* شهيد نكد
في لقاء ثقافي ببيروت، دار بيني وبين أحد الحاضرين حديث عابر حول مفهوم قلّ ما نستخدمه في قراءة تاريخنا: “التاريخ المجهري” (Microhistory). حدث صغير، حديث من دقائق، كافٍ لفتح سؤال كبير: لماذا نصرّ دائماً على أن يُروى تاريخنا من فوق، برواية واحدة كبرى، بدلاً من أن نتركه يتراكم من تحت، من حوادث صغيرة كهذا الحديث نفسه؟
وُلد التاريخ المجهري في إيطاليا أواخر سبعينيات القرن الماضي كردّ فعل على تاريخ اجتماعي كان يختزل حياة الملايين إلى متوسّطات وأنماط عامة، وعلى ما سُمّي بـِ “المدى الطويل” (أي دراسة التحوّلات التاريخية الكبرى عبر قرون بدلاً من عقود أو سنوات: longue durée)، الذي يذيب الأفراد في تحوّلات بنيوية بطيئة يُفترض أنها تسري على الجميع بالطريقة نفسها. المؤرخون المجهريون لا ينظرون إلى الحالة الصغيرة كهامش يجب تجاوزه لصالح المتوسط العام، بل كـَ “استثناء طبيعي” قادر أن يكشف عن المجتمع أكثر مما تكشفه أي رواية مركزية موحّدة. بعبارة أخرى: هذا المنهج “يطرح أسئلة كبيرة في أماكن صغيرة”.
عقدة الوحدة
وهذا المبدأ ليس غريباً عمّا سبق وكُتِب عن اللامركزية في لبنان. فكما أن اللامركزية تقوم على مبدأ أن السلطة لا تُبنى بمرسوم يُصدره مركز واحد، بل تتراكم من نضوج وحدات محلية صغيرة تمارس استقلاليتها فعلياً، كذلك التاريخ المجهري يراهن على أن المعرفة بالماضي لا تُكتب بقلم مركز واحد يقرّر ما يستحق أن يُروى، بل تتراكم من وحدات صغيرة، أفراد ومناطق وجماعات، تروي تجربتها كما عاشتها. اللامركزية في الحكم ولامركزية الرواية التاريخية وجهان لسؤال واحد: هل تُبنى الشرعية، سياسية كانت أم تاريخية، من فوق أم من تحت؟
نصّت وثيقة الوفاق الوطني في الطائف على توحيد كتاب التاريخ اللبناني، ومنذ ذلك الحين ومصير الكتاب هو ذاته مصير اللامركزية: وعد كُتب في نص، ولم يتجسّد يوماً في ممارسة.
لا تكمن المشكلة في تعدّد الروايات، بل في افتراضنا أن الحلّ هو صهرها قسراً في رواية واحدة تُفرض من فوق. نعيش في لبنان ما يشبه “عقدة الوحدة”: نرفض الاعتراف بالتنوّع والاختلاف باسم الحرص على الوحدة، وبدلاً من أن يجمعنا هذا الإصرار، يشرذمنا ويدفع كثيرين للبحث عن هويات من خارج الحدود.
جنوب أفريقيا: تاريخ بُني من عشرين ألف رواية
التجربة الأوضح في أنَّ التاريخ يمكن أن يُكتب من تحت فعلاً، لا نظرياً فقط، هي لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا. عيّن نيلسون مانديلا الأسقف ديزموند توتو رئيساً لها سنة 1995. لم تكتب اللجنة رواية جنوب أفريقيا من فوق ثم تطلب من الناس تصديقها، بل جمعت أكثر من 21 ألف إفادة فردية، واستمعت علناً إلى نحو ألفي شهادة مباشرة بين 1996 و1998. لم تُفرض الرواية الرسمية التي خرجت بها جنوب أفريقيا على الناس، بل تولّدت من شهاداتهم. هذا هو التاريخ المجهري في أعلى مستوياته السياسية: أمة بأكملها قرّرت أن الحقيقة الجامعة لا تُكتب أولاً ثم تُروى، بل تُروى أولاً، مرّة تلو مرّة، عشرين ألف مرّة، ثم تتجمّع لتصير حقيقة جامعة.
التاريخ الذي يُكتب الآن
لبنان اليوم مُعلّق: حرب/احتلال لم تُحسم نتائجها الكاملة بعد، سلاح لا يزال مصيره موضع تفاوض وموازين اقليمية، ومفاوضات لا أحد يضمن إلى أين ستصل. وأياً تكن الخاتمة التي ستبلغها هذه الثلاثية، فإنها لن تُقفل ملفاً بقدر ما ستفتح ملفاً جديداً لم نبدأ حتى بالتحضير له: كيف سنروي هذه المرحلة بعد سنوات؟ المؤشرات الأولى ليست مطمئنة: فبالرغم من كل الضجيج الإعلامي ومنازلات التواصل الاجتماعي والمزايدات وعرض العضلات، إلا أننا نعيش صمتاً قسرياً. هو الآلية نفسها التي أنتجت عقوداً من العجز عن كتابة تاريخ حرب الـ 75. فخطورة اللحظة الحالية، وكل اللحظات التي انقضت، لا تنحصر بالحاضر: فما نرفض روايته بأمانة اليوم سيصبح فصلاً آخر من كتاب لن يُكتب، ما لم نبدأ منذ الآن بجمع الروايات الصغيرة بينما لا تزال حيّة، لا بعدما تتحجّر إلى أساطير متقاتلة.
وهذا بالضبط ما يجعل التاريخ المجهري ضرورة لبناء السلام في لبنان. فالأطر الدولية لبناء السلام بعد النزاعات تضع “الحقيقة” كأحد ركائزها الأربع الأساسية، إلى جانب العدالة والتعويض وضمانات عدم التكرار، تماماً كما مارستها جنوب أفريقيا. والمشكلة في لبنان ليست أننا جرّبنا صيغاً متعددة فشلت جميعها، بل أننا لم نُتِح لأنفسنا يوماً أن نتخيّل حلاً خارج مفهوم واحد للدولة: مفهوم بيروقراطي، إداري، أحادي الاتجاه، يُصاغ من فوق ويُطبَّق إلى تحت. وهذا المفهوم الضيّق لا يقتصر على المنظومة الفاسدة، بل يسكن أيضاً عقل كثيرين ممن نعتبرهم أكفاء ونظيفين: فحين يطرح هؤلاء أنفسهم بديلاً، يبقون داخل التصوّر البيروقراطي نفسه للدولة وللحلّ، وإن اختلفت التسميات والنيّات. ما ينقص لبنان ليس صيغة أذكى داخل هذا التصوّر، بل تصوّر مختلف بالكامل: أفكار خلّاقة وغير تقليدية، تشبه ما فعلته جنوب أفريقيا حين حوّلت جلسة استماع علنية لضحية واحدة إلى فعل بناء وطني، لا مجرد شهادة عابرة تُضاف إلى ملف.
لا يحتاج لبنان لجنة أخرى تنجح أخيراً في كتابة رواية واحدة يرضى عنها الجميع، فهذا الانتظار نفسه هو المشكلة. البديل هو ما فعلته جنوب أفريقيا بمنهجية، وما يقترحه التاريخ المجهري نظرياً: أرشيفات شفهية بلدية ومناطقية تبدأ بجمع روايات هذه المرحلة من الآن، ومناهج تُدرّب الطالب على تحليل مصادر متعدّدة ومتعارضة بدل حفظ نص واحد، ومساحة تُتاح فيها لكل رواية أن تُروى بمصطلحاتها وبلغتها هي، لا كما تُختصَر أو تُترجَم باسم التوافق. لا يُبنى التاريخ المشترك بإسكات الروايات الصغيرة لمصلحة رواية واحدة، بل بإتاحة أن تُروى كل رواية بأمانة أولاً، على أن تنشأ الصورة الأكبر من مقارنتها وحوارها، لا من فرضها سلفاً. المجتمع السياسي السليم، تماماً كالتاريخ الصادق، لا يُبنى إلا تصاعدياً ولا مركزياً.
* تم النشر بتاريخ 29 آب 2026 على موقع المدن الالكتروني
