،هو قربهم من الأرض التي إرتوت بعرقهم وبدماء أبنائهم والتي تحتضن رفات أجدادهم. لكنهم  إكتشفوا بعد المحاولة، أن العودة إلى هذه البلدات والقرى القريبة من مسقط رؤوسهم غير ممكنة حاليا، بسبب الوضع الامني من جهة، وعدم وجود منازل فارغة صالحة للسكن، نتيجة  الدمار الواسع الذي لحق بها من جهة ثانية، وهو الأمر الذي جعلهم يتوجهون شمالا نحو البلدات و القرى الواقعة شمالي مدينة صور  و منطقة الزهراني، حيث الوضع الأمني يعتبر أفضل نسبيا و كذلك فرص العمل في البساتين و في المهن الحرة ممكن نوعا ما.

لكن هذا الخيار لم يكن بحجم التوقعات، إذ تبين لهم ندرة المنازل الفارغة المعروضة للإيجار هنا، بسبب إرتفاع الطلب عليها، نتيجة وجود عدد كبير من النازحين، كما تبين لهم ندرة فرص العمل قياسا إلى حجم الطلب عليها. لقد دفعتهم هذه المحصلة إلى التفكير في الخيار الوحيد المتبقي أمامهم، وهو الهجرة، لذلك يبحث عدد كبير منهم، عن فرص للهجرة إلى أى مكان. سواء كانت الفرصة لمعيل الأسرة أو لأبنائه. حيث لم  يتردد أحدهم في تفويت فرصتي هجرة إلى أفريقيا لولديه البالغين من العر 17 سنة، و 19 سنة.

الواضح أن النازحين الذين لايزالون خارج أرضهم، يعيشون حالة ضياع. معلقون في الهواء  ،وهو أمر بديهي عندما يفقد الإنسان القدرة على الاستقرار لتأمين الحاجات الأساسية للعيش، والتي تتمثل  في الغذاء و الأمان والإنتماء للجماعة الأولية التي نشأ فيها، ويطمئن لحمايتها ويعتز بتقديرها له . لقد فقد هؤلاء النازحين عندما أقتلعوا من أرضهم كل شيء بما في ذلك جزء من هويتهم الذاتية ، وقدرتهم على التفاعل الإجتماعي، ومع المكان الذي يلبي حاجاتهم البيولوجية الاساسية من خلال العمل، والمأوى الآمن، ويتعزز الشعور بالإنتماء، من خلال التفاعلات الإجتماعية التي تحصل فيه، وعندما ينجذب الإنسان إليه، فذلك يعني أنه المكان الحقيقي الذي يفترض أن يكون فيه.

لقد أدرك ،هؤلاء النازحين أبعاد المسارات السياسية والأمنية التي ترتبط بها عودتهم إلى أرضهم بعد توقيع “إتفاق الإطار”، فباتوا يتصرفون على أن لاعودة قريبة إلى أرضهم. وبات لزاما علبهم تدبير أمورهم وإعتماد الخيارات المتاجة أمامهم، ويأتي في مقدمتها خيار الهجرة إلى الخارج ، وهى خيارات أحلاها مر.

يؤشر تركيز هؤلاء النازحين على خيار الهجرة، أنهم عالقون بين فكي كماشة: فك  مخططات العدو الإسرائيلي الهادفة إلى تهجيرهم من أرضهم نهائيا أو لمدة طويلة في أحسن الأحوال ،وهو  ما تؤكده عمليات التجريف و نسف المنازل والمؤسسات التربوية والزراعية والحرفية و الصحية و التجارية وكل ما له علاقة بمقومات الحياة في منطقة الشريط الحدودي. و يقدر رؤساء بلديات مدن و بلدات و قرى الحافة الأمامية عدد الوحدات السكنية المدمرة فيها بحوالي 30000 وحدة سكنية ،وعدد السكان النازحين منها بحوالي 40000 نسمة . وتقدر بعض المصادر عدد  لوحدات السكنية المدمرة في البلدات و القرى الواقعة ضمن ما يسمى ” بالمنطقة الصفراء ” بحوالي 25000 وحدة سكنية، وعدد المهجرين  منها بحوالي  30000 نسمة ، اي أن مجموع النازحين من منطقة الشريط الحدودي يقدر بحوالي 70000 نسمة، وعدد الوحدات السكنية المدمرة حوالي 55000 وحدة سكنية . إضافة لذلك يخطط العدو لمنع دخول عناصر حزب الله إلى هذه المنطقة، وتشير المعلومات المسربة في هذا ألإطار إلى إعداد لائحة  إسمية تضم حوالي 2300 إسما ،ستحاول فرض تنفيذها خلال المفاوضات الجارية.

و من جهة ثانية يجد نازحو هذه المنطقة أنفسهم مقيدين بالفك الثاني المتمثل بالإهمال من قبل السلطة و حزب الله على حد سواء: فلا حزب الله يهتم لأمرهم كما فعل بعد حرب إسناد غزة من إيواء ومستلزمات وإعالة. وكل ما قدمه لهم رغم الوعود لا يتعدى مبلغ 200 دولار ولمرة واحدة فقط . ولا السلطة اللبنانية تقوم بما يتوجب عليها تجاههم، فلم تتجاوز خدماتها عبر ما وفرته من خلال أجهزتها في مراكز الإيواء التي لجأوا إليها، إضافة ألى ما يصيب بعضهم من خدمات ومساعدات من مشروع “أمان”التابع لوزارة الشؤون الإجتماعية.

لذلك فإن هؤلاء النازحين يعملون على تدبر أمورهم بالحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة، على أمل الفرج من خلال إقتناص فرصة عمل في الداخل أو فرصة هجرة إلى الخارج.