عائدة خداج أبي فراج
يمتشق الدكتور زهير هواري في نصه ” أحكي وفي فمي تراب الكلام ” الصادر عن دار الفارابي قلمه ليكتب بمداد القلب سيرته الذاتية، سيرة مناضل، وأديب، وكاتب، وأعلامي وأكاديمي تتماهى قصته وقصة وطن تشظى بقذائف الحرب الأهلية، وبرصاص الطائفية والمذهبية،وبأطماع وتدخلات الخارج، القريب والبعيد.
يكتب الراوي الكاتب زهير قصته والتراب يكتم أنفاسه، ولكنه لم يستطع اخماد جمر حرية التعبير والرأي لديه. كتب بجرأة، وواقعية، وموضوعية، ومصداقية تنم مجتمعة عن انسجام مع الذات، وهو الذي لم يحد عن مبادئه وعزائه “ان الليل يحتوي النهار”، كما يقول جلال الدين الرومي.
يفاجئنا زهير الراوي في الصفحات الإفتتاحية للكتاب بمشهدية ندر نظيرها في سرد السير الذاتية. ينتحل فرضية الموت مدخلاً للإمتثال أمام محكمة العدل الالهية حيث يكشف أوراقه وأسراره أمام الملاكين اللذين حضرا لإستجوابه قبل أن يُرمى به في آتون جهنم للإصطلاء بنارها إذا كان من الضالين،أو يرسل الى جنان الخلد يتمتع بنعيمها إذا كان من الصالحين. وبانتظار اصدار الحكم عليه، يقرر الكاتب أنه لم يقترف ذنبا : “لم احرك قلمي يوماً دفاعاً عن صاحب سلطة، مهما كانت جبروته وطغيانه وقدراته على القمع والبطش، فقد كتبت ما كتبت من أجل الناس الفقراء ، ومستقبل أجيال الوطن الصاعدة. ولعل هذا ما أبقاني وحيداً”.
أما الميزة الثانية اللافتة في هذا السرد فهي أن الكاتب يقلب مسار التاريخ رأساً على عقب، فيبدأ بما يفترض أن يكون النهايات التي تتدرج بشكل معكوس الى البدايات التي تقودنا الى مسقط رأسه المنصورة. وأما الميزة الثالثة لهذا النص فهي هذه الانسيابية في الأسلوب الذي يحاكي جريان الجداول الربيعية، والمتانة في اللغة، والمصداقية في سرد ما له وما عليه.
أما قارئ الكتاب فيعجز عن مقاربة النص بمعزل عن قصة وطن أصابته نبال الحرب في الصميم، واستباح أرضه عدو غاشم ،فدنس ارضه واجتاح عاصمته بيروت، أم الشرائع والحريات. ولا بمعزل عن قضية فلسطين التي تحتل مساحة قلب الراوي، فلسطين الكليمة المنكوبة التي شرد أهلها بوعد من وحي أسطورة تلمودية قطعته دول استعمارية تحالفت لتزرع اسرائيل خنجراً في خاصرة العرب، ومخفراً أمامياً في وجه حركات التحرر العربية، تمهيداً لنهب خيرات العالم العربي الذي يطفو فوق آبار من الذهب الأسود. وأيضاً ليس بمعزل عن قصة جيل كامل من المناضلين الذين حلموا بالحرية والديمقراطية، قبلتهم العدالة والمساواة، ووجهتهم البحث عن الحقيقة.
وبالعودة الى النص، سأستميح الراوي عذراً كي أعيد ترتيب صفحات التاريخ حسب سياقها الزمني، وندخل مسقط رأسه المنصورة من باب علم الإجتماع الواسع. وفيها نواكب يوميات. تغدو معها نموذجاً صادقاً لحال القرى البقاعية والجبلية النائية التي محتها الدولة من ذاكرة العمران والإنماء المتوازي، ويصبح اهلها صورة للمزارعين الذين يشقون للحصول على لقمة العيش المغمسة بالدم، ويقودنا الفتى معه الى ساحاتها حيث يمارس الأولاد شيطناتهم وألعابهم البدائية المتوفرة. وبعدها نرافقه الى مدرستي المنصورة، واحدة ملحقة بالكنيسة يؤمها ابناء المسيحيين، وأخرى ملحقة بالجامع يؤمها ابناء المسلمين، لافتاً هنا الى بدايات زرع بذور الطائفية في النفوس عن طريق التربية الدينية، على الرغم من روح التآخي السائدة التي كانت تنعم بها القرية على اختلاف أطياف أبنائها.
والمنصورة حبيسة سلسلتي جبال لبنان، الشرقية منها والغربية، وهو عالق في وسطها، حيث بدأ وعيه السياسي يتكون وهو يشهد تحليق الطائرات الإسرائيلية دون أدنى اعتراض أو ردع، ويصادف مجموعات الملثمين الداعمين لقضية فلسطين وشعبها الشريد يعبرون البلدة.
وفي بيروت، شكلت أسوار المدرسة حاجزاً شبيهاً بسلسلتي الجبال التي تطوق قريته. لكن شقاوة الشباب مكنته من اختراقها والخروج الى رحاب بيروت ليكتشف عالماً يختلف بكليته عن عالم المنصورة الضيق، وليرى البحر المترامي الاطراف لأول مرة. في العاصمة تبلور وترسخ وعيه السياسي والطبقي، فينحاز الى الفقراء، وهو القادم من عالم المزارعين، حينها بدأت إيديولوجية الصراع الطبقي ترن في رأسه، فاختار النضال مع هؤلاء الفقراء المهمشين.
وفي مصر التي قصدها لإكمال دراسته الجامعية في جامعة الأزهر. سرعان ما تبخر حلم الحرية والديمقراطية بعدما أذهله قمع الاحتجاجات والتظاهرات، التي كانت تجوب الشوارع مطالبة بالحريات وبمحاسبة المسؤولين عن هزيمة حزيران 1967.
عاد الراوي الى لبنان حاملاً اجازة في التاريخ لم تخوله الحصول على أية وظيفة حكومية لأسباب أكاديمية، ولأنه لم يطرق باب زعيم ويصبح من بطانته، عاد نادباً الحرية، والديمقراطية، والعدالة، فالتزم حزبياً بالجناح اليساري لحركة القوميين العرب مناضلاً من أجل العدالة المغيبة، مدافعاً عن حقوق المسحوقين، وعن الفلسطينيين وحقهم في العودة الكريمة الى أرضهم المغتصبة.
في بيروت كان بانتظاره آتون الحرب الأهلية التي شطرت بيروت الى بيروتين، شرقية وغربية، تفصل بينهما طريق الشام. لكن حياة زهير لم تكن كما وصفها غوته، القائل: “ان شجرة الحياة دائماً خضراء وارفة”، بل كانت حياته شائكة، قاسية، ومحاطة بالمخاطر نظراً لعمله الصحفي الذي يتطلب منه التنقل بين أحياء العاصمة الغارقة في آتون الحرب الأهلية، لتغطية الحدث كما هو على أرض الواقع. يرافق القارئ المراسل الصحفي الى أحياء بيروت الداخلية القريبة من خطوط التماس، والى الملاجئ التي تسودها الظلمة، ويعشش فيها الرعب. فتنكشف امامه أقسى مرحلة من تاريخ لبنان الحديث بأدق تفاصيلها، بينما تصم أذنيه أصوات القذائف والراجمات التي تلاحق الراوي زهير من بيته في حي ماضي الى الأسواق، ومنطقة الفنادق، ومعبري عين الرمانة والشياح. يتحول الكاتب، ونتحول معه الى شهود عيان على مجريات الأحداث، بدءاً بـ “بوسطة عين الرمانة”، الى حرب السنتين، الى انقسام الجيش، والدخول السوري ثم إلاحتلال الإسرائيلي لبيروت، وانطلاقة المقامة الوطنية التي رسخت ايمانه بالنضال الفعلي من موقعه الوطني، والحزبي، والإعلامي، والإنساني.
ويتابع زهير هواري سيرته الذاتية بعدما ولج مجال الاعلام من بابه الواسع، متنقلاً بين الصحف والمجلات، كاتباً ومحللاً للحدث، كاشفاً خفايا السلطة الرابعة، مستحضراً أسماء أصدقاء، وزملاء، وكتاب، وإعلاميين كبار من خوابي الذاكرة. أسماء عرفناها وقرأنا لها ومازالت في أوج عطائها، وأخرى رحلت بعدما دفعت غالياً ثمن مواقفها الجريئة، وآرائها التنويرية.
ويدخل الراوي بعد حيازته شهادة الدكتوراة مجال التعليم الجامعي ليزرع بذور المعرفة، والحرية، والديمقراطية، والحوار، وقبول الاخر في عقول أجيال تشكل مستقبل الوطن الواحد الموحد. لكنه تقاعد وليس في جعبته سوى “خفي حنين”، بلا تقاعد أو ضمان صحي بسبب القوانين الجائرة، ورفضه واسطة زعيم او طائفة.
وعلى الرغم من المعاناة والمخاطر والصعاب التي واجهها على امتداد سحابة العمر، الا انه كوة نور وامل تنفتح في حياته على الصعيدين الشخصي والإنساني، تطل من خلالها زوجته “عاصمة” التي تلون حياته كقوس قزح، وتؤنس وحشته، وتدعم نضاله، وتشاركه حلو الحياة ومرها. “عاصمة” التي شكلت نسغ الحياة بالنسبة اليه.
وبانتظار حكم الملاكين، يقف الكاتب وجهاً لوجه أمام خالقه، حاملاً كتابه بيساره، “الكتاب الذي يدرك الاله مكنوناته قبل أن يكتبه صاحبه. أليس ما كتبه هو بعض من المكتوب الذي تتضمنه الواح الله الأزلية المحفوظة في خزائنه”… ويرخي الليل سدوله، وتسدل الستارة على سيرة الإعلامي النزيه الذي مارس رسالته من أجل وحدة الوطن وتعافيه، ونشر الحقيقة وان كانت جارحة أحياناً. والأكاديمي الذي آمن ان “بالتربية نبني”، فأخذ بيد طلابه كي يعبروا الجسر من مستنقعات التعصب والرجعية الى فجر جديد في ظل الحرية والديمقراطية… فهل هذا ضلال أم صلاح؟
نعم ……انه عين الصلاح…..
