زغرتا ـ 18 تشرين الاول 2025 ـ بيروت الحرية
بدعوة من محترف سميح زعتر في مدينة زغرتا، ألقى رئيس المكتب التنفيذي لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني الرفيق زكي طه مداخلة خلال ندوة أقيمت في زغرتا، مساء الجمعة الموافق في 17 تشرين الاول 2025، وسط حشد من مثقفي وفاعليات المدينة والشمال.
قدم للرفيق طه د. بول طبر بكلمة ربط فيها بين موعد الندوة وانتفاضة تشرين 2019 الموجهة ضد النظام والمنظومة الحاكمة بمختلف أجنحتها. والتي انخرطت فيها فئات شعبية واسعة عابرة للطوائف والمناطق مع طغيان واضح لفئات من الطبقة الوسطى والفئات الفقيرة، إضافة إلى مشاركة شبابية لافتة.
ووصف طبر ما حدث بأنه لم يكن بفعل قرار، من القوى اليسارية. حدثت الانتفاضة بغفلة عن معسكر المعارضة وتنظيماتها اليسارية والقومية. وهذا مؤشر على الهوة تلك القوى بين القوى، وبين المنتفضين بوجه قوى السلطة “كلن يعني كلن”. السؤال المركزي هنا: لماذا انفصلت أحزاب المعارضة عن الشعب وطموحاته، وكيف يمكن ترميم وتجسير العلاقة بين وجع الناس ومطالبها وبين المعسكر اليساري الذي يدعي تمثيل الشعب ومطالبه التي تتنكر لها السلطة وأزلامها؟
وعرَّف طبر بمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني بما هي تنظيم حزبي سياسي. هو امتداد لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، التي تأسست مطلع سبعينيات القرن الماضي. وكان دورها بارز في تجديد اليسار اللبناني والعربي فكريا وسياساً ونضالياً، على رافعة قضايا الوضع العربي والقضية الفلسطينية، وعبر مساهماتها المتميزة في النضال الشعبي والديمقراطي حول قضايا المجتمع اللبناني الوطنية والاجتماعية. وعرض لدورها السياسي في الحرب الاهلية وقيادة الحركة الوطنية. وفي التصدي للاعتداءات الاسرائيلية خاصة اجتياح صيف العام 1982 والمساهمة الاهم تمثلت في اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بالشراكة مع الحزب الشيوعي اللبناني. وهي التي أجبرت العدو الاسرائيلي على الانسحاب من بيروت والجبل وصيدا والشطر الاكبر من الجنوب والبقاع الغربي قبل الانكفاء إلى الشريط الحدودي. وختم بالإشارة إلى جرأة أمينها العام الراحل محسن ابراهيم في اعلاء راية النقد والاعتراف بخطأ تحميل البلد اعباء الكفاح المسلح الفلسطيني والتغيير بواسطة العنف.
مداخلة زكي طه كانت بعنوان “أزمة اليسار بين تجاربه وتحديات بناء الدولة”، ورأى فيها أن العنوان يطرح واحدة من أعقد الإشكاليات، التي يعانيها لبنان، كياناً وطنياً ومجتمعاً أهلياً، ودولة متعثرة. وما يواجهه اليوم في ظل السيطرة الأميركية والاحتلال الاسرائيلي من مخاطر تهدد مصيره وتحول دون بناء الدولة الحديثة. ورصد تبدلات مواقع الطوائف واصطفافات قواها منذ تأسيس الكيان: من المارونية السياسية التي امتلكت شروط الهيمنة في الداخل والعلاقات مع الخارج، إلى السنية السياسية وطموحاتها في المشاركة تحت راية العروبة أو بقوة المال الوافد والدعم العربي والدولي بعد الطائف، وصولاً إلى الشيعية السياسية التي استخدمت السلاح تحت راية مقاومة إسرائيل لفرض هيمنتها ورهن البلد لسياسات النظام الإيراني، الذي أدار حروبا انتهت بكوارث مدمرة للبلدان التي فرضت عليها وأولها لبنان.
وبعد أن عرض لأزمة ونتاج التجارب التي لم تحكم لمصلحة الماركسية ومقولاتها الفكرية في اطار الحركة الاشتراكية. رأى أن اليسار اللبناني استلهم توجهات الثورات الاشتراكية وحركات التحرر. والثابت أن قوى اليسار في لبنان استهانت بالكيان وبدوره الاقتصادي. ولم تقم وزناً للانقسامات الأهلية الموروثة حول هوية الكيان وموقعه، ولم تأخذ بالحسبان خطورة علاقات الطوائف بالخارج كمستند لحماية الحقوق وتقاسم السلطة. ولذلك استسهل اليسار تحميل لبنان اعباء النضال الفلسطيني المسلح. وخاض الحرب الأهلية رافعًا شعار إصلاح النظام وإلغاء الطائفية فانتهت المحاولة بتكريس نظام المحاصصة الطائفية، والاخطر أنها بددت ما تراكم من تحديث للمجتمع اللبناني/ كما أطاحت بالحركة الديمقراطية التعددية وهشت الحركة الشعبية المطلبية والنقابية العابرة للطوائف والمناطق. والأشد خطورة كان أنها حولّت لبنان ساحة مفتوحة للنزاعات الداخلية وللتدخلات الخارجية الدولية والإقليمية. وفي ميدان القضية الوطنية، فإن المقاومة الوطنية التي اطلقها اليسار ضد الاحتلال الإسرائيلي صيف 1982، ورغم إنجازاتها المهمة، إلا أنها فشلت في أن تكون قوة توحيدية، جراء تهميش دورها وقواها بسبب دينامية الحرب الأهلية من جهة، والدعم السوري والإيراني للمقاومة الاسلامية من جهة أخرى.
ورأى طه أن البارز في أزمة اليسار هو الهروب من نتائج تجاربه وعدم مراجعتها كشرط أساسي لاستخلاص الدروس وتجديد الدور في معركة بناء الدولة ومواجهة الاحتلال واستعادة السيادة، لأن وجود الدولة عامل مقرر لمصير البلد ومستقبله، ولتقدم المجتمع وتطوره. وإعادة بنائها هو الوجه الاول للتحديات التي تواجه مشروع اعادة بناء الدولة في ظل يقين بأن أحزاب الطوائف لن تبنيها. لأنها تبحث عن مبررات وجودها ومشاريعها، كي تتقاسم أدوارها وصلاحيات مؤسساتها وغنائمها عبر نظام المحاصصة. وينسحب الأمر على الخارج الذي يمرر مصالحه من خلال هذه البنية الهشة. والوجه الآخر للتحديات، يتعلق بالقضية الوطنية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل الهروب امن البحث المسؤول وطنياً حول سبل معالجة قضية ما تبقى من سلاح معطل وعاجز عن صد العدوان ومواجهة العدو.
وفي هذا السياق تحضر الأسئلة الصعبة حول من وأين هم أصحاب المصلحة في إعادة بناء الدولة؟ ومن الذي سيبنيها لهم؟ وهل لليسار دور في بناء الدولة؟ وكيف نعرفه ونحدده؟ وأين هو هذا اليسار الذي نتحدث عنه؟ وكيف يمكن له أن يستعيد موقعه ليكون له دور؟
وأجاب بالقول: نعتقد أن الخطوة الأولى في مسيرة البحث عن الأجوبة تبدأ بقراءة الواقع اللبناني الراهن بكل تعقيداته السياسية، بما فيها الانهيار الاقتصادي والمالي، وتصدعات البنية المجتمعية وانقساماتها العمودية المتجذرة. والخطوة الثانية تتمثل في ترصيد حسابات قوى الاجتماع اللبناني، صاحبة المصلحة في وجود الدولة واستعادتها لدورها، والهدف تبيان مواقع ونقاط الارتكاز المجتمعية التي يمكن البناء عليها. وحاجة البلد إلى حركة معارضة ديمقراطية مستقلة من كل التيارات الفكرية والسياسية، اليسارية والليبرالية. والخطوة الثالثة تتعلق بالبحث عن الحركة المطلبية وأدواتها النقابية. والبحث هنا هو المدخل لإعادة الاعتبار لها، في ضوء التطورات في ميادين الاقتصاد والإنتاج والتطور العلمي والتقني وإدارة المؤسسات وآليات السوق.
وأكد طه، على ترابط الخطوات الثلاث وعلى صلتها بمسار بناء الدولة باعتبارها المرجعية المسؤولة والجامعة لجميع اللبنانيين، وأداة توحيد للمجتمع خارج القيد الطائفي. وفي هذا الميدان يقع دور اليساريين والديمقراطيين المستقلين، وتحدي الانتساب إلى أزمات البلد والمجتمع لأن اليسار أولاً هو موقع اجتماعي قبل أن يكون نظريات، بديلاً عن تدبيج البرامج والخطط والشعارات التي لا تجد من يأخذ بها أو يحملها. وأشار إلى خطورة الصعوبات التي تواجه مشروع بناء الدولة في زمن السيطرة الأميركية والحرب الإسرائيلية المفتوحة، التي تعصف بأوضاع بلدان المنطقة وتمزق مجتمعاتها التي ارتدت إلى ما قبل التأسيس. وحذر من تبسيط المخاطر الزاحفة على لبنان، والتدخلات والضغوط وشروط الدعم الإقليمية والدولية، التي تساهم في تصعيد الانقسام الطائفي، ووتعميق الانهيار الاقتصادي والمالي. وإليهما تضاف النتائج التدميرية للحرب الإسرائيلية، وشروط العدو للانسحاب وإنهاء الاحتلال.
وختم بالقول إن الطريق الوحيد لبناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية وسيادة الوطن، هو الشروع في تجديد النضال السياسي الديمقراطي والاجتماعي، وإعلاء رايات المواطنة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات.
وقدم عدد من الحاضرين مداخلات واسئلة عدة تمحورت حول مجطات تجربة اليسار وطبيعة برنامج التغيير واسباب فشل المحاولة والعوامل الخارجية خاصة التدخل السوري والاحتلال الاسرائيلي. وتطرق ايضاً إلى الوضع الراهن والمخاطر التي يواجهها البلد وأهمية مشروع اعادة بناء الدولة وقدرة اليسار على تجديد دوره من بوابة قضايا الحريات الديمقراطية وحقوق ومطالب الفئات الاجتماية صاحبة المصلحة في عودة الدولة مرجعية لجميع اللبنايين.
