*سمير حمدي
لطالما كان الاستحواذ على السلطة السياسية وإدارتها المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في القارّة السمراء. ومن النادر أن تشهد البلدان الأفريقية انتقالاً سياسيّاً سلميّاً بين رئيسين.
في كوت ديفوار، أُعيد انتخاب الرئيس الحسن واتارا لولاية رابعة بأغلبية ساحقة بلغت 89.77% من الأصوات في الجولة الأولى، في ظل تضييق واسع على المعارضة ونكوص واضح للرئيس عن وعوده، حيث كان يُعتقد أن البلاد ستتحرّر من هذا المأزق مع الانتخابات الرئاسية لعام 2020، والتي أشعلت في البداية أملاً كبيراً عندما أعلن الرئيس الحسن درامان واتارا للأمة والعالم أنه لن يسعى إلى ولاية ثالثة في نهاية فترتي ولايته الدستورية. وهو ما عزّز الشعور بأن كوت ديفوار تسير على الطريق الصحيح، وستنجح أخيراً في التحوّل الانتخابي الذي كلّفها أرواحاً كثيرة. وللأسف، ثبت أن هذا الأمل المشروع سراب.
في الشهر نفسه (أكتوبر/ تشرين الأول 2025)، أعلنت سامية صولوحو حسن فوزها في الانتخابات الرئاسية التنزانية بنسبة 97.66% من الأصوات، اقتراع معمّد بالدم قُتل إثر اعلان نتائجه أكثر من سبعمائة مواطن في احتجاجاتٍ اندلعت في البلاد. ومثل نظيريه الإيفواري والتنزاني، أعلن التسعيني بول بيا عن فوزه بفترة رئاسية ثامنة للكاميرون، وهو الذي قضى 42 سنة متواصلة من الحكم. ومثلهم، قضى فور غناسينغبي 20 عاماً في السلطة (الطوغو)، ودينيس ساسو نغيسو 40 عاماً في السلطة (الكونغو)، وبول كاغامي 31 عاما في السلطة (رواندا)، وتيودورو أوبيانغ نغيما 45 عاماً في السلطة (غينيا الاستوائية)، من بين آخرين، عقودا في كرسي الرئاسة.
لا يملك الرؤساء الذين احتفظوا بالسلطة عقوداً، وأولئك الباقون في السلطة، أي احترام حقيقي ناتج عن إنجازات حقيقية. وقد اكتسب بعض القادة ما بعد الاستقلال احترام شعوبهم وثقتها حقا. مع ذلك، احتفظ معظمهم بالسلطة حتى الموت أو الانقلاب عليهم، وهو ما أوجد تقليداً أفريقياً بائساً، حيث تقترن السلطة دوماً بالعنف والانقلابات، وما تخلّفه أحيانا من ثورات، وصولاً إلى الحروب الأهلية، فالتغيرات العنيفة أو غير الديمقراطية في أفريقيا تشير إلى افتقار واضح للحسّ المدني. وفي الوقت نفسه، لم يؤدّ معظم هذه الانقلابات إلا إلى مزيد من القمع واستبدال دكتاتور بآخر، ونادراً ما أفضت إلى ازدهار الديمقراطية.
ولعل شعور قادة الدول الأفريقية بضعف قبضتهم على السلطة هو ما يفسّر مبالغتهم في التفاخر ببهرج السلطة وبناء القصور الرئاسية الفخمة، والمواكب التي تغلب عليها المباهاة، حين يتنقل رؤساء الدول الأفارقة، وبرفقتهم حاشية ضخمة، ومفرزة أمنية كبيرة، مجهّزة بسيارات فارهة، تنقض كالصقور، متى بلغ الموكب وجهته.
باختصار، أضاعت أنظمة الاستبداد الأفريقية وتشبث الحكام بكرسي الحكم فرصاً كثيرة، كان من المفترض أن تُرسّخ الديمقراطية والسلام. لقد تحوّلت الانتخابات في ظل هذه الأنظمة إلى مجرّد مسرحيات هزلية، تعقبها موجات من العنف والفوضى في مناسبات كثيرة. ولمنع اعتبار العمليات الانتخابية صراعاتٍ أهلية تُولّد العنف والموت مع كل انتخابات، تجب إعادة اكتشاف الغرض من الانتخابات في ظل الديمقراطية. عندما تكون العملية الانتخابية تنافسية وتتطلب من المرشحين أو الأحزاب تقديم رؤاهم للجمهور، تُصبح الانتخابات بمثابة منتدياتٍ لمناقشة القضايا العامة وتسهيل التعبير عن الرأي العام. للأسف، يدور النقاش الانتخابي في أفريقيا حول الأفراد بدلاً من القضايا المجتمعية. والنتيجة أن الصراعات بين المرشّحين تتحول إلى صراعات طائفية، وبمجرد أن تبدأ الحلقة المفرغة للعنف والانتقام، والكراهية، بالدوران، فسرعان ما تصبح غير قابلة للتوقف. وستدوم العواقب سنوات، إن لم يكن عقوداً، لتمتد الى بلدن أخرى وتتسبب في زعزعة الاستقرار ومزيد من البؤس الإنساني. وقد شاهدنا فصولاً من هذه المأساة في الصومال والكونغو والسودان.
لا يزال هناك الكثير مما ينبغي القيام به لتثقيف الشعب بشأن الروح الديمقراطية والمسؤولية المدنية التي تتطلبها. يتميز النظام الديمقراطي بفصل السلطات، واحترام الحريات الأساسية، والتعدّدية الحزبية، ووجود نظام تمثيلي، وأن جميع علاقات القوة تنبع من المُطيعين للقانون، لا من الآمرين. المشكلة أن هؤلاء المتشبثين بكراسي الحكم المتلاعبين بالدساتير يقتلون كل بارقة أمل ويجهضون كل مشروع لتشكّل الحس الديمقراطي لدى الإنسان الأفريقي.
أخيراً، يكمن في جوهر الديمقراطية الاعتراف المتبادل والسعي الدائم إلى التسوية، وهما صفتان يفتقر إليهما عديدون من القادة السياسيين الذين ينظرون إلى أي تسوية علامة ضعف. يدمّر هذا الموقف النقاش الديمقراطي، ويؤدّي إلى حوارات فردية يُعلن فيها كل قائد مواقفه بصوت عالٍ، في انتظار انضمام الآخرين إليه. السعي إلى التسوية فنٌّ ثمين للحفاظ على السلام من خلال حوار سلمي يحترم حقوق الإنسان.
*نشرت في العربي الجديد يوم 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2025
