محمد قدوح
الجنوب 26 شباط 2026 ـ بيروت الحرية
النظام الطائفي كما النظام الشمولي، لا يعيش و يستمر الا في مناخ القلق،لأنه يخشى أن يؤدي الاستقرار لفترة طويلة إلى استعادة المواطنين القدرة على التفكير والثقة بأنفسهم والتواصل فيما بينهم، لذلك يحتاج هذا النظام باستمرارإلى إعادة انتاج الخطر، وإثارة الخوف لدى المواطنين. وفي هذا المجال لكل من النظامين الطائفي والشمولي طريقته واسلوبه الخاص، تبعا لطبيعته وتركيبته. فبالنسبة للنظام الطائفي يكفي أن تعلن احدى الطوائف مظلوميتها، وترى نفسها مهددة، وتؤسس لسردية حماية خاصة بها، حتى تستنفر الطوائف الاخرى وتشد عصبها الطائفي لإعادة الرعايا إلى حضن طوائفهم. أما بالنسبة للنظام الشمولي فيطلق سردية تتحدث عن مؤامرة داخلية أو خارجية، تترافق مع تدابير أمنية وممارسات قمعية، وتلاعب بالبُنى الاجتماعية التقليدية وتأليب بعضها على بعض، وهو ما يؤدي إلى إثارة الخوف لدى الجميع ومن الجميع، مما يدفعهم للارتداد نحو الذات الفردية أو الجماعية، عندئذ يظهر الزعيم والسلطة بمظهر الحامي والمنقذ للطائفة والوطن.
والاستمرار ضمن هذه الدائرة المغلقة يولد مجتمعاً خائفاً منقسماً على نفسه، مستعداً للتخلي عن حريته مقابل وهم الأمان. ويصبح تنفيذ اوامر السلطة أو الزعيم فعلاً آلياً لا يُسأل عن نتائجها، لأن الخوف يقتل القدرة على التفكير، ويمنع اللقاء بين افراد المجتمع ومكوناته الاجتماعية. وعندما يتحول الخوف إلى حالة اجتماعية ينتج مجتمعاً فاقداً لثقته بنفسه وبالاخرين، وتتضخم لديه مشاعر الفرقة والاختلاف اللذين يغذيهما الخوف، فيبتعد الجميع عن الاحتكاك بالآخر المختلف، باعتباره تهديدا لهم. ومعه يتهرب الافراد من المشاركة في كل ما هو عام، ويقفون موقف المتفرج.
وغالباً ما تشهد هذه المجتمعات أزمات اقتصادية وسياسية وتفكك اجتماعي، فتصبح مهيأه لقبول أي سلطة تعدها بالأمان. وعندها لا ينظر المواطن للحرية بوصفها قيمة كيانية اخلاقية، بل بوصفها عبئا يصعب تحمله. و يصبح الاستقرار حتى و لو كان قمعيا خياراً مريحاً. ويرى في السؤال مخاطرة، ويخشى من عواقب المعارضة التي يعتبرها أكبر من الظلم نفسه. وهكذا يعيش الفرد أو الجماعة في عزلة ووحدة يمثلان الوجه الخفي للخوف. والوحدة في هذه الحالة ليست شعوراً نفسياً فحسب، وإنما هى حالة سياسية تجعل المقاومة لكسر حاجز الخوف شبه مستحيلة، وبذلك يطمئن هذان النظامان لاستمرارهما.
النظام الطائفي و شروط قيام الدولة
لقد قام الاستقلال اللبناني بموجب عقد اجتماعي بين الدولة والطوائف، وغاب عنه المواطنون اللبنانيون الافراد، وتُركوا في عهدة طوائفهم، التي لعبت و ما تزال دور الوسيط بينها و بينهم، يلتمسون حقوقهم منها مقابل الخضوع والولاء للطائفة والزعيم.
وبذلك يكون النظام قد فقد اول شروط قيام الدولة بصفتها الضامن الوحيد لحقوق مواطنيها. و يعود سبب تغييب المواطن عن العقد الاجتماعي إلى أن تشكل الجماعات الطائفية كبنية سياسية، وكهوية سبقت تشكل الكيان اللبناني، وانضمت إليه كمكون سياسي متماسك له خصوصيته وهويته وثقافته. وهو غير مستعد للاندماج مع باقي مكونات المجتمع. ومن هنا جاء مصطلح العيش المشترك المتداول في الخطاب السياسي، لتكريس التناقض العميق مع منطق الدولة، الذي يفترض الاندماج والانصهار بين مكونات المجتمع، ضمن بناء موحد يتساوى فيه جميع المواطنين في الحقوق والواجبات مع احترام الخصوصية الثقافية لجميع الطوائف، وهو ما يمثل غياب الشرط الثاني لقيام الدولة.
المشكلة اذا ليست في السلطة و حدها، بل في علاقة المجتمع بها أيضا. فمن منظور العالم الفرنسي اندره سغفريد مؤلف كتاب “روح الشعوب” الذي درس فيه مزاج الشعوب الغربية وخصوصياتها النفسية وتأثير خلفياتها التاريخية والجغرافية، يقول: “لا تُفهم السلطة بوصفها وظيفة ادارية، بل كعلاقة نفسية اجتماعية بين السلطة والمجتمع انطلاقا من أن السلطة لا تُمارس دورها من خلال المؤسسات، بل من خلال قبول المجتمع بها”.
وفي لبنان لا تتجسد السلطة في مركز واحد، بل تتوزع بين الطوائف و القوى السياسية الطائفية ولكل منها شرعيتها ورمزيتها، وشبكات الحماية المادية والمعنوية و الخدماتية الخاصة بها. هذا التعدد يؤدي إلى نشوء سلطات موازية لسلطة الدولة تتغذى من ضعفها، ويصبح الانتماء الطائفي شرطاً للنفاذ إلى الحقوق و ليس المواطنة. مما يعني أن السلطة في لبنان ليست مركزية، وضعفها مرده أنها موزعة بين الطوائف، التي تنتج سلطتها الخاصة وشرعيتها، وتتحصن داخل البنى الاجتماعية نفسها.
الحرب الأهلية كحدث مستمر
لم تكن الحرب الاهلية التي حصلت في لبنان حدثاً عابراً، وإنما حصلت في سياق الصراعات التي جرت في الماضي القريب والبعيد بين الطوائف، وانتهت إلى تأسيس هوية جديدة قائمة على الخوف والارتياب. وهى لا تزال مستمرة ومتداخلة مع حروب اقليمية ودولية. وهي التي انتجت وعياً مشدوداً إلى السياسة بوصفها صراع بقاء، لا مجال فيه للتسويات العميقة. وفي مثل هذه الحالة أصبح الاستقرار قيمة اعلى من العدالة و المحاسبة. لذالك فإن الرهان على التطور التقني والرقمنة و الحوكمة الرشيدة وشبكات التواصل الاجتماعي لإحداث تقدم سياسي هو في غير محله. لأن هذا التطور لا ينتج إدارة حديثة، إذ أنه لا يشكل سوى تقنية بلا مضمون سياسي. ولذلك سيبقى جهاز الدولة غير قابل للمساءلة، لأنه يعمل وفق منطق منفصل عن حاجات المجتمع ونظام خدمات منقوص يخضع للوساطة الطائفية. وهنا يظهر الاغتراب السياسي بأوضح صوره.
بناءً على كل ما تقدم، لا تفهم الحماية في النظام الطائفي بوصفها وظيفة الدولة، بل كامتياز تمنحه الطائفة لرعاياها مقابل الولاء لها، فيتحول الإنتماء و الولاء إلى علاقة تبادلية بين الخوف والزعامة الطائفية. وفي هذه الحالة تفقد الدولة معناها الجامع وتصبح ساحة نزاع بين الطوائف. والنتيجة لا مواطنة فعلية، بل مواطنون محاصرون ضمن حدود داخلية يرونها أكثر أمناً من الحدود الخارجية.
و الخلاصة هى أن لبنان دولة لم تستكمل شروط ولادتها، وأن أي محاولة اصلاح لن تنجح ما لم تلامس البنية السياسية وما أفرزته من البنى الذهنية والاجتماعية، التي تنتج السلطة وليس مظاهرها. حينذاك يمكن إعادة الاعتبار للدستور والقانون بوصفهما مرجعية ملزمة للجميع غير قابلة للتطويع وفق ميزان القوى. وحتى يحدث ذلك سيبقى لبنان مشروع دولة غير مكتمل، مشرع على الفوضى المؤسسية الباردة والحرب الأهلية الساخنة.
