الدكتور زهير هواري
أما وقد أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، العثور على رفات آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، بعد انتهاء المركز الوطني للطب الشرعي، بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية والحاخامية العسكرية، من عملية التعرف على هويته، فما على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير حربه وكبار ضباطه سوى أن يفرشوا عظام أجزائه بعد إخراجها من الكيس الذي وضعوه فيه، ويبدأوا البحث عن ذريعة جديدة لاستمرار الحرب على غزة وأهلها، والأرجح أنها ستكون سلاح حركة حماس لتبرير متابعة إفناء معالم الحياة في القطاع. يذكر مشهد رفات هذا الجندي والسعي المحموم للعثور عليه برواية “جسر على نهر دارينا” حيث تعمل فرقة عسكرية مع نهاية الحرب في البحث عن رفات كبار الضباط القتلى. بعد البحث والتدقيق يعثر هؤلاء على بقايا أعضاء آدمية متآكلة بفعل رطوبة القبور وعوامل الطبيعة. يومها لم تكن الفحوصات الجنائية والطبية بلغت مبلغها اليوم. انتهت الحرب فجرت عملية البحث على ايدي فرق مختصة ، لكنها لا تعرف اذا ما كانت العظام هذه هي التي يبحثون عنها. أما حرب قطاع غزة وفلسطين فلا نهاية لها على ضوء ما يتسرب عن أوليات المرحلة الثانية للحل الذي اقترحه دونالد ترامب ووافقت عليه حماس والعديد من الدول العربية وغير العربية بينما عارضته دول اوروبا الغربية وروسيا والصين، مع ذلك اجتهد قادة اسرائييل في البحث عن الجثمان تحقيقا لوعودهم باستعادة كل الـ 28 جثة للأسرى المتوفين.
تمثلت البداية في استعادة الأسرى الأحياء إناثا وذكورا، جنودا ومدنيين. حدث ذلك تحت وابل من القصف الجوي والبري والبحري. وكانت أطنان المتفجرات المستوردة حديثا من المصانع الاميركية والاوروبية تنهمر على الأحياء، فتحيل المؤسسات والمنازل إلى ركام من الأنقاض. ومعها كانت جغرافيا القطاع تنقلب رأسا على عقب. وعندما أعيد جميع الأحياء بدأ الحديث عن الجثامين التي باتت تحت تلال من الرمال وعشرات ومئات الأطنان من الركام. وكان المقاتلون الفلسطينيون يحفرون بالمجارف والرفوش وبأيديهم العارية بحثا عن رفات المفقودين الاسرائيليين. وخلالها كان القصف على المدن والمخيمات متلاحقا بذريعة تسريع استعادة الهياكل العظمية للمفقودين، بينما الفعلي كان قتل أو دفع الأحياء إلى الضغط على مصر لفتح معبر رفح أمامهم للرحيل. المصريون ولقطع الطريق على هذه الذريعة أوفدوا آليات حفر وفرق طب جنائي بحثا عن هؤلاء. وأمكن العثور على معظمهم إلى الحد الذي ظلت هناك جثة الجندي ران غويلي التي أمكن أخيرا التعرف عليها ودفنها رسميا. وبذلك عاد المحتجزون جميعا بمن هم أحياء وأموات من قطاع غزة كما أعلن عن ذلك بيان الجيش الاسرائيلي. اذن أقفل ملف المفقودين الذي ظل طوال عامين مفتوحا على مزيد من عمليات القتل من خلال القصف المدفعي والغارات الجوية التي لا تستهدف منازل مؤلفة من جدران وأسقف واقية، بل خياما تهلهلت بفعل المطر والرياح والتنقل بها مرارا وتكرارا على عربات “الكارو” من الشمال إلى الجنوب وبالعكس.
قيل إن الملف جرى أغلاقه، لكن أحدا لم يعمد إلى حصر عدد الضحايا الفلسطينيين طوال العامين اللذين تخللا اطلاق سراح الأحياء والعثور على جثث الأموات. لكن نتنياهو وجيشه ومعه اليمين الصهيوني الديني وغير الديني لم يكونوا يصدرون الأوامر للجيش بتصعيد المذبحة وصولا إلى ما مجموعه حوالي ثلاثماية ألف بين قتيل وجريح، كرمى لعيون ذوي الجندي ران، وللمتظاهرين في شوارع تل ابيب، الذين يريدون استعادة جثمانه ودفنه على نحو لائق، بما يذكر بقصة فيلم الجندي رايان الذي يتطوع في الجيش الاميركي للقتال ضد النازية فيجرى إلحاقه بإحدى الجبهات، بينما شقيقه وهو جندي آخر أرسل إلى جبهة ثانية. يقتل شقيق رايان وتحاول القيادة ارسال جندي للعثور على رايان وإعادته إلى ذويه. المهم أن أحداثا متلاحقة شهدتها الجبهة حيث ريان يقاتل لاقناعه بمغادرة موقعه والعودة إلى ذويه. نقطة الخلاف بين رايان وران أن الثاني لم يكن في عداد قوة تعمل على صد الزحف النازي وإلحاق الهزيمة بقواه النظامية المدججة. ران هو جندي اسرائيلي أسر في عملية طوفان الأقصى وهو وأمثاله عبارة عن مستوطنين وحرس للمستوطنات المقامة على اراض فلسطينية. وسكان قطاع غزة بمن هم سكان المدن والقرى والمخيمات وكلها من أكثر الأماكن اكتظاظا في العالم تقارب نسبة الـ 80 % منهم لاجئون من فلسطين التاريخية بما فيه ما يسمى غلاف غزة، حيث تنتشر المستوطنات التي أخذ منها الفلسطينيون الأسرى. وهو بالتالي جندي احتلال وليس مقاتلا من أجل الديمقراطية وتحرير الشعوب والدول. تحرير الناس والأرض من براثن الجيوش النازية وفرق الموت المدربة.
تبين مثلا أن المكان الذي عثر فيه على ران يقع تحت سيطرة القوات الاسرائيلية، وظهر من معطيات أجهزة المخابرات الاسرائيلية نفسها أن الجثة دفنت داخل منطقة الاحتلال، وليس في المناطق التي تسيطر عليها حماس. ثم إن المعلومات التي جرى تسريبها من حماس أو الجهاد لوسطاء جزمت بوجود الأسير داخل منطقة سيطرة جيش الاحتلال. وهذه المعطيات وسواها سمحت لاسرائيل بتحديد المكان بدقة كما نص على ذلك الاتفاق الذي جرى توقيعه في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025 الماضي. منذ البداية ورغم تسلم الجثمان الأخير هذا، لم يحدث أن التزمت اسرائيل يوما بما نص عليه الاتفاق من وقف القتال، والامتناع عن ارتكاب المجازر استنادا على تفوقها العسكري. لذلك تتلاحق المجازر صبح مساء، بينما يعاني الأحياء من فقدان الأمن ونقص الطعام ومياه الشرب والإيواء والاستشفاء والتعليم وغير ذلك من ضرورات الحياة.
رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وصف استعادة الجثة الأخيرة بأنه “إنجاز غير عادي لدولة إسرائيل”، وقال: “لقد وعدنا، وأنا وعدت، بأن نعيد الجميع، وقد أعدنا الجميع، حتى آخر واحد منهم”. ومثل هذا التصريح يتجاهل ما تشهده اسرائيل من مطالبة بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات يوم السابع من اكتوبر عام 2023 ، وما أحاط به من تقصير وصل إلى حد إتهام القيادة الاسرائيلية وعلى رأسها نتنياهو نفسه، أنها كانت على علم بالهجوم قبل حدوثه، وأنها لم تحرك ساكنا من أجل تبرير تنفيذ ما يصفه نتنياهو بأنه تغيير المنطقة وخارطة الشرق الاوسط برمتها. وهو إلى جانب الاتهامات الموجهة له من جانب القضاء يضغط على الحبل المفوف حول عنقه، وقد يطيح بمستقبله السياسي ويقذف به إلى زنزانة السجن. أكثر من ذلك، فمنذ بداية المعارك بعد هجوم طوفان الأقصى فتح الجيش الاسرائيلي النار على نحو جنوني رغم مطالبته بالتفاوض لاستعادة المحتجزين. ووفق معطيات موثقة أنه خلال الحرب، لقي عدد من الأسرى الإسرائيليين حتفهم بنيران جيشهم نفسه، سواء نتيجة القصف الجوي أو العمليات البرية، في وقت كانت فيه إمكانية إنقاذهم قائمة عبر صفقات تبادل مبكرة ووقف إطلاق النار، وهي مقترحات طُرحت منذ الأشهر الأولى للحرب ورفضها المستوى السياسي الإسرائيلي مراراً.
على أن مأساة غزة لا تتعلق بما مر عليها من حروب مستعادة وأخرها الحرب المشتعلة منذ العام 2023 ، بل في المقبل من الأيام لاسيما وأن ما يعلنه دونالد ترامب عن مجلس السلام ومشاريع إعمار وأبراج ستقتصر على المنطقة التي احتلتها اسرائيل، وإن كان يذكر المدينة والقطاع لماما، إلا إنه يجعل منها مجرد ورقة يقبض ثمنها من الدول الغنية مليار دولار مقابل عضويتها في المجلس، بينما يتربع هو على رأس إدارته مطلق الصلاحية كديكتاتور أوحد على الكرة الارضية. بدءا من كندا مرورا بغرينلاند وفنزويلا وصولا إلى الشرقين الأدنى والأوسط. يأمر فيطاع. واذا ما تمرد أحد ما على أحكامه فالأساطيل والبوارج وحاملات الطائرات والأسلحة النووية وغير النووية جاهزة لإعادته إلى حظيرة “الطريق القويم”.
اذا كان الجندي ران قد أعيدت جثته إلى ذويه ودفن وسط أنغام الموسيقى الجنائزية والترتيبات العسكرية المعروفة لدى الجيوش، فإن عشرات الألوف من أهالي غزة ومن ضمنهم نساء وأطفال وشيوخ ومعلمين وأطباء وممرضين وعمال مياومين وصيادين وأساتذة وحرفيين ومقاتلين جرى دفنهم في قبور جماعية. قبور ليست مدافن بل قد تكون عبارة عن ساحة أمام مستشفى، أو فيما كان شارع قبلا أو قطعة أرض خلاء. لم يحظ هؤلاء بتحية عسكرية أو مدنية. فقط أهيل عليهم الرمل على عجل ليعود ذووهم إلى خيام، تبين أنها لا تحقق الحماية من عصف الرياح فكيف بعصف القصف والصواريخ المدمرة؟
