أول ما تمثلت به ردة الفعل الإسرائيلية الرسمية على تواتر اعتراف المزيد من الدول في العالم، ولا سيما في أوروبا، بدولة فلسطين (الذي رفعَ عدد أعضاء الأمم المتحدة المعترِفين بدولة فلسطينية إلى 147 دولة)، هو مطالبة أحزاب اليمين المتطرّف بضم الضفة الغربية، لسدّ الطريق على نحوٍ نهائي على إمكان تطبيق ما يوصف بأنه “حل الدولتين”، علمًا بأن ثمة تقديرات متطابقة بأن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية الحالية حتى منذ ما قبل يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 هو المزيد من إجراءات الضم، ومأسسة نظام الأبارتهايد.
غير أن ذلك لم يحل دون تبلور شبه إجماع، في أوساط المحللين الإسرائيليين، على أن هذا التطوّر العالمي هو بمنزلة سقوط دبلوماسي مدوٍّ لإسرائيل، حيث ذهب البعض إلى حدّ اعتبار أنه أفضى بها إلى حضيض غير مسبوق. واختار عدد من هذا البعض أن يعيد إلى الأذهان أنه إذا كان الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الماضي اقتصر على دول عدم الانحياز والدول العربية، فإن الوضع الآن تغيّر، وقالت دول مهمة (بالنسبة إلى إسرائيل) كلمتها، على غرار فرنسا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، وإسبانيا، فضلًا عن دول في الاتحاد الأوروبي ذات وزن سياسي كبير. هذه المرة، لم تكتفِ تلك الدول بالاعتراف؛ بل هي التي قادت الخطوة في الأمم المتحدة. ويقدّرون في إسرائيل أيضًا بأن الدول المماثلة من حيث هذا التوصيف الإسرائيلي، التي لم تعترف بالدولة الفلسطينية بعد، ستفعل ذلك، عاجلًا أم آجلًا.
وما يمكن إجماله في هذا الصدد حتى الآن هو الآتي:
أولًا، أن هذا الاعتراف هو الدليل المستجد على العزلة السياسية التي تجد إسرائيل نفسها في خضمها، وهي عزلة – باعتراف معظم المحللين في إسرائيل – غير محصورة في أوروبا، مثلما حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يلمّح، بل تحدث في الشرق الأوسط وكذلك في أميركا، وتشمل مجالات عديدة مثل التجارة العالمية والعلم والتكنولوجيا والأكاديميا والرياضة والثقافة، بما يشي أن إسرائيل تتحول إلى دولة منبوذة. وفي عرف البعض فإن المساس السياسي والدبلوماسي بمكانة إسرائيل العالمية يشكّل تهديدًا خطرًا لا يقل عن “تهديد الأعداء”، مثلما كتب الجنرال المتقاعد عاموس يدلين، معتبرًا أن من شأنه أن يعيد إسرائيل إلى ما وصفها بأنها “عزلة الغيتو“.
ثانيًا، ثمة تحذير من الإقدام على أيّة خطوة علنية، تعكس نيّة ضم أراضٍ في الضفة الغربية، ردًا على موجة الاعترافات بدولة فلسطينية، وفي عرف المحذرين؛ فإن أيّة خطوة ضم ستؤدي إلى مسّ “اتفاقيات أبراهام”، وإضعاف اتفاقيتَي السلام مع مصر والأردن. وبموجب ما أكد أحد محللي الشؤون العربيّة، لا يهم ما إذا كان الأمر يتعلق بضم غور الأردن، أو مناطق “ج”، أو منطقة E1؛ فكل خطوة ضم سوف تنطوي على أثمان باهظة. وينبغي التنويه بأن البعض ارتأى أن يلفت النظر إلى أن الضم سيشكل ضربة للعلاقات مع الديمقراطيين، وحتى في أوساط جزء من الجمهوريين في الولايات المتحدة. كذلك هناك نفور من هذه الخطوة في محيط الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسبب تداعياتها المحتملة على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
ثالثًا، كانت هناك أصوات، خصوصًا من المحسوبين على “يسار” الخريطة السياسية الحزبية، بأن موجة الاعتراف هذه التي ترتبت على “إعلان نيويورك”، تنطوي على بشرى استراتيجية مهمة لإسرائيل؛ إذ يسعى الإعلان لإضعاف حركة حماس ولتقوية السلطة الفلسطينية، ويعيد الدعم الدولي والإقليمي لإسرائيل عبر مسار تدريجي، مراقَب وآمن. وأشير في تحليلات أصحاب هذا الطيف السياسي في إسرائيل، إلى أنه جرى التأكيد في الإعلان والوثائق المرفقة به أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيتم فقط بوصفه جزءاً من عملية تشمل نزع سلاح حماس، ونقل السيطرة على غزة إلى السلطة الفلسطينية، مع جداول زمنية واضحة، وضمانات دولية “تضمن الأمن اليومي للإسرائيليين، وتشمل كذلك أفقًا سياسيًا”. وما ينبغي أن نلاحظه في ردة فعل هذه الأوساط، التي تنفرد إسرائيليًا بتأييد “حل الدولتين”، أنها تشدّد على أن هذه المستجدات تكمن فيها فرصة لتحريك عملية سياسية تضمن “أمن إسرائيل”. كما تشدّد على أن هذا “لا يعني أن دولة فلسطينية ستقوم غدًا؛ بل يعني أن هناك إمكانًا للبدء بمفاوضات ذات معنىً”، مثلما كتبت ناشطة في حركة “نساء يصنعن السلام“.
رابعًا، تفيد آخر الوقائع المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والمتأثرة من تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، المستمرة منذ عامين (بدأ شنّها يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023)، لكنها تُعدّ بكيفية ما استمرارًا لما قبل الحرب، بأن التوجّه المركزي الآخذ بالتعزّز، حتى وفق ما تؤكد دراسة مُحدّثة صادرة عن “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، هو “الانزلاق المتواصل والمتسارع، أكثر فأكثر، نحو واقع الدولة الواحدة التي ستكون متسمة بالهيمنة اليهودية”، وازدياد مصاعب التوصّل إلى “تسوية سياسية تقوم على الانفصال السياسي والجغرافي والديموغرافي بين الشعبين”. وما يعزّز هذا الاستنتاج مجموعة من سيرورات مركزية تجري في إسرائيل (وفي قراءة أبعد تجري أيضًا في الساحة الفلسطينية، وتتمثّل بالأساس- في هذه الساحة الأخيرة- بتراجع فكرة التسوية القائمة على مبدأ “حل الدولتين”).
خامسًا، حتى الآن يبدو أن نتنياهو يبدي عدم اكتراث بكل هذه المستجدّات المهمة في الجبهة الخارجية. وربما يعود ذلك إلى سببين: الأول، أن جبهته الداخلية ما زالت محصّنة. والثاني، أنه يسوّق نفسه، وتسوّقه أبواقه، بأنه “الرجل المناسب” الذي سيواجه هذا كله! ولعل أبرز أسباب موقف نتنياهو هذا هو أنه ما زال يحظى بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبالأساس لمواصلة الحرب بغزة. ومن آخر مظاهر تجسيد هذا الدعم استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي، طالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة، وإطلاق الأسرى الإسرائيليين، والذي حظي بتأييد جميع الأعضاء الـ14 الآخرين في مجلس الأمن. وبموجب تحليلات إسرائيلية متطابقة، يفضل ترامب منح نتنياهو فرصةً أُخرى، والتقدير السائد هو أنه لن يكون هناك أي تحوّل في هذا الوضع إلا عندما يتغيّر موقف الرئيس الأميركي.
* نشرت على موقع المدن بتاريخ 28 ايلول 2025
